"الرحلة الرابعة" لحبيب بولص

نبيل عودة قرأها 1,566

"الرحلة الرابعة" لحبيب بولص 

احتل الناقد الراحل د. حبيب بولس (توفي 04-07-2012 عن 64 عاما) في ثقافتنا المحلية مكانة نقدية طلائعية بفضل العديد من دراساته ومراجعاته النقدية، وكان الناقد حبيب بولس الى جانب نقده ودراساته، يقدم برنامجاً ثقافياً تلفزيونياً من الممكن اعتباره مسحاً شاملاً للواقع الثقافي العربي في إسرائيل. الى جانب كونه محاضراً جامعياً في الأدب العربي، ترك بصماته على مئات طلابه، كما ترك بصماته على ثقافتنا العربية المحلية، لدرجة ان أي تقييم جاد لواقع ثقافتنا، لا يمكن ان يحظى بقيمة اذا لم يعتمد على كتابات الدكتور الراحل حبيب بولس.

"الرحلة الرابعة" لحبيب بولص 

كزميل وصديق ومتابع لنشاط حبيب بولس، أشعر اليوم بالفراغ الكبير الذي تركه الراحل. واعترف انه كان مرجعاً لي للاستشارة حول بعض أعمالي القصصية، وقد أسقطت من حسابي، او أعدت صياغة، عدة قصص رأى فيها المرحوم تفكّكاً او تكراراً او ضعفاً في الفكرة. وكثيراً ما تحاورنا وتبادلنا الرأي حول ظواهر أدبية ونقدية في ثقافتنا وفكرنا وقضايا مجتمعنا المختلفة، أفادتني في نشاطي المتعدّد الجوانب. وكان المرحوم من كتاب صحيفتنا "الأهالي" التي صدرت بين العام 2000 حتى العام 2005 ومجلة "الطريق" التي أصدرتها بالشراكة مع سالم جبران في الناصرة عام 2005. وقد أثارت بعض مقالاته الجريئة الاهتمام غير العادي من القراء وخاصة جمهور المثقفين، وطبعا غضب البعض.

من اثاره التي تشكل قيمة ثقافية هامة لدراسة ثقافتنا، كتاب "الرحلة الرابعة" وكنت قد كتبت مراجعة عن الكتاب بعد صدوره، ونشرت الدراسة بشكل محدود، وأعيد نشرها اليوم من منطلق أهمية اطلاع القارئ على هذا التراث الفكري والنقدي، لأحد إعلامنا الثقافيين. وقناعتي ان ما قدّمه الراحل حبيب بولس، لا بد من جعله في متناول الأجيال الجديدة، اذ لا جديد بدون استيعاب تجربتنا الثقافية الابداعية والنقدية.

******

الرحلة الرابعة لحبيب بولس - بقلم نبيل عودة

"الرحلة الرابعة" لحبيب بولص

صدر للناقد والمحاضر الجامعي الدكتور حبيب بولس خلال مسيرته الثقافية النقدية عدة كتب اطلق عليها اسم "رحلات" عالج فيها بأدوات الناقد الموسوعي واقع ثقافتنا من إبداع في مجالات مختلفة وشملت رحلاته دراسات أدبية عن شخصيات تركت بصماتها على مجمل الثقافة العربية.

في كتابه "الرحلة الرابعة" (384 صفحة من الحجم الكبير) والذي يشمل دراسات أدبية ونقد أدبي ومتابعات مسرحية، وهو إصدار خاص طباعة دار النهضة في الناصرة (2010).

سبق هذه الرحلة، ثلاث رحلات نقدية تناولت الإبداع المحلي وغيره من الإبداعات العربية، وللكاتب مؤلف هام بعنوان "انطولوجيا القصة الفلسطينية القصيرة" الذي يعتبر مرجعاً لتطور قصتنا القصيرة وكتابها. الى جانب عدد من المؤلفات يصل الى (20) كتاباً ثقافياً على الأقل.

