ثقافة الهوان في دستورالإخوان
كل نظام سياسي جديد – ناهيك عن ثورة – له فلسفة سياسيةواجتماعية هي التي تحرك العملية الثقافية إجمالا. وعندما قامت ثورة يوليوبفلسفة العداء للاستعمار وتحرير المرأة والمساواة والمواطنة والتصنيعوالاصلاح الزراعي تحركت العملية الثقافية تحت جناح تلك المبادئ، فتم إقرارمجانية التعليم لصالح الفقراء، وأنشئت أول وزارة للثقافة لتصبح ثامن وزارةثقافة في العالم، وأخذت الدولة على عاتقها دعم نشر الكتب والمجلات والصحفبسعر رخيص، وأقامت الثقافة الجماهيرية لتصل بالفن إلي ظلمة الريف، ورفعتالفنون الشعبية إلي منصات المسارح. والنظم التي تطمح إلي تصفية الاستغلالوالفقر تسعى إلي نشر ثقافة توائم فلسفتها، كما أن النظم التي ترى أن الظلمالاجتماعي والاقتصادي قدر الإنسان تسعى لثقافة من نوع مختلف يتواءم معفلسفتها الاجتماعية التي ترى الفوارق الاقتصادية أمرا طبيعيا. وإجمالا فإنالتوجهات الاجتماعية للنظام تحكم التوجهات الثقافية. وعندما دخل هتلرالبرلمان عام 1929 ، بلور فلسفته بالدعوة إلي تفوق الجنس الآري وسيادته،والعنف ضد الأقليات والقوميات الأخرى، والعنصرية، وحين أنشأوزارة الرايخ العامللتنويروالدعاية التي ترأسها جوزيف جوبلز عام 1933، حدد هدف الوزارة بأنه نشرالرسالة النازية من خلال الفنون والموسيقى والمسرح والأفلام والكتبوالإذاعة والمواد التعليمية والصحافة. وتحركت العملية الثقافية إجمالا تحت جناح الفلسفة العنصرية. ومع وصولالإخوان المسلمين إلي الحكم في مصر يحق لنا أن نسأل ما هي فلسفة نظامهمالسياسية والاجتماعية ؟ وكيف ستنعكس تلك الفلسفة على المجال الثقافي؟
تقوم الفلسفة السياسية والاجتماعية لحكم للإخوان على الاستمراربالنظام الرأسمالي التابع، بل وتقديم فروض الطاعة لمراكز الرأسماليةالعالمية بتصريحات تضمن عدم المساس بكامب ديفيد ، وأخرى ترحب بعودة يهودانتفت عنهم صفة المصرية حين شاركوا في العدوان على مصر. إلا أن الإخوان – وهم يستبقون الرأسمالية – يخلعون عنها زينتها التاريخية من حرية صحافةوتعبير وتنوع فكري، ويمضون إلي فرض رؤاهم الشمولية العنصرية وخلق ثقافةتوائم تلك الرؤى. ويمكن رصد معالم فلسفة الحكم الإخوانية من واقع تصريحاتقادة الجماعة ، فعندما يصف بديع مرشد الإخوان لجريدة الحياة في نوفمبر 2005أبناء مصر من الأقباط المصريين بأنهم" أهل ذمة"، فإنه يقدم لنا فلسفةعنصرية تميز بين المصريين على أساس ديني ولا ترتكز إلي أساس وطني. وعندمايصرح المرشد ذاته لجريدة البلاغ في 2008 بأن " مصر ديار كفر وأهلها لاعهدلهم ولا ذمة ولا ميثاق" فإنه يقدم لنا فلسفة ترى كل من خارجها " كافراولاعهد له"، ومن ثم فإن مصر كلها تقف في ناحية " كافرة لا ذمة لها " بينماينعم المرشد وزملاؤه وحدهم بوقفة المؤمنين الأطهار. وحين يقول المرشد فيخطبة مسجلة في شهر رمضان العام الماضي أن " لدي جماعته ماء طهورا من السماءسوف تقوم به بتطهير نجاسات المجتمع " ! فإننا نرى بوضوح فلسفة استعلائيةوغيبية تضفى على أصحابها هالات سماوية ليست لهم وتعلى من قدرهم فوق الآخرينكافة. هذا الاستعلاء النظري والعملي لجماعة الإخوان – باعتبارها فوق الجميع - يتضح في كونها لاتقوم بتسجيل نفسها وفقا لقانون 84 لعام 2002 الذي ينظم عمل الجمعيات الأهلية بمصر، والسبب في ذلك كما صرح د. حسين محمود الأمين العام للجماعة مطلع يناير الحالي هو أن " جماعة الإخوان ليست جمعية خيرية حتى نقول أنها يجب أن تقعتحت إشرافالشئون الإجتماعية، لكنها جماعة دعوية وسياسيةوإقتصاديةوربانية ودينية، إلى غير ذلك كما وصفها الإمام البنا على أنهادعوةشاملة". وهكذا يضع الإخوان أنفسهم بصفتهم " جماعة ربانية "، بمعنى أنهم " نوع أرقى" لا يخضع لقوانين المجتمع ، فوق المساءلة والنقد والمحاسبة وأعلى من الآخرين جميعا.
