محاكمة قلب

همس الروح قرأها 1,161

أعلنت المحكمة سرية الجلسة

لنقرأ معا محضر جلسة سرية عقدت في عيد الحب بين قاضي الغرام وآسرة قلب:

v   أي فكر تسلّل إلى عمركِ واستوطن أيامه، فاستباح عمراً للزهر بلا ألوان؟ بأي قلم خطّيتي قرار الاستبعاد لنفي قلب مولود من رحيق الألوان، في جزيرة رصدتها بأبجدية أحرف لم تكشف بعد. هات من حبركِ شفيعاً ومن أوراقك شهوداً، وليمْثل قلمُك أمام منصتي وكيلاً، فأنت الآن في قفص الاتهام؟

v   أمهلني قليلاً!! ولا تترك مطرقتك تهشم وريقات عمري، وإتهامكَ يلطّخ بياض ورودي بذنب لم أسأل عنه بعد.

يا سيدي: هل تدرك معنى "أن تقدر إمرأة على قلبها خيار المقعد الوحيد لرجل واحد؟ ماذا يعني أن تمر قوافل الأحلام ويمر القادمون والراحلون، ويبقى ذلك المقعد الوحيد محجوزاً لرجل واحد دون سواه؟" هل...

v   يا سيدة الكلمات!! إن ذنبك أوسع من الكلمات وأبعد من الأبجدية، فإن قدرت لقلبك حياة الرهبان فلتغادري أسوارك الشائكة، ولتدخلي المعبد عارية معلنة نذورك النهائية...

أو لتشرعي لقبك الصغير جميع الزوايا كي يحيا عمر الزهور، فموسم الربيع قد هلّ، وحان وقت قطاف الورود...

v   إمنحني من ندى الصباح عمراً أدافع به عن حقي في الحياة، ولتسمع حكايتي قبل أن تعلن حكم قضائك:

خلف أسواري حكايةُ حلمٍ يملؤها الشوق وانتظارٌ طويل حتى انقضاء العمر...

حلمٍ مصقول كالمرايا لكن لا يحكى ولا يفسر...

يتراءى فيه ظلال وجه يحتل كل زوايا نفسي ويلغى كل ما عداه...

ظلال وجه يكفي ليحيا جنين قلبي بأمان في رحم أبجديتي التي تسكنها السكنات والطلقات...

وحين تحلّ لحظة المخاض، سيبصر قلبي نور الحب الأوحد وسيطلق صرخة الحياة الأولى معلناً اعتزال أبجديتي ألم الولادات...  

v   ولكن إلى متى؟؟ إلى متى سيظل قلبك أسير أبجدية راهبة نذرت العمر لصلاة الحب رغم أنها لا تعرف نسكه؟...

ألا تخشين من يوم تقرع فيه أبجديتك أجراس التوبة على أبواب قلبك الأسير، جاثية، سائلة السماح عن عمره الذي أضعته في البحث عن محرر قيد إنتمائه...

v   يا سيدي: وهل تستأذن السماء الأرض حين تمطر؟! وهل يسأل المخلوق في شكل صنعته!!

نعم راهبة للحب رغم أني لا أعرف نسك الرهبان...

هكذا رسمتني الحياة منذ خليقتي، فرصدتني لحب أكبر منها...

     زرعتني بذرة على ضفة حلم ينهل من روح الحب الأوحد قبل أن يغمره ضباب العالم...

     فتنفست مسامي أبجدية أحرف لا تعرف للحب تجزئة ولا قيودا..

وتفتحت براعم أحرفي فنمتْ أزرارَ كلمات، كلما داعبتْها الريح قرعت أجراس الانتماء...

فبات الحب الأوحد لغة منصوبة على قواعد أبجديتي...

v   خطيئتكِ أنك ترفضين رؤية الحقيقة، عليك الاعتراف بواقع فيه للحب فصول ومواسم، وللدفء مصادر وبدائل، وللقلوب مقاعد ومراتب...

     لتسدلي الستار على حلمك فلن تجدي إلا الظمأ في عالم تتبدّى فيه أبجديتك كالسراب...

v   قد يكون لواقع الحب حقيقة أجهلها، غير أني أجثو راكعة أمام جهلي، ففي ترانيمي لذة أنشدها وإن كانت تشكل جزءاً من ألمي...

ولن أستقيل من حلمي...

لن أكفر بأبجديتي...

لن أخرج من كوكب مداره "أناي"...

وإن هاجمني العطش، واحتلَّ القحط شراييني، فسأسرع دوماً إلى أشواك انتظاري أدمي بها أبجديتي ومن نزف الأحرف حرفاً حرفاً ترتوي أوردتي...

v   لقد خرجت عن حرفية قانون الحب ومراسيمه السارية في زمن البارود والماديات، ولن تعذري بجهلك القانون بعد الآن...

فتنحّي عن فكك طلاسم هذا اللغز، ولتتحرري من قيود الانتماء للـ"أناك" الأوحد، ولتخضعي لسيادة القانون، ألا تهابين من سيف العقاب!!

v   إن الحياة ذاتها التي جمعتني بالأمس جسداً على ضفة نهر الحب، ليس بوسعها أن تفرقني روحاً الآن...

ما أؤمن به أهلا للعبادة، وإن رمى بي إلى محرقة الأقدار...

v   يا سيدة الكلمات: دعكِ من الإنتظار...

إن الهوى لا يعيش طويلاً بظل زمن الهزيمة والأهواء، وقد لا يثمر انتظارك إلا وحدة...

إني أخشى على قلبك من الغرق إن لم يبحر مع التيار...

v   لن أغادر مداره، أعرف بأن وصوله يستحق انتظاري ...

ظلُّ وجهه يكفي ليؤنس وحدتي وإن استنفذ غيابه كل العمر...

فلن أحكم على قلبي أن يتلو ترانيم أشبه بزبد البحر ما تلبث أن تمحو أثرها الشطآن...

أقسم أمام منصتك:  أبواب قلبي لن تشرع إلا لمالكها...

ونبضي لن يغادر مرفأ أمانه، ليبحر في محيط السراب...

ولتشهد الأقلام فإني أعلن نذوري النهائية "لأناي الأوحد"، وأقرن انتمائي إليه حتى الذوبان...

فلتقضي بحكمك...

وإن كانت نصوصهم هي السارية فلتعلن سيادتها...

فلا أخشى زئير قانونهم، ولا سيف عقابهم...

صلْبي على منصة أحكامهم وإن استباح جسدي فلن يدمي روحي الهائمة في  شرعة "الانتماء والخلود"

v   كيف أخضع براءة انتمائك لشرعة "الفصول والبدائل"...

كيف لي أن أصادر حلمك ومحبرتك قادرة على تحويل الكوابيس إلى أحلام...

كيف لي أن أفقدك أهلية البصر وانتماؤك علّمكِ كيف تحيي النور في الظلام...

قد تكوني من دنيا بكر لم يسكنها أحد...

أو طوق نجاة في زمن الطوفان...

لترفع الأقلام...

فانتماؤها أسمى من أن يقف تحت منصة القضاء...

ولينتدب ساعي الأيام ليجول بالنذور النهائية ويبلغها لأناها الأوحد الذي يقطن قصور الغياب...

أما أنت يا سيدة الكلمات فإني أنتظرك في موسم الزهر الآتي لنفتح معاً بريد الأيام.