تابعت شخصياً كل كتابات الناقد حبيب بولس منذ سبعينات القرن الماضي، الى جانب كتابته الأدبية، خاصة في كتابه "قرويات" التي برز فيها ككاتب تسجيلي بروح روائية، عن قريته كفرياسيف، كتاب مليء بروح إبداعية درامية، مقدماً لوحة ثقافية، أشبه بالرواية الحية، لقرية تعتبر من طلائع قرانا العربية في التقدم التعليمي والثقافي والاجتماعي.

نصوص الدكتور الناقد بولس فيها مميز هام، وهو سلاسة اللغة والتعابير وابتعاده عن الاصطلاحات التي تحتاج الى تفسير او ترجمة من العربية الى عربية مفهومة.

أكاد أقول ان الناقد بولس، الذي كما أسلفت، تابعتُ إنتاجه كلّه قبل جمعة في كتب، يشكل مدرسة نقدية جادة، تتناول الأعمال بفحص عميق وغير متسرع، ومع أني أختلف معه حول العديد من الاستنتاجات، ومن الفهم لبعض المسائل الثقافية، الا انني أتفق معه حول معظم المواقف الفكرية والنقدية ولا أستطيع الا الانحناء احتراما لقدرته على الاستمرار، رغم ما يعتري ثقافتنا، خاصة ساحة النقد المحلي، من وهن وهرطقة واستخفاف بعقل القراء عبر نشر مضامين نقدية تفتقد لشروط النقد الأولية، تدفع الأدباء الشباب الى الوهم القاتل بأنهم بلغوا القمة من أول سطور خطوها.

الكتاب يشمل دراسات هامة، كنت أود ان أدخل الى عمق المواضيع، ولكن هذا يحتاج مني إلى أكثر من قراءة ومراجعة ثقافية، وقد أثارت لدي بعض مقالاته، دوافع لطرح مداخلات حولها، خاصة دراساته حول الأدب العربي في إسرائيل، التي اتبع فيها أسلوباً بعيداً عن الاستعراض، متناولاً المسائل الجوهرية المطروحة على الساحة الأدبية في حدود الـ(48)، وهي قضايا لها أهميتها وخطورتها التي بدأنا نلمسها على جلد ثقافتنا أكثر وأكثر، منها تواصل التهافت النقدي من أوساط فرضت نفسها بدون ان تملك الأدوات النقدية والقدرات الفكرية المناسبة.

الجميل في دراسته عن الأدب الفلسطيني في إسرائيل، طرحة سؤال عن الدوافع الفلسفية التي كمنت وراء شعرنا، ومكانة هذا الشعر من مجمل الحركة الشعرية العربية.

ويعالج القصة القصيرة ايضا محللا نواقصها وإيجابياتها بموضوعية الباحث الذي يرصد كل التأثيرات، وقد وضع تصوره مثلاً حول عدم التوازن في الخطاب القصصي بين الخطابين التخيلي / الإبداعي / القصصي من جهة وبين الواقعي / الأيديولوجي / التاريخي من جهة أخرى. حقا انا أظن ان هذه الصيغة تحتاج الى تفكير معاد، أقول ذلك من تجربتي القصصية اذ لا أرى ان التوازن هو التعبير السليم، بل معرفة أين نعلي خطاباً على خطاب آخر..، الفكرة في الطرح سليمة وهامة، ولكني أرى ان التوازن يخلق قصة دوغماتية.

وينهي دراسته بمراجعة هامة للجانر الروائي في ثقافتنا داخل حدود (48). وألومه على تقصير أساسي، عدم رصدة الواقع النقدي في هذه الدراسة، ويبدو لي انه هرب من التورط في صراع مع ديكة غبية تظن ان النقد تسويق ذات الناقد على حساب المسؤولية الثقافية.

