الإسلام والديمقراطية
هنالك عدد من المستشرقين المغرضين الذين يقعون في مغالطات ويزعمون بأن التخلف والجهل حالة متجذرة وراسخة في المجتمع العربي الإسلامي وسببها الإسلام، وأن الديمقراطية فكرة غريبة عن الإسلام والحضارة العربية الإسلامية، والدين الإسلامي يشجع على الولاء والخضوع. ومن الواضح تماماً أن هذه الأقوال ما هي الا اتهامات مغرضة، وافتراءات باطلة، ومغالطات تاريخية، وذر رماد في العيون وبمثابة تشويه لجوهر الإسلام الحنيف، الذي لم يكن يوماً عقبة كأداء في طريق التطور الدمقراطي، وانما الدكتاتوريات والبنى الطائفية السياسية والأصوليات المتحجرة هي العقبة الأساسية والرئيسية.
لقد جاء الإسلام بأفكار ومفاهيم وطروحات وقيم ديمقراطية، وبثورة اجتماعية وسياسية واقتصادية وثقافية، فألغى علاقة السيد والعبد وساوى بين الناس ووزع الأرزاق بالتساوي واحترم المرأة، وأكد بأن (لا أكراه في الدين) و(لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى) و(من رأى منكم فيَّ اعوجاجاً فليقومه بسيفه، فإن لم يكن فبلسانه فإن لم يكن فبقلبه وذلك أضعف الأيمان).
وكان للإسلام طوال الوقت دور هام في العملية الثورية وكفاح الفقراء والمستضعفين والمعذبين وجياع الارض، وفي تشكيل الوعي الفكري والسياسي والثقافي والديني ومناهضة الظلم والظالمين ومحاربة القهر والغبن والاستبداد، كما كانت الشورى عنصراً هاماً في النظام العربي الإسلامي، والخلافة الإسلامية لم تكن بالوراثة، والاجتهاد كان متبعاً في عهد النبي العربي الكريم ومن ثم في عهد الخلفاء الراشدين ولا سيما عهد عمر بن الخطاب.
ومن ينبش كتب التراث والتاريخ الإسلامي والثقافة العربية الإسلامية ستنجلي له النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية ويتبين كيف كانت الحياة والتسامح الانساني والسعادة والتطور قيماً سامية وعليا، وكيف أن الدين الإسلامي شكل قوة اجتماعية من القوى الثقافية الفاعلة في المجتمع والحراك الاجتماعي، وفي تنظيم حياة الانسان المادية والروحية، ومقاومة الانحراف والجنوح والتسيب الاجتماعي وتمجيد القيم الانسانية والإسلامية السمحة، والامر بالمعروف والنهي عن الفحشاء والمنكر. ولا يخفى على احد كيف اتسعت رقعة الامبراطورية الإسلامية وكيف نشأت وتطورت الحركات الاجتماعية الفكرية والفلسفية في الإسلام مثل القدرية والجبرية والمعتزلة، التي اسست ذلك المذهب العقلي بصيغته المتكاملة وحاولت تطبيق فكرتي الحرية والديمقراطية في الحياة الاجتماعية والسياسية والفكرية للناس وللفئات الشعبية.
ومما لاشك أن الحكم العثماني والاستعمار الأجنبي في البلدان العربية الإسلامية هو الذي أوقف ومنع مسيرة التطور العلمي والتقدم الحضاري، الاجتماعي والاقتصادي والثقافي في المجتمعات العربية الإسلامية، وأن سبب انعدام وغياب الديمقراطية في المجتمعات ليس الإسلام ـ كم يزعمون ويروجون، بل هي ممارسات وطغيان الأنظمة الاستبدادية المتعفنة، الحاكمة بالحديد والنار.
ومن نافل القول أنه يجب التمييز بين الإسلام وبين الفكر الديني والثقافة الإسلاموية للحركات الدينية الغوغائية والقوى التكفيرية والجماعات الأصولية المتطرفة، المفارقة لروح زماننا وعصرنا ومعناه الثقافي ولا تحاور، بل تغتال الفكر والعقل والوعي الحضاري وتتبنى ذهنية التحريم، وأن ما تحتاجه ثقافتنا العربية الإسلامية المعاصرة والراهنة هو الفكر الإسلامي المتجدد والمتنور والعقلاني، الذي يجمع بين الأصالة والمعاصرة وبين العقل والدين.
وفي النهاية كلنا أمل بأن ينتصر العقل على الخرافة والجهل والتخلف المعرفي والأسطورة، وتنتصر الديمقراطية كفاتحة للمستقبل والمشروع الفكري التنويري والنهضوي للخروج من المحنة الراهنة والتخلص من التبعية للامبريالية والاستعمار الجديد واللحاق بركب الحضارة والتقدم.