ما دخل الإبرة بالصحافي؟
ان انتقلت من الكلام عن موضوع معين إلى موضوع آخر من دون الفصل بينهما أو حتى من دون استعمال رابط منطقي، او ان بررت مسألةً ببراهين غير مقنعة ولا دخل لها بالمنطق، سألوك بتعجّب تام:" ما دخل شعبان برمضان؟" وأنا أسألك اليوم:" ما دخل الإبرة بالصحافي؟" فهما أمران لا تجوز المقارنة بينهما وحتى لا يقوى من أسأله على الإجابة. ففعلاً هذان العنصران بعيدان كل البعد بعضهما عن البعض الآخر. ولكن في الواقع ان أمعنّا النظر في الأمرين وركّزنا على نقاطهما المشتركة وعن دخل الأوّل بالثاني، تجد غرابةً مدهشة من تقاربهما.
من ناحية التعريف، الإبرة هي قطعة معدنية صغيرة تحيك أثواباً كثيرة من كل الأحجام وكل الألوان، بإمكانها ان تكسو العالم بأسره ولكن لا يمكنها كساء نفسها. والصحافي هو فرد او عنصر صغير مقارنة مع المجتمع الذي ينتمي اليه، بمقدرته وضع مقال او نقل أخبار تغطي العالم بأسره، ولكن الموضوعية تحرمه من الحديث عن نفسه.
الإبرة ان لم تستعمل بحكمة وحنكة وذكاء، وان لم تطبّق عليها قواعد وأصول الحياكة قد تخز وتجرح صاحبها وتسيّل دماءه، والخطر الاكبر ان كانت سامّةً، فالويل لمن يسيء استعمالها. والصحافي يجب التعامل معه بحذر وحكمة شديدين وإلاّ وخزك بكتاباته.
الإبرة كالسيف، تملك حدّين؛ بالأوّل يدافع وبالثاني يقتل، بحدّها الأول تنتج الملابس، وبحدّها الثاني تخترق لحمك وتدميك. والصحافي يصلح المجتمع بمقاله الأوّل وبالثاني قد يهدمه.
تدخل خيطاً من رأس الإبرة فتصل قطعة قماش من أوّلها إلى آخرها؛ الصحافي هو همزة الوصل بين كل فروع المجتمع وطبقاته.
الابرة هي التي تصنع الثوب؛ والصحافي يصنع خبره.
الابرة "ترتي" الثياب الممزقة وتصلحها؛ والصحافي بمقالاته يمكن ان يعيد جمع مجتمع مشرذم.
الإبرة تحتاج إلى الدقة وحدّة النظر في استخدامها؛ الصحافي من دون الدقة في حديثه لا يصلح لشيء ان فقد المنطق.
الإبرة تستعمل في يد الطبيب، ورغم صغرها تشفي جسماً مريضاً؛ ومقال الصحافي رغم نسبته لهذا المجتمع يستطيع مداواة جسم هذا المجتمع المريض وبثّ الأمل فيه.
الابرة تخدّر وتجعل المريض ينام او تنشّطه؛ والصحافي في مقاله قد يشعل ناراً أو يخمدها.
من يحيد عن طريقه ويمارس كل آفات المجتمع ، بإبرة يدخل سماً قاتلاً إلى جسمه ويتعاطى المخدرات؛ والصحافي يمكن ان يكون بكتاباته سماً للمجتمع.
الإبرة يمكنها الولوج من النقاط الضيقة؛ والصحافي تُفتح أمامه آفاق واسعة.
ويسألون ما دخل الإبرة إلى الصحافي؟ أقول لهم أن الصحافي إبرة بحدّ ذاته، إبرة تستعمل للخير كما قد تستعمل للشر. وأتوجه بالسؤال لكلّ زميل: "اي إبرة تريد ان تكون؟".