مهرجان جنرالات إسرائيل

نبيل عودة قرأها 1,152

مهرجان جنرالات إسرائيل 

المتابع للإعلام الإسرائيلي، وخاصة قنوات التلفزيون، منذ بداية الصدام الحربي بين حماس وإسرائيل، يظن نفسه أمام أهم إنجازات إسرائيل منذ قيامها وحتى اليوم.

ليس إقامة وطن قومي، ليس تطوير العلوم، ليس إنجاز البناء الإقتصادي، ليس النجاح في مجال الأبحاث والهايتك، ليس احتلال كل فلسطين واستعمارها، هذه كلها مسائل هامشية بالمقارنة مع الإنجاز الأهم، تحقيق السبق العالمي بعدد الجنرالات بالنسبة لعدد المواطنين وكونهم نجوما اعلاميين في تبرير سياسة العنف والعدوان.. وتعميق مفاهيم وأخلاقيات القوة والعنف كاداة سياسية لا بديل عنها. اليوم ضد الشعب الفلسطيني وغدا، كما يحذر العقلانيون، في المجتمع الإسرائيلي نفسه، والظواهر أكثر من أن تحصى!!

حتى مراسلو الشؤون العسكرية أيضا أصبحوا منظرين عسكريين، وزراء لم يخدموا بالجيش، صاروا يفهمون بالتكتيكات الحربية ويطرحون خططهم لأساليب "أنجع" في مواجهة الشعب الفلسطيني واركاعه، كأن الجيش وزعماء الحكومة تنقصهم الخبرة. وزير المعارف أيضا لبس قبعه ولحق ربعه، صار منظرا استراتيجيا لشؤون ادارة الحرب، ليذهب التعليم الى الجحيم، الدراسة تعلم التياسة!!

كل هذا بسبب مجموعة صغيرة وضعيفة بالمقارنة مع القوة العظمى الإسرائيلية. هل تخيل احد ان حماس قادرة على مواجهة قوة عظمى وإرباكها؟

استاذ التاريخ في جامعة تل أبيب بروفسور شلومو زند كان صوتا نشازا في مهرجان الجنرالات. نشر مقالا كافكائيا مثيرا لم يستعمل فيه كلام الجنرالات: "لكمة حديدية"، "قبضة حديدية"، "قبة حديدية"، "قصف جراحي دقيق لمنع وقوع ضحايا"، "الضحايا من الأطفال والنساء الفلسطينيين هم بسبب تخزين الصواريخ في المنازل" وشريط طويل من تحليلات جنرالية وتنظيرات مكررة مملة، كل ذلك في مواجهة حركة اسمها "حماس" لا تزيد عن كتيبة إسرائيلية واحدة في تسليحها وتدريبها وآلياتها. كتب زند في هآرتس خارجاً عن الإجماع القومي لجنرالات إسرائيل: "لماذا يطلقون علينا الصواريخ" تسأل البنت؟ "لأنهم يكرهوننا كثيرا" تجيب الأم. "لماذا يكرهوننا؟" " لأنهم لاساميين. "لماذ يطلقون علينا الصواريخ بعد ان تركنا غزة؟" يسأل الإسرائيلي العادي قادته السياسيين. "لأنهم دائما ارادوا ويواصلون الرغبة بابادتنا وليس مهما ما نتنازل لهم عنه"؟ تجيب جوقة السياسيين".وتوصل شلومو زند لحقيقة بسيطة لا تحتاج الى علوم الكليات الحربية، بل الى العبرة من التاريخ الذي يعلمه لطلابه. استنتاجه بسيط: "لا مفر لنا، اذا اردنا ان نواصل العيش في الشرق الأوسط وان لا نواصل الموت فيه، الا ان نصل الى حل متفق مع أولئك الذين يقفون بمواجهتنا. علينا الاعتراف بالتاريخ وان لا نتنكر له". ويضيف: " قبل كل شيء يجب تغيير الأسلوب الذي نفكر به. ليس بالسلاح وحده يحيا الإنسان"!!

الإعلام الإسرائيلي في تنظيمه لمهرجان الجنرالات، سقط في امتحان الأخلاق. قدم إعلاماً هستيرياً تحريضياً دموياً وهي اللغة التي لا يعرف غيرها جنرالات إسرائيل. ربما صوت عقلاني واحد سمعته، ولكنه شطب من قائمة المدعوين لمهرجان الجنرالات.

