والله طيب ياحمُّص أخضر
.jpg)
أحياناً نسمع عبارة "حمُّص أخضر" فلا تصل ذاكرتنا لأبعد من أوبريت العشرة الطيبة لخالد الذكر سيد درويش. وكان نجيب الريحاني هو الذي بادر بالفكرة حين عثر على رواية فرنسية بعنوان "ذو اللحية الزرقاء" فكلّف محمد تيمور بتعريبها وبديع خيري بكتابة أزجالها والشيخ سيد بتلحينها وعزيز عيد بإخراجها، وأنتجها الريحاني على حسابه وكلّفته وفق أسعار 1920 ثلاثة آلاف جنيه كاملة!
في الأوبريت سنجد شخصية "حاجي بابا حمّص أخضر" المملوك الغاشم الذي يتخلّص من زوجاته الواحدة بعد الأخرى بدسّ السم لهن، وقام بدوره استيفان روسيتي الذي ولد لأب نمساوي وأم إيطالية وقضى حياته في شبرا. ويسخر الأوبريت من غباوة الأمير حمّص أخضر وينتهي بالانتصار عليه وغناء الجميع "لازم نكيدك ياحمّص أخضر.. دي العبودية خلص زمانها.. والحرية ح يئون أوانها"!. لكن حكاية حمّص أخضر والاستهزاء به تمتد في تاريخ مصر السياسي أبعد من تاريخها الفني. وتحديداً إلى منتصف القرن 14 حين عين السلطان شهاب الدين الأمير قشتمر نائباً للسلطنة، فطغى قشتمر وبغى. لكن المصريين الذين قد لا تكفيهم الأسلحة لخلع الطغاة مدجّجون دوماً بروح السخرية التي لا تنفد طلقاتها من عندهم. لذلك أطلقوا على قشتمر اسم "حمّص أخضر"، كما أطلقوا على الأمير الفخري لقب "الفول المقشر"! وقد لاحظ ابن بطوطة (1304- 1378 م) حين زار مصر تلك السّمة الأصيلة فوصف المصريين بأنهم جميعاً على اختلاف طبقاتهم "ذوو طرب وسرور ولهو". أتذكّر تلك القصة حين أقرأ وأسمع أن الرئيس مرسي يرفع الدعاوي القضائية لمحاكمة الكاتب الزميل جمال فهمي وكيل نقابة الصحفيين، وعددٌ آخر من الزملاء ومنهم د. عبد الحليم قنديل بتهمة إهانة الرئيس. ذلك أن تصريحات الإخوان كلها قبل 25 يناير كانت قاطعة وواضحة بشأن عدم مشاركتهم في الثورة، وللرئيس مرسي شخصيا – وكان مسؤول لجنة الانتخبات لدىي الإخوان - تصريحات لجريدة المصري اليوم بتاريخ 25 نوفمبر2010 جاء فيها بالنص "ننسّق في دوائر مع الحزب الوطني، ولدينا تفاهمات مع الأمن، ورفضنا الدفع بمرشحين أمام عزمي، وغالي، وعلام، وأبوالنجا، احتراماً لهم كرموز للوطن"!. وبينما كان مرسي يحترم دعائم نظام مبارك كرموز للوطن، كان جمال فهمي وقنديل وغيرهما يطالبون بالحرية للشعب والإطاحة بمبارك. والحاصل أن أعداء الثورة، الذين رفضوا المشاركة فيها صاروا يحكمون ويحاكمون الثوار بتهمة الإساءة للذات الرئاسية.
