هل تشعل كوريا الشمالية فتيل حرب نووية؟

د. صالح بكر الطيار قرأها 1,331

تحتل الأزمة مع كوريا الشمالية واجهة الأحداث العالمية وتشغل بال دوائر صناعة القرار الدولي في ظل التهديدات بين كوريا الجنوبية والشمالية باللجوء الى استخدام السلاح النووي، وفي ظل تهديد بيونغ يانغ بإستهداف مواقع استراتيجية في الولايات المتحدة الأميركية. والخلاف بين المعسكر الغربي وبين كوريا الشمالية ليس جديداَ بل هو من مخلفات الحرب الباردة التي كانت سائدة لعشرات السنوات بين أنصار الرأسمالية وأنصار الاشتراكية إذ كانت كوريا مستعمرة يابانية، وبعد هزيمة اليابان أصبحت كوريا غنيمة حرب بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة. الشطر الشمالي للسوفيات والجنوبي للأميركان. وعام 1948 أصبح الشطران مستقلين، فساد نظام شيوعي في الشمال ونظام رأسمالي في الجنوب. وعام 1950 حاول الشمال غزو الجنوب وضمّه اليه فتدخّلت أميركا وتمّ طرد الشيوعيين من الجنوب واحتلّت أميركا وحلفاؤها معظم أراضي كوريا الشمالية حتى العاصمة بيونغ يانغ، وتدخّلت الصين لمناصرة كوريا الشمالية فخسرت نحو 400 ألف شخص خلال ايام بالاضافة لمقتل 4 ملايين كوري شمالي و50 ألف جندي أميركي. وكادت أميركا ان تستعمل القنبلة النووية ضد الصين لولا تدخل الاتحاد السوفياتي حيث تم إبرام حالة هدنة بين الكوريتين. ومنذ ذلك الوقت والعلاقة تمرّ بمدٍّ وجزر رغم سقوط المعسكر الاشتراكي وتفكّك دول الاتحاد السوفياتي. وغالباً ما كانت تجري مفاوضات بين الكوريتين برعاية أميركية وبمشاركة صينية وروسية، وكانت تصل أحياناً الى توقيع اتفاق غالباً ما يكون مضمونه توقف كوريا الشمالية عن انتاج السلاح النووي مقابل حصولها على مساعدات مالية وغذائية ونفطية، ولكن سرعان ما كان يسقط الاتفاق لأن لدى كل طرف أطماعاً خاصة به لم يتنازل يوماً عنها: فأميركا تريد بسط سيطرتها بالكامل على شبه الجزيرة الكورية لفوائد اقتصادية ولمحاصرة الصين. وبيونغ يانع لازالت تحلم باستعادة كوريا الجنوبية وضمها الى نظامها. يضاف الى ذلك ما لدى بكين وموسكو من مشاريع خاصة بها والتي تتمحور حول السعي لمنع واشنطن من الاستئثار بهذه المنطقة الهامة من العالم. وأخيراً وصلت الخلافات بين كوريا الشمالية وشقيقتها الجنوبية الى أقصى حدودها حيث عمد الشطر الشمالي الى إجراء تجربة نووية ناجحة في 12 شباط/فبراير وهي الثالثة بعد سنتي 2006 و2009. وشكلت هذه التجربة تحدياً لكوريا الجنوبية ولحليفتها الأميركية كما أحرجت حلفاء بيونغ يانغ أي روسيا والصين اللتين اضطرتا الموافقة على قرار لمجلس الامن الدولي يقضي بفرض عقوبات جديدة، مالية خصوصا، بحق كوريا الشمالية. كما يسعى القرار الذي اقترحته عدة دول منها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وكوريا الجنوبية وفرنسا وصادق عليه الأعضاء الخمسة عشر في المجلس بالإجماع الى اجتثاث مصادر التمويل التي تلجا اليها بيونغ يانغ لتحقيق طموحاتها البالسيتية ويفرض مراقبة على الدبلوماسيين الكوريين الشماليين ويوسّع اللائحة السوداء للأشخاص والشركات المجمّدة حساباتهم او الممنوعين من السفر. ويحدد القرار بوضوح جملة من السلع الفخمة التي لن يسمح لقادة النظام الشيوعي باقتنائها في المستقبل ويفرض لزاماً تفتيش الشحنات القادمة والمتوجهة الى كوريا الشمالية. ورداً على ذلك لجأت كوريا الشمالية الى الغاء معاهدة الهدنة التي أانهت الحرب الكورية عام 1953 محذرة من ان الخطوة المقبلة ستكون ردّاً عسكرياً "لا هوادة فيه" ضد أعدائها. وتضمن بيانٌ مطوّلٌ أصدرته وزارة القوات المسلحة الكورية الشمالية تهديدات إضافية بعد تلك التي وجهتها بيونغ يانغ في الايام الماضية ما رفع التوتر في شبه الجزيرة الكورية الى اعلى مستوياته منذ سنوات. وحدّد الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ اون جزيرة صغيرة في كوريا الجنوبية (باينغنيونغ) كهدف أول في حال اندلاع نزاع.. ويبلغ عدد سكان هذه الجزيرة خمسة آلاف نسمة وتتمركز فيها عدة وحدات عسكرية. ومن جهتها تعهّدت رئيسة كوريا الجنوبية بارك كون هيون بالتعامل بقوة مع استفزازات كوريا الشمالية. وقالت بارك إن كوريا الشمالية سعت قدمًا نحو إجراء تجربة نووية وتطوير صواريخ طويلة المدى وتهدد بإلغاء الهدنة، مضيفة أن سيول ستتعامل بقوة مع الاستفزازات الكورية الشمالية. هذه الأجواء المشحونة قد تدفع بأحد أطراف النزاع الى القيام بمغامرة أقلها اللجوء الى السلاح النووي وعند ذلك ستكون شرارة بداية الحرب العالمية الثالثة قد انطلقت إلا إذا نجحت الوساطات الجديدة التي تخوضها موسكو وبكين من أجل التعامل مع هذه الأزمة الخطيرة بروية وهدوء.

رئيس مركز الدراسات العربي الاوروبي