فيلسوف المعرة يتحدى التكفيريين..!

شاكر فريد حسن قرأها 1,427

قبل ايام معدودات أقدمت مجموعة مسلحة من الجهاديين والتكفيريين المعارضين للنظام السوري، بقطع رأس تمثال الشاعر والاديب والفيلسوف العربي الخالد ابو العلاء المعري، المكنى بـ "رهين المحبسين"، المنتصب وسط معرة النعمان، مسقط رأسه، في منطقة ادلب، باعتباره، وفق عقيدة هذه الجماعات، "زنديقاً" و"كافراً"، ولأن معتقداته وآرءه الفلسفية، التي عبّر عنها في كتابه الشهير "رسالة الغفران" تزعج هذه الجماعات الجهادية الاصولية والسلفية المتطرفة، وتتعارض مع وجهات نظرها وتفكيرها وارائها الدينية المتشددة.

وهذا الاعتداء ان دل على شيء فانه يدل الفكر الظلامي الذي تتبناه هذه القوى السلفية الغيبية المتعصبة، وعدائها للعلم والثقافة المتنورة، وللعقول العلمية والفكرية. وهو عمل وحشي وبربري وظلامي يستهدف رمزاً من رموزنا الادبية والفلسفية والثقافية له منزلة كبيرة وعظيمة في ثقافتنا العربية وتاريخنا الادبي والفكري الحضاري، ويرمي الى تشويه صورته والنيل من فكره وآرائه من الدين والحياة.

وابو العلاء المعري، الذي اعتدت على تمثاله الايدي الشريرة، هو احد ابرز وجوه الادب العربي في القرن العاشر، وايقونة من ايقونات تراثنا الفكري والفلسفي العربي. وهو شاعر واديب وفيلسوف له مذهبه الفلسفي الخاص، اعتزل الناس، وعاش متزهداً، ونظر الى الحياة نظرة تشاؤمية كلها سخط وازدراء. اعتمد على العقل، وآمن بالعلم والمعرفة، ووقف ضد الخرافات والشعوذات والاساطير والتعصب الديني والطائفي والأعمى، ودافع عن العدالة الاجتماعية والانسانية لبني البشر، ودعا الى عدم الانجاب لتجنيب الاطفال المعاناة ومتاعب الحياة وهمومها وآلامها. وقد كان صافي الفكر، عميق الادراك، صادق التعبير عن ارائه ومواقفه ونظراته الفلسفية والفكرية، وانشغل في الكتابة والتأليف، فوضع "رسالة الغفران" و"وتاج الحرة في النساء واخلاقهن وعظاتهن" و"معجزة احمد بن الحسين المتنبي" و"سقط الزند" و"اللزوميات" وغير ذلك.

ولعلنا نستشف فلسفته، التي يختصرها في هذه الابيات الشعرية، حيث يقول:

غيـــرُ مُجدٍ في مِلّــتي واعتقــــادي     نــــوح بـــــــــــاك او تـــــرنـُّــم شــــــــــادي

وشبيــــــــٌه صوتُ النعيِّ اذا قيس      بصـــــــــــوت البشيــــر في كل نــــــاد

صــــــــاح: هذي قبـــــــــــــورنا تملأ الرّحـــــــب فأين القبـــــــور من عهد عـــــــاد

رُب لَحْدٍ  قد صـــــــار لحداً مراراً      ضاحكاً  من تــــــــــزاحُم الأضــــــــداد

تَعَبٌ كلُّـــــها الحيــــاة  فمــــــــــــا أعجـب الا مــِـــن راغـــــــــــب في ازديـــــــــــــــــاد

واذا كانت العصابات المسلحة تمكنت من تدمير وتحطيم رأس التمثال، فانها لا ولم ولن تنال من ابي العلاء المعري، هذا الرمز الساطع والشامخ، وتغييب فكره الفلسفي. انه باق وراسخ في عقول وأذهان مثقفينا ومفكرينا وادبائنا وشعرائنا المسلحين بالرؤية العقلانية التقدمية والنظرة النقدية والجدلية وبالمعارف الفلسفية، لما لأبي العلاء من حضور ادبي وثقافي طاغ ومميز. والخزي والعار لعصابات التكفير وقوى الظلام، التي تغتال المفكرين والمثقفين النهضويين العقلانيين، بدلاً من تكريمهم والاحتفاء والاحتفال بهم، بما قدموه من مساهمات فكرية وادبية وفلسفية لا تقدر بثمن.