"وريثة العروش" مذكرات آخر أميرات العراق

صبا أبو فرحة قرأها 2,207

إن مجرد محاولة عرض كتاب عن عائلة مالكة خاصة في العالم العربي، قامت ثورة وأطاحت بها، يعدُّ نوعاً من التحدي لمفهوم الموضوعية، لما جُبلنا عليه كعرب في أصول التعامل مع حكامنا كآلهة جبل اوديب، فطالما أنهم لم يسقطوا لا نستطيع الحديث عنهم وعند سقوطهم تسقط كافة الأقنعة، بل ربما يؤدي إلى نوع من المبالغات التي تتجاوز كل مهنية تسجل للتاريخ.

فما بالكم حين يكون الحديث عن العائلة المالكة العراقية التي أابيدت عام 1958 فيما عرف بـ"مذبحة قصر الرحاب" على يد الانقلابيين، بلسان حال الأميرة الوحيدة الناجية مما تعتبره "مجزرة دموية بحق أهلها"، وإن كانت بنظر ذلك الانقلاب (حركة تموز)، تعتبر "العدالة الخالصة".

الحديث هنا عن كتاب "مذكرات وريثة العروش" مذكرات الأميرة بديعة بنت الملك علي ملك الحجاز، خالة الملك فيصل الثاني ملك العراق والذي اغتيل مع عائلتها في تلك المذبحة. وابنة عم الملك طلال بن عبد الله والد المرحوم الملك حسين ملك الأردن.

الكتاب حين تبدأ بقراءته، لن تدعه قبل أن تنهيها، رغم أن معظم ما عرض في الكتاب هو البعد الاجتماعي، وحياة القصور التي عاشتها عائلتها في العراق، سواء أكان والدها الملك علي ملك الحجاز، أو عمها فيصل الأول ملك العراق ومن قبلها ملك سوريا، وزيارات الملك عبد الله مؤسس الأردن لإخوته في العراق _وإن كانت ترى أنها لم تكن مترفة كحياة قصر عابدين في مصر_

ورغم سردها مذكراتها بطريقة "حكايا الصالونات"، دون أخذ أي اعتبار لمواقف سياسية واضحة، وتحليل موضوعي، لما جرى في تلك الفترة اللاهبة _إن جاز التعبير_ الفترة التي تعرّض فيها العالم العربي للانقلابات العسكرية التي أطاحت بمملكتين في دولتين كبيرتين هما العراق ومصر، وتزامن تلك الانقلابات مع ما شهده الأردن من أزمات سياسية، ومرورها بمجريات الحديث عن الأردن مرور الكرام، مثل الشائعة التي روِّجت في ذلك العهد بأن الملك عبد الله سيورث أخاها الأمير عبد الإله _الوصي على عرش العراق_ لاعتلاء عرش الأردن، بدلاً من ولديه الأميرين نايف وطلال من بعده، ص243، دون إبداء الأسباب الموجبة لمثل هذا الحدث وفيما إذا تمَّ تكذيبُه من الديوان الملكي الأردني، وفي أي عام روِّجت هذه الإشاعة لمعرفة ملابسات الأمر، خاصة وأن الملك الراحل الحسين بن طلال لم يشر إلى هذه الإشاعة في مذكراته الاولى "ليس سهلاً أن تكون ملكاً"!

يبدو ان كاتب المذكرات الصحافي العراقي فائق الشيخ علي لم يكترث إلى تلك الأبعاد السياسية المهمة، فبالعودة إلى تاريخ هذا الصحافي نجده معارضاً عراقياً للرئيس المخلوع صدام حسين.

إلا أن المذكرات قامت على طرح وجهة نظر تلك الأميرة التي عايشت معظم الأحداث التي طرحتها، ولعلّ تركيزها على بعض المواقف العائلية الخاصة، يُعدُّ نقطة في صالحها، مثل هروب ابنة عمّها فيصل الكبرى عزّة بصحبة صديقها اليوناني، وإهانتها للعائلة، بعد أن أضاعت أموالها على ذلك الطباخ اليوناني، قامت بالاتصال بعمّها عبد الله ملك الأردن، بعد أن تشردت في أوروبا وأصبحت في حالة يرثى لها، فما كان منه إلا أن أعطاها مأوى في القدس وأبعدها عن كل الأعين، لما كان لفعلتها "المشينة" تلك من أثر سيّء على "شرف العائلة"، ص228 -232.

وكذلك قصة انتحار أختها الأميرة جليلة، بسبب مرض نفسي داهمها، وزواجها غير المتكافىء، مما أدى بها إلى إنهاء حياتها عن طريق حرق نفسها ص215.

ولعلّ الحدث الذي يلفت الانتباه أن الملكة عالية أختها كانت مخطوبة للملك طلال بن الحسين، قبل أن يقرّر عمُّها الملك عبد الله ووالدها الملك علي تزويجَها للملك غازي الذي كان يصغرها بعام، لأسباب سياسية، ما أثار حنق الملكة عالية التي كانت تكنُّ بعض المشاعر للملك طلال ص93.

بالإضافة إلى المحطة المهمة التي لم يكن لها ذكرٌ في التاريخ كما يجب، كزيارة بعض المعارضة العراقية في الخارج لابنها الشريف علي بن الحسين عام 1993، والطلب منه تولي عرش العراق، واعترافها بـ"لم نمانع" ص358.

مع العلم أنها بعد عملية اللجوء الطويلة التي قامت بها مع عائلتها حين تمّ "تشريدهم" من العراق، استقر الحال بهم في عاصمة الضباب لندن ص 357.

ولكن لا يمنع الأمر أن تكون لهذه المذكرات قيمة، رغم أن الأميرة تعترف أنه لم يكن لها شأن في السياسة مثل والدتها الملكة نفيسة، وأختها الملكة عالية دون التعمُّق بالدور السياسي المهمّ الذي لعبته والدتها وأختها في السياسة العراقية، إلا أن الصراحة التي شابها بعض التبريرات كان لها أهمية تاريخية، لمعرفة الرأي الآخر لوضع الملكية في العراق.

فمعظم الكتب التي طرحت عن الملكية العراقية، هاجمتها بعنف بسبب الأخطاء سواء التي وقع فيها الملك فيصل الأول، أو ابنه الملك غازي، مروراً بالوصي على العراق الأمير عبد الإله أخيها، وأخيراً الملك فيصل الثاني، والعلاقات النسائية، وإدمان الكحول وغيره، وهي لم تنكر الأمر، إلا أنها لم تعطه تلك الأهمية.

يذكر ان عدد صفحات الكتاب 368 صفحة، نشرتها دار الحكمة في لندن، والطبعة التي عرضت هي الثالثة نشرت 2008، والمذكرات بدأها الكاتب فائق في 1998 وأنهاها 2001، ونشرت عام 2002. وللأمانة إن صراحة وبساطة الطرح تستحق عناء قراءة هذه المذكرات.

عمان