أما عن تهمة إهانة الرئيس، فهي الصيغة الجديدة لتهمة قديمة كان ينص عليها في قانون العقوبات قبل ثورة يوليو وهي "العيب في الذات الملكية"، بل ويمتد تاريخ تلك التهمة إلى ماقبل ذلك، ففي عام 1865 كان قانون المطبوعات العثماني المعمول به في مصر ينص على أن "الذي يستعمل ألفاظاً أو عبارات غير لائقة بحق السلطنة السنّية يُحبس من ستة شهور إلى ثلاث سنوات أو يؤخذ منه خمسة وعشرون ذهبا"! ثم تبلور مفهوم "العيب" قانونياً في خضمّ الثورة العرابية ولمواجهتها تحديداً، ومن ثم جاء في قانون العقوبات عام 1883 أن "كل من عاب في حقِّ ذاتِ أُولي الأمر يعاقب بالحبس من شهر إلى 18 شهراً ويدفع غرامة من مائة قرش ديواني إلى ألفي قرش". وفي عام 1897 صدر أول حكم قضائي في مصر بتهمة العيب في الذات الخديوية في قضية عرفت باسم "قضية السفهاء" حُبس فيها أحمد فؤاد ومعه علي المنفلوطي ستة شهور. وسنة 1915 حوكم أحد المارة بتهمة العيب في حق أولي الأمر لأنه توقّف في الشارع خلال مرور موكب السلطان حسين كامل وأخذ يصيح: "يامْسَهّل ياربّ"! ولعل القضاة قد قدّروا أن قوله "يامْسَهّل يارب" يتضمن رغبة باطنية مكبوتة في الخلاص من السلطان حسين!. وعام 1924 برّأت المحكمة عصام الدين حفني من تهمة العيب في الذات الملكية، ليس من باب العدالة القضائية، لكن لرفض المحكمة التصديق أو القبول بجواز مبدأ أن هناك من يجرؤ على إهانة الملك! ولذلك جاء في حكمها أنه "كان من الأليق بالنيابة أن تتريّث في استنتاج هذه التهمة الشنيعة التي تكاد ألا تصدر إلا ممّن به مسٌّ. إذ ليس من السهل التصديق بأن مصريا يعيب في ذات مليكه المقدسة"! وعام 1930 تعرّض عباس العقاد لذات التهمة بسبب مقالاته في جريدة المؤيد الجديد وقدرت المحكمة أن "العيب وإن لم يكن مسنداً لحضرة صاحب الجلالة الملك صريحاً فإن ذلك لا يمنعها من مؤاخذة المتهمين"!.
ومع اختمار ثورة يوليو في ضمير الشعب زاد عدد قضايا "العيب" أمام المحاكم بشكل غير مسبوق، وكان الشاعر العظيم بيرم التونسي أحد أشهر من عابوا في الذات الملكية بهجوم صريح على الملك فؤاد وابنته الأميرة فايقة في قصيدة "القرع السلطاني" سخر فيها من زواجه جاء فيها "مرمر زماني يازماني مرمر.. البنت ماشية من زمان تتمخطر.. والوزة من قبل الفرح مدبوحة.. والعطفة من قبل النظام مفتوحة.. ولما جت تتجوز المفضوحة.. قالوا اسكتوا خلي البنات تتستر" وبسببها تم نفي بيرم خارج مصر.
وبقيام ثورة يوليو 52 توارى مصطلح "العيب" وحل محله مصطلح آخر جديد بالمعنى نفسه وهو "إهانة الرئيس" الذي حوكم بموجبه بعض الكتاب عام 1978، ثم أعاد أنور السادات إلى الحياة صراحة قانون العيب عام 1980، وسرعان ما اختفى العيب باختفاء السادات نفسه. وخلال تلك الرحلة الطويلة من محاولة تحصين الملوك والرؤوساء الذين لايجوز العيب في "ذواتهم المقدسة" لم يتوقف أحد عند ما يفعله أولئك الرؤساء. وحين وصف الخديوي توفيق ثورة عرابي والشعب المصري بأنها "ثورة أولاد الكلب" لم يعتبر أحد أن ذلك عيب! وعندما قال السادات عن انتفاضة يناير 1977 إنها "انتفاضة حرامية" لم يقل له أحد إن ذلك "عيب". والآن، يتم استدعاء جمال فهمي وآخرين للمحاكمة بالتهمة القديمة جداً ذاتها "إهانة الرئيس"، فلا يبقى لنا إلا أن نردّد ما غنّته الجموع لحمّص أخضر: "والله طيب يا زمان الخلطبيط.. الأصايل يبقوا في آخر الزمر طيط.. واللي كانت هردبيسه وبزرميط.. طالعة في العالي وِإِحْنا في الغويط"! فإذا منع علينا هذا الغناء، سنقف في الشارع ونقول "يامسهل يارب"!.
***
أحمد الخميسي – كاتب مصري
Ahmadalkhamisi2012@gmail.com