غسان تويني عميد الصحافة اللبنانية والسياسي المترفع
عن: أ ف ب
لقب غسان تويني، الذي توفي اليوم الجمعة 8 حزيران 2012، عن 86 عاماً بـ"عملاق الصحافة العربية" بسبب عراقة صحيفة "النهار" التي تملكها عائلته والتي خرجت أجيالاً من الإعلاميين وأرّخت لعقود من أحداث المنطقة.
وغالبا ما فضل غسان تويني الصحافة على السياسة التي أتقنها وتميّز فيها بتجرده وترفّعه عن المصالح الخاصة الصغيرة.

كان غسان تويني مناضلاً لم ترحمه الدنيا، لكنها لم تنل منه. ولعلّ الضربة الأقسى التي تلقّاها كانت العام 2005 عندما اغتيل نجله النائب والصحافي جبران تويني في تفجير سيارة مفخخة، فخسر بذلك آخر فرد من أفراد عائلته الصغيرة.
ويروي صحافيون في النهار ان غسان تويني الذي كان في باريس يوم مقتل ابنه وعاد في الليلة نفسها الى بيروت، اتصل بفريق التحرير ليملي عليهم عنوان الصفحة الأولى في اليوم التالي، وهو العنوان الذي صدرت فيه الصحيفة على ثمانية أعمدة "جبران لم يمت والنهار مستمرة".
بالقوة نفسها، وقف تويني في مأتم ابنه يدعو الى التسامح والتعالي عن الأحقاد.
وقال في الكنيسة "أحسست ان هذه الجريمة التي طالت ابني، ومزّقت كامل جسده، هي تحديداً جريمة تطال صورة الله. الله الذي خلق الانسان على صورته تمّ الاعتداء عليه مباشرة".
وبعد ان كان سلّم إدارة جريدة النهار الى جبران تويني، لينصرف الى مؤلفاته وتقاعده، عاد وتسلّمها بحماس سنوات الشباب وبشغف المهنة ذاته.
وبعد ان كان ابتعد عن السياسة، عاد وقبِل، تحت ضغط محبّيه والأوساط السياسية والشريحة الشعبية الواسعة الوفية لعائلته، بان يصبح نائباً في البرلمان للمدة المتبقية من ولاية ابنه والتي جاوزت الثلاث سنوات، وذلك من ضمن فريق 14 آذار الذي كان يشكل الأكثرية النيابية والوزارية في حينه.
ثم عاد وسلّم الأمانة مجدَّداً في الجريدة والبرلمان الى حفيدته نايلة تويني، ابنة جبران.
عُرف غسان تويني بسعة علمه وثقافته ودبلوماسيته ومواقفه المستقلة، وان كان شكل في بعض الحقبات جزءاً من ائتلافات سياسية معينة.
هو ابن عائلة أرثوذكسية عريقة من الأشرفية شرق بيروت. ولد العام 1926. في عام 1945، تخرّج من الجامعة الأميركية في بيروت في الفلسفة. حصل على ماجستير في العلوم السياسية من جامعة هارفرد في الولايات المتحدة.
دخل البرلمان وكان لم يبلغ الخامسة والعشرين. وشغل مناصب وزارية مهمة. وكان مندوب لبنان الدائم في الأمم المتحدة في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات في أوقات عصيبة تخلّلها خصوصاً اجتياحان إسرائيليان. وينظر اليه على نطاق واسع على انه "عرّاب" القرار 425 الصادر عن مجلس الامن الدولي في 1978 والذي دعا إسرائيل الى الانسحاب من لبنان، الأمر الذي لم ينفذ حتى العام 2000.
من أبرز مؤلفاته "اتركوا شعبي يعيش" في 1984، و"حرب من أجل الآخرين" عن الحرب الأهلية اللبنانية في 1985، و"سرّ المهنة وأسرار أخرى" في 1995.
أما كتابه الأخير فحمل عنوان "لندفن الحقد والثأر، قدرٌ لبناني". وقد صدر باللغة الفرنسية بالتعاون مع الكاتب الفرنسي جان فيليب دو توناك، وهو عبارة عن سيرة ذاتية تروي محطات مهمة من حياة الصحافي والسياسي والدبلوماسي والإنسان.
كتب غسان تويني آلاف الافتتاحيات في صحيفة النهار، وكلفه بعضها دخول السجن بسبب جرأته ومواجهته السلطات في عزّ نفوذ ما كان يعرف بـ"المكتب الثاني" (استخبارات الجيش) في الحياة السياسية على الدولة في حقبة الستينات وأوائل السبعينات.
وسرّبت جريدة النهار بنود اتفاق القاهرة الشهير السرّي بين لبنان ومنظمة التحرير الفلسطينية، ما أحدث هزّة في الساحة اللبنانية، وتسبّب مرةً أخرى بسجن رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير غسان تويني العام 1973، بتهمة "إفشاء أسرار الدولة".
تركت السنوات آثارها على وجهه، الا انه ظلَّ يطلُّ عبر محاضراتٍ او حلقاتٍ تلفزيونية خاصة او منتديات ثقافية، بشعره الأبيض ونظارتيه الكبيرتين وسيجارته، وصوته الهادىء الواثق، يروي خبرات حقبةٍ واسعة من تاريخ لبنان الحديث.
جاهر غسان تويني بإيمانه المسيحي. الا انه آمن، كما كتب، بان "جوهر لبنان الرسالة هو الديمقراطية التي يجب ان يكون عاصمتها... أي الا يستوطنه الإرهاب، ولا تتخمّر في أرضه الأصوليات أيّاً تكن، مسيحية كانت أم إسلامية لا تمييز".
كما دعا الى عروبة الحداثة والتجديد والانفتاح.
تزوّج غسان تويني في الخمسينات من الشاعرة ناديا تويني، متحدياً وإيّاها كل التقاليد والأعراف، كونها متحدّرة من عائلة درزية عريقة من جبل لبنان. ورُزق الزوجان بثلاثة اولاد: "نايلة" التي توفيت في السابعة إثر إصابتها بالسرطان، و"مكرم" الذي قضى في حادث سير في فرنسا وهو في ربيع العمر، وجبران الذي كان في الثامنة والأربعين عندما قُتل.
اما ناديا، فقد توفيت بعد أربع سنوات من وفاة ابنتها بالمرض ذاته. وتزوج غسان تويني مرة ثانية من شادية الخازن العام 1996.
