ملامح وظلال / جوزف أبي ضاهر
ورقة في جيبي يسمّونها هويّة. تتكلّم عنّي، تقول للنّاس اسمي، تصف لوني عيني، ولون شعري، وفي أي يوم ولدت، الى أي عائلة أنتمي، الى أي وطن، الى أي دين. وإذا كنت متعلماً، أو جاهلاً، متزوجاً أو عازباً، ومن اخترت زوجة لي... ورقة تكاد تأخذ كل حضوري، بل تأخذه. وبدونها يُلقى القبض علي بتهمة تقمّص شكل ما، في وطن ما، في حياة ما... ما كنت أتمنى أن يكون وجودي فيها مرتبطًا بورقة .
رَسَمَ وجهَها على الهواء. خافتِ الهواء يفضحها. أغلقت شبّاكها وفتحت شبّاك جارتها لتضيّع بوصلة الشك. *** رَسَمَ ابتساماتها في لوحته. مرّت العيون بها وقضمت الشفتين. *** غادرت النوم امرأة مؤنسة. لحقَ النعاسُ بها. تنهّدت العتمة طويلاً وابتعدت. قضم البردُ آخر…
للمشاعرِ أكثرُ من اسمٍ، أكثرُ من صفةٍ، أكثرُ من طعمٍ ... ذقتها. *** في الليل لا تنعس الأشجار، تظلّ واقفة تراقب قدر ما تشتهي «حشريتها». *** لا تحتفظ بحطب الأيام، قد يأخذك معه إلى النار. *** أطفئ الجمر، ولتخسر الريح رمادًا يذرّ في العيون! *** زغبُ أوّل العمر…
إلى حفيدي أودن وحفيدتي فْريا. حَمَلا إليَّ زهرًا. هو وهي... كأنهما الربيع كلّه، العطر كلّه والعمر مجتمعًا... نظرت إلى الآتي وتمنّيت، لهما منه، ما أعجز عن تعداده وذكره. كم نصبح صغارًا حين تؤخذ الطفولة من قلبنا. *** رأيتهما يأتيان على مهل. خبّأت لهفتي الكلام…
أمطرت. ازدحمت الأرض بالعشب. *** في باطن الأرضِ أجنّة موعد الولادة؟ ـ «شتاء». *** الرغبة تسبق الولادة، تختفي بعدها، تهرب. *** خَائِطُ قمصان العشب لا يتقيّد بموضة. *** قميص الغيم علّمت الريح الخياطة. *** تمرّ الريح بالشجر، تعبث بمدّ اليد ولا تقيم. تخاف نزف…
الحرّية مؤنثة، تقول المعاجم وكتب اللغة. وأكثر من نصف العالم لا يعترف بها لامرأة. *** حضن الكتاب حضن امرأة. تمهّل وأنت تقرأ. *** انشغل العِلمُ في تفسير «الحب» عند الآلهة. ـ هل قلوبها تنبض مثل قلوبنا؟ *** لا تقف صامتًا في باب امرأة. أدخل وقلْ لهفتك. أو اخرج…
لا تسل مغتصب الأرض: ـ من اغتال الشجرة؟ *** «ظِلُّ» السلطة أقوى منها، ويبقى بعد رحيلها. *** قالوا: «الحرّية مغامرة... عشق». ـ إلمس طرف ثوبها! *** جميع الانتصارات تنتهي بـ «جثّة». نختلف على تحديد «العلامات الفارقة» في هويتها. *** الشعوب كما الأنهر. تعبر وتترك…
عَبَرتُ الشوارع كُلّها، ما وجدت بابًا يُدخلني إلى المدينة، أو يُخرجني منها. ـ هل المدينة من دون باب ومفتاح؟ اللّصوص سرقوا الباب والمفتاح اختصارًا للوقت! «الوقت الضائع» لا يعترف اللّص به. *** دخل قرويٌّ مدينةً. أخذت المدينة هويّته، ولم تعدها إليه. *** تُسَمّي…
ـ «عتّمت، عُدْ إلى البيت». قالت لصغيرها، فعاتبها الأب: ـ «اتركيه... العتمة في العقل والقلب، وهو إلى الاثنين ينير لنا الدّرب». *** يقاوم السراج العتمة، يغلبها. تطلع من روحها نُسيمة تثأر لها منه.... يصبح جزءًا منها. *** ـ «بنور قنديل تحارب الظلمة». قالها عابرٌ…