دراسته الهامة الثانية هي نص مبدع عن الناقد والمفكر العربي كبير، الدكتور حسين مروة الذي اغتالته الظلامية الدينية (1978) وهو شيخ تجاوز السبعين، بسبب فكره النير ورؤيته الماركسية. يستعرض بولس في هذه الدراسة، الى جانب حياة ونشاط الدكتور حسين مروة، إبداعه لنظرية نقدية تطبيقية اعتمد فيها على رؤيته الماركسية. وقد شدّني هذا الفصل بشكل خاص لمعرفتي الشخصية بالمفكر الكبير حسين مروة الذي كان يعد أطروحته لنيل شهادة الدكتوراة في موسكو عن كتابه "النزعات المادية في الفلسفة العربية الاسلامية" الذي أسّس عملياً للبحوث العربية التراثية المعاصرة، كما يشير الناقد بولس. وقد أسرنا حسين مروة بشخصيته الإنسانية الأبوية وقدرته على شرح أكثر المسائل تعقيداً ببساطةٍ تأسر المستمع. وبقيت سنتين مستمعاً لطروحاته النيرة وفكره العميق حول العديد من مسائل السياسة والمجتمع والثقافة العربية، وما زلت أذكر حتى اليوم رؤيته الثاقبة وتخوّفه المبكر من ظاهرة الفكر الظلامي، الذي وقع في النهاية، هو نفسه، ضحية له.

ومن منوّر ماركسي موسوعي ينقلنا الى منوّر موسوعي لبناني آخر هو رئيف الخوري، وهي دراسة كبيرة قرأتها قسم منها قبل فترة قصيرة حين نشرناها في مجلة "الطريق"، التي أصدرتها مع الراحل الشاعر والمفكر سالم جبران في الناصرة ولم نواصل إصدراها لأسباب مادية خانقة. وها هو يقدمها لنا كاملة في رحلته الرابعة.

تشمل هذه الدراسة التي تبلغ لوحدها حجم كتاب مستقل، ستّ نقاط أساسية، سيرة رئيف خوري ثقافته ومؤلفاته، موقفه الثوري من التراث، موقفه من القضية الفلسطينية، إبداعه الأدبي وآراؤه الفلسفية.

يشير الناقد الى تأثر رئيف خوري بالثورة الفرنسية، وبالفكر الماركسي. وكان رئيف خوري قد عمل في التعليم في فلسطين بين العامين 1936 – 1938 في القدس، أثرت هذه الفترة على تكوين نظرته القومية وفيما بعد الاشتراكية، وجعلته يرى عن كثب ما يحاك من مؤامرات على الشعب الفلسطيني، فكان من أوائل المفكرين العرب الذين تنبّهوا للمؤامرة وحذّروا منها، بل وشارك نضالياً في تنظيم العديد من المظاهرات والإضرابات التي سبقت ثورة 1936. ومن نظمه في تلك الفترة:

مشينا الى الباغي نقاتله معا حتى يخلط الدم بالدم

وحتى تفك عنك يميننا وتخرجكم من قبضة المتحكم

فلا يقل الباغي نسينا بلاءكم الا اننا عن أهلنا غير نوّم

فيا ظلم لا دمنا اذا دمت ويا نير لا كنا اذا لم تحطم

ويا قلم التاريخ سطر جهادنا بنار وظلي يا عصافير تكلمي.

في القسم الثاني من الكتاب، نقرا نقدا عن "ديوان الكوكاني"

لشاهد عبد الحق، ونقدين لروايتين "العطيلي" لنبيل ابو حمد المغترب في لندن، ورواية "امرأة الرسالة" لرجاء بكرية.

في القسم الثالث نقرأ ثلاث محاضرات في شعر محمود درويش.

في القسم الرابع متابعات مسرحية، وعملياً يمكن القول ان الناقد حبيب بولس يتبوأ بذلك مكاناً بلا منازع كمتابع للحياة المسرحية العربية داخل إسرائيل. وهناك ثماني عشرة دارسة عن مسرحيات قدمت خلال السنوات الماضية، وهو رصدٌ هام للحياة المسرحية والفنية.

وينهي كتابة في قسم رابع تناول فيه كتاباً للمحاضر اليهودي العراقي الأصل الدكتور ساسون سوميخ: "ايام متخيلة" وكتاب سميح غنادي "المهد العربي".

لن أستعرض أقسام الكتاب فهي تحتاج الى مداخلات أخرى، آمل ان أقوم فيها في المستقبل القريب، لما تحمله من طروحات فكرية ورؤية نقدية تحتمل الحوار، والأهم ضرورة ان تصل لكل من يعد نفسه مثقفاً وأديباً مبدعاً، لما تحمله من أهمية في رؤيتها التجديدية النقدية.

nabiloudeh@gmail.com