هل خدموا شعبهم بهذا السيل الحربي من الثرثرة الفارغة من المضمون؟

بموجب استطلاع للرأي أجرته صحيفة هآرتس تبين ان الجنرالات "نجحوا" بجعل الرأي العام الإسرائيلي (اليهودي بدون العرب) متحمّس لعملية "عمود السحاب"، ولكن 30% فقط مع الدخول العسكري البري الى غزة.. التأييد لنتنياهو وبراك لم يتجاوز ال 55% وما زلنا في اولها، والتناقص في التأييد هو الحالة المتوقعة بعد ان يتبين ان الحرب لم تسفر عن ضعضعة مكانة حماس او إضعافها عسكرياً، بل ربما اكسبتها مزيدا من التجربة العسكرية. ثم يبدأ الحديث عن قصورات عسكرية وعدم الاستعداد الكافي وربما ينتقل "مهرجان الجنرالات" كما تعودنا من الحروبات الأخيرة، من حديث ضرب وسحق الفلسطينيين وحزب الله وايران، الى حديث النواقص والقصورات التي منعت "تساهل" (جيش الدفاع) من الإنتصار على أطفال غزة. للمقارنة اولمرت وبيرتس في حرب لبنان الثانية (2006) حصلوا على تأييد 85% من المواطنين. وكلنا نعرف النتائج بعد الحرب، إقامة لجنة فينوغراد للتحقيق بالفشل العسكري ضد حزب الله أشغل إسرائيل سنتين من النقاش والتحليلات واتهام القيادة العسكرية بالقصور، إقالة او استقالة قائد الأركان وغيره من الضباط الكبار.. وأثبتت حرب لبنان الثانية ان مفهوم الحرب قي ظل تطوير وسائل قتالية خفيفة ورهيبة الفعالية، لم تعد "صفعة مدوية" وانتهينا. هذا الفلم شاهدناه مرتين على الأقل.

 هناك سؤال: متى يتعلم شعب إسرائيل ان لا يصدق قادته، وان لا يسحره جنرالاته بثرثرتهم الحربية؟!

على مستوى آخر كسرت غزة حصارها السياسي. رؤساء حكومات ووزراء خارجية ووفود تضامن وحتى ممثل رسمي للسلطة الفلسطينية ورئيسها يزور غزة ضمن التضامن والتعامل مع ايجاد حلول للتهدئة.

 الواقع يتبلور كالتالي: إسرائيل تهدد ولكنها مرعوبة من الإجتياح البري، ولا تعرف ما ينتظرها، لو عرفت لما انتظرت. من ناحية أخرى، "الدعم الدولي لإسرائيل للدفاع عن النفس" الذي حصلت عليه من أمريكا اساسا وجزئيا من الدول الأوروبية، يواجه تخوفا أمريكيا من دخول غزة بريا، نتيجة حسابات سياسية تريد الحفاظ على مكانة أمريكا في مصر ودول عربية أخرى ومعارضة حادة من الدول الأوروبية لأي عملية برية ستقود كما هو معروف الى ارتكاب جرائم حرب ضد السكان المدنيين وإستمرار العنف في الشرق الأوسط القريب من اوروبا ومصالحها. حماس لم تبد أي استعداد للتراجع كما يظهر من بياناتها على الأقل، لكني أميل الى فهم انها لا تريد ان يتطور الصدام الى صدام بري يوقع اصابات بين مئات المدنيين العزل وهدم المزيد من المنازل والبنى التحتة المدمرة أصلا، لحماس موقف لم تتضح تفاصيله الكاملة بعد ولكنه يسعى نحو إنجاز مكسب يبقى مثلا بوابة رفح مفتوحة. لا استبعد ان نجاحها بشل الحياة في جنوب إسرائيل وصولا الى مركز إسرائيل،هو تطور نوعي يجب ان يكون له مكانته في أي اتفاق تهدئة جديد ومحدود زمنيا كما اتوقع. مصر غير معنية بدخول إسرائيل البري لأنه يربك النظام الجديد ويظهره نسخة أخرى من نظام مبارك يختلف بالكلام فقط.

استطع ان أقول ان إسرائيل فشلت. ودخولها لن يغير فشلها بل يمكن ان يضاعفه ويورط حليفتها الكبرى أمريكا بمشاكل هي في غنى عنها. ان ما ارادته إسرائيل بعدوانها الجديد هو اظهار ان الفلسطينيين ارهابيين ولا يمكن قبول مشروع ابو مازن بقبول فلسطين دولة غير كاملة العضوية في الأمم المتحدة. سياسيا الحرب ضد غزة نتائجها ستكون عكس ما تسعى اليه إسرائيل. الحرب عززت المشاعر الوطنية العابرة للخلافات السياسية بين حماس وفتح، ومهدت الطريق لمشروع فلسطين كدولة غير كاملة العضوية في الأمم المتحدة. لا ارى ان حماس لها مصلحة برفض هذه الخطوة. هذا ما تخافه إسرائيل، وهو ما جعلته ضمن أهداف عدوانها.

ومهما تكون نتائج هذه التطورات فإن نهاية الفيلم لن تكون مغايرة لما شاهدناه في اعتداءات سابقة.

nabiloudeh@gmail.com