وعندما يكون حجر الزاوية في فلسفة الأخوان ونظامهم أنهم"جنس متفوق" أرقى من غيرهم، فلابد أن ينعكس ذلك على تصورهم للثقافة التي سيعملون علىنشرها، وهي تحديدا " ثقافة إسلامية . شمولية . ذات مرجعية تاريخية وفكريةواحدة ". وهم لايرون من الأدب إلا " أدبا إسلاميا " . طيب وشكسبير نعمل فيهإيه ؟ وليف تولستوي الذي كان الإمام محمد عبده يبعث إليه برسائل يخاطبهفيها بداية بقوله " يانبي البشرية " ؟ وتشارلز ديكنز؟ وفولتير؟ نرميهم ؟ . أما عن السينما والمسرح وغيرها فإنها عندهم محصورة في الأعمال الأخلاقيةأو التاريخية أو الوثائقية، وليس للفن التشكيلي مجال لديهم لا اللوحات ولاالتماثيل التي شرعوا يغطونها بالقماش في القاهرة، أما الموسيقى فإنها قدتقتصر على الأناشيد الدينية. وهذه الفلسفة الاستعلائية العنصرية التي تقومعلى " تفوق جنس الإخوان" على البشر كافة تسعى لنشر ثقافتها ويتضح ذلك فيبرنامج حزب الحرية والعدالة الذي جاء فيه تحت عنوان " القوالب الأدبية " أنه لابد من " توجيه مسارات الإبداع الأدبي لخدمة قضايا المجتمع " وصولاإلي الحديث الصريح عن " ضوابط إدارة الحياة الثقافية "! وبضوابط الإخوانلإدارة الثقافة يمكن بأثر رجعي شنق عنترة بن شداد الذي قال مزهوا أمام عبلة :" ولو صلت العرب يوم الوغى .. لأبطالها كنت للعرب كعبة"! ألم يتجرأ ويشبهنفسه بالكعبة ؟! ثم كيف يمكن للصلاة أن تكون لبشر أيا كانوا ؟! إجمالاتنعكس فلسفة حكم الإخوان على نظرتهم للثقافة ومن ثم فقد تجلت في موادالدستور المشئوم الذي صاغوه ، بدءا من المادة 12 التي جاء فيها " تحمىالدولة الوحدة الثقافية " ، كما يفهمون هم الحماية وأيضا الوحدة التي تعنىأن هناك مفهوما واحدا لا يمكن الخروج عنه ، مرورا بالمادة 213 التي تدعولانشاء هيئة عليا لحفظ التراث وتنظيم وسائل حمايته والإشراف على جمعهوتوثيقه ، وتوثيق ثورة 25 يناير. هذا بدون أن توضح المادة كيفية تشكيلالهيئة أو دورها أو مصير الهيئات القائمة المسئولة عن جمع التراث وحمايتهومنها دار الوثائق ودار الكتب والجهاز القومي للتنسيق الحضاري ومركز توثيق التراث الحضارى والطبيعىبمكتبة الإسكندرية وغيرها .ومعنىذلك فعليا كما يرى د. عاصم دسوقي أن دور الهيئة الجديدة فعليا هو إعادةكتابة تاريخ مصر بمعرفة الدولة، ليكون الإخوان زعماء الثورة،الأمر الذي يذكر بقرار أنور السادات بإنشاء لجنة لكتابةتاريخ مصر، وباللجنة التى شكلها الملكفؤاد الأول لكتابة تاريخ والده الخديو إسماعيل! وعمليا فإننا إزاء هيئة لن تكتب تاريخ مصر بل ستبذل قصارى جهدها لتمحوه!
وهكذا فإن إعادة " كتابة التاريخ " أو للدقة محوه ستتم بمنطقتحويل القاتل إلي بطل ، والضحية إلي مجرم ، وهو المنطق الذي اعتمده الرئيسمرسي حين عين الأخ صفوت عبد الغني عضوا بمجلس الشورى ، مع أن الأخ صفوت نفذحكما بالسجن عشر سنوات من عام 1994 حتى 2004 بتهمة اغتيال د. رفعت محجوب! فجعل مرسي من القاتل بطلا ! جدير بالذكر أن المثقفين لم يشاركوا في صياغةذلك الدستور ، وعندما رشح اتحاد الكتاب كاتبا كبيرا هو بهاء طاهر لعضويةالتأسيسية التي تصوغ الدستور تم رفض الترشيح ! .
في الوقت ذاتهكان من المفترض تخصيص باب للثقافة فى الدستور المشئوم ينص على (التزام الدولة بحماية الحريات الثقافية،وتقديم الخدمة الثقافية بطريقة تصل إلى كل المواطنين)، كما كان منصوصا عليهفى دستور 71، وفى عهد جمال عبدالناصر،لكن الإخوان رفضوا ذلك، حتى أن د. صابر عرب وزير الثقافة صرح بأن " المساحة التى منحها الدستور للثقافة ضئيلة جدا " ، وربما تحرج بصفته وزيرا من قول " مساحة معدومة".
تعيش الثقافة المصرية لحظة خطر، ويتم جرجرتها بالقوة لإخضاعهالفلسفة عنصرية ، استعلائية ، منغلقة ، رجعية ، ومنقطعة الصلة بكل منجزاتالثقافة الإنسانية. فهل نقول مع ذلك إن مصر أكبر من الظلمة ؟ نعم . هيأكبر. وهل نقول إن شاعرا مصريا كتب في عصر المماليك ، منذ ألف عام ، يقولعن حق :
مـصر لها الأفـضـال إذ لم تـزل
على العـدا منصورة ظاهـرة ،
ماغـولبت ، كلا ولا قـوهـرت
إلا وكانت مصر والقـاهــرة !
نعم . هي مصر القادرة على التمرد وعلى العطاء وعلى تحطيم الأغلال . نعم . وهي ماغولبت ولا قوهرت إلا وكانت هي القاهرة! نعم .
***
أحمد الخميسي . كاتب مصري
Ahmadalkhamisi2012@gmail.com