علّمتني الحياة لغة الصمت. هي أبلغ لغات الأرض. مع الوقت أتقنتها، وبتُّ أقل أخطاءً من الماضي: كتابة وصمتًا. الفعل فيها كثير الصياغات، ولا واحدة تشبه أخرى. كثير اللياقات، ولا واحدة تشبه أخرى. ـ وبعد؟ ليس من بعد. الصمت أوضح... واحترامًا لآخر صدى منه. *** قالوا…
سُلطة المساومة على المساواة بسيطة. مسألة حرف «عينه ضيّقة». استبدلوه. حمل ـ «وداعة قلب»؟ يعني؟ أن تكون حملاً؟ مجنون رجع مجنون من غربة الناس نام على عتبة بيته. في الداخل يخسر ما اتهموه به. مهنة سألت الحرّية القانون عن مهنته لم يجب. أدركت حَرَجه. رغبات الحق…
خيانة همس قمرٌ لغيمةٍ: أنا أكثر بهاء من الريح. غَطّيني بثيابك لأحلم... وحلم. عَلِمت الريح. اتّهمت الغيم كلّه بالخيانة... أبكته. ذاكرة ليست للريح ذاكرة ألف مرّة اصطدمت بالجدار ذاته. اتجاه النظر في كلّ الاتجاهات لا يوصل إلى اتجاه. جذور جذور الكلام في الكتب.…
شَكّ لامست أصابع الريح العَتمة. ـ ماذا حدث؟ سَمِعتُ حشرجة ـ من الريح، أم من العتمة؟ وزّع الشَكّ أجوبة لها ألسنة كثيرة. ارفعوا أياديكم مَررتُ في الغفلة. ما شاهدني أحد، وما دَرى بي أحد. لماذا تضعون أياديكم على اسمي، وتطالبون بسجنه؟ في الكتب، في الكلام، في الصوت،…
بئس المصير التفّاحة التي قطفتها حواء وأعطتها لآدم، كانت ستسقط حين تنضج. إذا لم تنضج وتقطف ستيبس، وتيبس حواء معها، وييبس آدم... ولن يدوسا أرضًا تجري فيها أنهار اللبن والعسل، وتُطلِعُ شجرًا وزهرًا وثمرًا، ولن يمرَّ الطير بها عابرًا، من ضفّة عمرٍ إلى أخرى. بـ…
مقبض سكين اختار راعٍ أكبر خِرافه. ذبحه... وأكل لحمه نيئًا، مشويًّا، مطبوخًا، ورمى عظامه لكلابه. حاكت زوجة الراعي من صوفه كنزة لزوجها، تدفئ به جسده، وصنعت من جلده مقبضًا لسكّينه. حتّى رؤوس الأصابع للطغاة آباء، أمهات، أحفاد، أحفاد أحفاد... وما يلي. ولهم أيضًا ما…
نذورًا نذرت لأصبح نبعًا، نهرًا ولو ابتلعني البحر وصرت طعامًا لأسماكه. *** نذورًا نذرت لأصبح نايًا، نغمًا ولو سرقتني الريح وأهدتني إلى التلال والوديان والسهول. *** نذورًا نذرت لأصبح لغة، لغات ولو سمّروني في كتبٍ ومنعوني من الهرب إلى أوراقٍ لم تُكتب عليها…
إذا كان الجنون يسكن بيوت الجن، فأين يسكن الجن؟ أوّل الكلام ما عدت أصدّق كلامًا يتكرّر، كلّ يوم، كلّ ساعة، كلّ لحظة عشرات المرّات. صرت أجزم بأنه كلام خداع يُراد به «حفر» الذاكرة، تشبّهًا بتكرار نقطة الماء التي حفرت الصخر. بين الكسرة والكسرة الخداع بعض نفاق.…
جاذبيّة ـ الجاذبيّة تأتي من فوق، أم تأتي من تحت؟ حَسَب... ـ حَسَبَ ماذا؟ أين تقف أنت، تحت أم فوق؟ إذا كنت بينهما أقفل فمك... واسكت. حكمة «فَرّق تَسُد» خذوا «الحكمة» من الأمثلة، وإلاّ لماذا تسمّونها «حكمة»، حتّى ولو جاءت من أفواه المجانين. أليس أفضل من أن…
... والأصابع تنكمش وتتجعّد بمئة قلم، بألف قلم، بآلاف الأقلام كتب ورسم وخطّط، وخربش، وزيّح، وصرخ، وهمس وباح... وعن الأقلام ذاتها كتم، وكذّب، وما سلّم ذاته كاملة لها. بقي في نفسه خوف من شيء لا يعرفه، ولم يدركه، ولا رآه، أو صادفه. مجهول يحوط بالأقلام وبالأصابع…