الشاعر محمد علي شمس الدين، أميرال الطيور ينام على عرائش الشعر الخضراء
إذا كان الطير ينام على الشجر الأخضر، فان عين الشاعر لا تغفل عن رصد كل حركة، وحساسيته لا تتوانى عن التقاط كل شعور أو انفعال لزجه في أتون الحالة الشعرية المتأججة لتجعل منه خلقاً شعرياً سوياً، ونصّاً إبداعياً متميزاً.
محمد علي شمس الدين، الشاعر اللبناني المعروف، يتابع إغناء ديوان الشعر العربي بالمزيد من إبداعاته، وآخرها مجموعته الشعرية التي اختار لها عنوانا طويلاً (ربما يعكس طول تجربته الشعرية) هو: "ينام على الشجر الأخضر الطير"، وهذا الطير الذي ينام على الشجر الأخضر لا أحد يستطيع إيقاظه ليتابع رحلته الموسمية إلى عوالم السحر والخيال إلا (أميرال الطيور) – عنوان مجموعة شعرية للشاعر صدرت عام 1992م-، وربما تكون رحلة هذه الطيور إلى الاحتراق والتلاشي كطيور فريد الدين العطار في (منطق الطير)، وإذا كانت طيور العطار ترحل للاندماج في الذات الكلية، فان محمد علي شمس الدين يرسل الـ(طيور إلى الشمس المرة) – أيضا عنوان مجموعة شعرية للشاعر صدرت عام 1984م -. سبعون عاما تربض على كتف شاعرنا (مواليد قرية بيت ياحون في الجنوب اللبناني عام 1942م) أمضى أكثر من نصفها في عالم الشعر (صدرت أول مجموعة شعرية له عام 1975 بعنوان قصائد مهربة إلى حبيبتي آسيا) يصارع الكلمات لينتقي أجملها وأعذبها وأكثرها تعبيرا عما يريد، ويمخر عباب البحور والإيقاعات المختلفة والمتنوعة لينسل منها أنغامه الخاصة، الآن يحق له – بعد تجربته الغنية في الشعر والحياة – ان يقف متأملا، وان يلقي نظرة إلى الماضي ليستحضر بعضا من رموزه (الحلاج، المعري، المتنبي) لا ليستغرق فيه، إشارة إلى عدم تنكره لمَ في الماضي من جميل مشرق، ثم يرنو إلى الحاضر مخاطبا رفاق درب الإبداع والأدب (صنع الله إبراهيم، جريس سماوي، مارون بغدادي، محمود درويش)، بعدها يرسل نظرة حالمة بمستقبل أفضل. يقول: تموز عاد وصيفنا شَرَكُ الليالي. تموز عاد يقضّ مضاجع الموتى فتحتشد الجبال على الجبالِ فليبق في السهل الجواد كما ترى إني سأختصر المجاز إلى السؤال لا لن يخون الدمُّ صاحبَه فلم يقتل من المقتول إلا قاتلوه.
يحافظ محمد علي شمس الدين في قصائده على غنائية رقيقة، وإيقاعات مضبوطة بانسجام هارموني دقيق، يصوغ جمله بمهارة شاعر متمكن أصبحت اللغة سلسة طيعة بين يديه، والأنغام تتدفق على شفتيه كأنفاسه الدافئة، وما بين قصائد التفعيلة والقصائد المنظومة على بحور الشعر القديمة، فان دفقة الشعر النابض بالحياة لا تضعف، بل تبقى محافظة على دفئها وحرارتها وجمالها، وإذا كانت القصائد العمودية تقدم نصّاً شعرياً بإيقاعات تتكرر وتتوالى من بيت إلى آخر، فان شاعرنا يحلق في عوالم الأنغام المتنوعة والمتعددة في قصائد التفعيلة وذلك حسب إيقاع الحالة الشعورية لديه، لا بل نجد في المجموعة نصوصا نخالها للوهلة الأولى نثرا، إذ يتخلّى فيها عن شكل الشعر وعن القافية، لكننا عندما نقرأها نجد أنها محتفظة بإيقاع الشعر وموسيقاه، فشاعرنا مهما صال وجال في الكتابة لا يتخلّى عن موسيقا الكلمة.
محمد علي شمس الدين يمور بعواطف الحب والحنين والعشق، لكنه لا يتخلّع في حبه، ولا يقع في التغزل الماجن المسف، بل يبقى غزلا وقورا لأن الحكمة تبقيه متوازنا معتدلا، فالزهد والتصوّف متغلغلان في ثقافته وفكره، والملاحظ في هذه المجموعة ان المفردات ذات الصبغة الدينية، والقصائد ذات النفس الصوفي لهما حضور كبير، ربما يعود ذلك إلى عامل السن، إذ ان الإنسان ينمو لديه النزوع الإيماني كلما تقدم بالسن. يقول: سبحان من جعل المشكاة من شجر نور الإله ولو سمّاه زيتوناً يكاد يخطــف أبصــــار متيَّمـــهم برقٌ سرى نحوكم من طور سينينا كم ذا شربتُ ويرعى الله خمرتنا وكم همست على جفنيه آمينا وكم سكبتُ كؤوساً ليس يعرفها سوى المحبين والمصلينا ليست من الكرم حتى لا يعاب بها ولا العناقيد أو أدنى خوابينا قديمة عرقها في الخلد مختبئ وكفُّ آدم سنِّت حبها دينا.
في مجموعته (ينام على الشجر الأخضر الطير) يلقي محمد علي شمس الدين نظرة على بلده لبنان (قرية قرية وخاصة الجنوب)، وعلى ما يعصف بأمته من متغيرات وأحداث (اضطرابات عام 2011) ويعود بعد ذلك إلى قرارة نفسه متأملا في خواطره وأفكاره، وليطرح تساؤلاته على نفسه. يقول: فما بين يوم وآخر تنهض من نومها الكائنات ويبعث من في القبور على الرمل تسفو الرياح عظاماً وتنصب منها شواهد للقادمين خياماً أرى أم قصوراً على بقعة من دماء وطين؟....................... أخاف لأنني وقفت على شرفة عاليه ولا شيء حولي سوى الهاويه ونمشي معا في طريقين مختلفين ماضٍ مضى وغدٍ لا يجيء فقد مرّ دهرٌ طويل ولا ضوءَ في الليل إلا خيوط العناكب وشيء كالبهلوان جمل هائج أم حصان؟
على فضاء التساؤل الواسع الذي نترك الإجابة عليه للزمن نختم هذه القراءة في المجموعة الأخيرة للشاعر محمد علي شمس الدين والتي حملت عنوان (ينام على الشجر الأخضر الطير) الصادرة ضمن سلسلة كتاب دبي الثقافي برقم /58/.