حقيقتنا المرّة

شهاب الدين شريطي قرأها 1,212

إنما البشر أبناء الظلام، من ظلمة الأرحام ووحشتها وغموضها أتوا وإلى ليل القبور وعتمة الضيق والمجهول هم ماضون... ومن بين كل البشر فنحن الخفافيش والوطاويط، ترعبنا أشعة الشمس وخصلات النور الصافية المتوهجة... نسكن زوايا الكهوف الغابرة والمغارات المنسية، كأن قدرنا متعلق إما بغبار التاريخ أو خيوط العنكبوت... هكذا هم بنو أمتي، ولدت فيهم ونشأت بينهم وتربيت معهم فأخذت منهم هذه الصفات والمواهب، فصرت أرى الدنيا بعيونهم وأتذوّق الأشياء وفق أهوائهم وأحس كل شيء من حولي حسب القواعد التي وضعوها والمناهج التي سلكوها... وهكذا صرنا نسخة متكررة، رغم اختلاف ألواننا وأشكالنا وبلداننا وأدياننا وعاداتنا... إلا أننا متشابهون. نحن متشابهون فالشيطان بعينه يسكن صدورنا، والمطامع نفسها تغذي شرورنا.. الأهواء ذاتها تذكي غرورنا.. نفس التراب ذات يوم سيغطي قبورنا ونفس الملاك سيسجل على الأوراق مرورنا من عالم الدنيا إلى عالم الآخرة وسيسجل عبورنا... والمفارقة الغريبة أن غربتنا التي نعيشها هي صنع أيدينا، والوضع الذي نعيشه من رضانا بعيش الخنوع والكسل وعبادة الظلام والاستسلام لزوايا الكهوف... فحتى الخفافيش التي ليس في عينها نور البصر، حولت عالمها المظلم الموحش إلى عالم يمكن العيش فيه وظلت متمسكة بذلك الإطار وجعلته منطلقا وبوابة للحياة. أما نحن البشر، فرضينا بالركود والخنوع منهجا للحياة واستسلمنا لعتمة أفكارنا الهدامة وأحكامنا المسبقة على الأشياء، دون دراية أو بحث أو تمحيص. هكذا هم نحن... ظننا أن الجمود أسلم من المغامرة.. فقبلنا بقانون الآخرين وجلسنا في بيوتنا ننتظر المخلص والخلاص... منتظرين الموت، ليس بشجاعة الفرسان والأبطال، بل بانهزام المنهزمين وانكسار المنكسرين وانبطاح المنبطحين... نحن أمة الانتظار والخذلان لأننا نؤمن بأنه لا ينفع مع القدر العصيان، لأننا جعلنا من حقيقة أن الرزق على الله وبأن كل شيء يسير بأمر الله سبيلا للتواكل ونسينا قوله تعالى: "وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون..." وقوله: " اقرأ باسم ربك الأكرم الذي علم بالقلم..." صرنا أمة التكفير بعد أن كنا أمة التفكير... صرنا أمة التواكل بعد أن كنا أمة التوكل.. صرنا أمة تفرج واستهلك بعد أن كنا أمة اقرأ واعمل... صرنا أمة العقوق بعد أن كنا أمة الحقوق... صرنا أمة الأقوال بعد أن كنا أمة الأفعال... كنا أمة في الأزمات نلتجئ للسنة والكتاب فصرنا أمة في الشدائد نلجأ للنساء وللشراب، وما أكثرها أيام الشدة... نحن أمة الكسل لأننا في أفكارنا وعقولنا ولدى أبنائنا كرسنا مفهوما خاطئا...و هو اعتقادنا أن الفسحة أهم من الدرس... نحن أمة الخمول لأن شمسنا لما تشرق لا يستمتع بجمالها ونورها سوى الطير والحجر... نحن أمة الغفلة لأننا ولدنا في الظلمة، لأننا عن الأعين استترنا وعن الدنيا انقطعنا، فصار العالم من حولنا كذلك المبدع الذي يعتلي خشبة المسرح، كل الأضواء مسلطة عليه، أما نحن فجمهور ميكروسكوبي فحتى إن انصرفنا فلن يشعر برحيلنا كما لم يشعر من قبل بوجودنا... ليس في العالم كله مشكلة بقدرنا... فنحن أكبر معضلة... نحن قوم أفكارنا مشوشة وأحلامنا ساذجة وتوقعاتنا مختلة ومخاوفنا مصطنعة وشكوكنا وهمية وارتيابنا هلامي... نحن قوم نعتقد أن الامتحان أهم من الفصل الدراسي ونعتقد أن استراحة المسافر أهم من الرحلة وأن السفر أهم من الطريق.. ونعتقد أن الله يؤخر خيرنا وعزنا لأمر يراد... فكيف إذن لا نعيش حياة الخفافيش؟