غزة وطرائفها

توفيق أبو شومر قرأها 1,261

غزة وطرائفها 

اعتدتُ أن أرصد طرائف غزة التي تتجدد في كل موسم، وتتعدد، ثم تتلاشى وتتبدد.

كم هي طريفة غزة بما فيها ومَن فيها!! لن أرصد في هذا المقال طريقتها في النضال، ولا آليات صمودها، ولا ضائقتها وحصارها، ولا طريقة حياة أهلها اليومية، فهي أكثر من أن تُحصى، ويحتار كثيرون في تفسيرها والعثور على مسبباتها، فهي تمتاز عن بلدان كثيرة بتفاصيل الحياة المختلفة، وآليات سكانها الفريدة!

احترتُفي تفسير ظاهرة اكتساح معارض بيع السيارات الحديثة في كل شوارع غزة، وصار مألوفا للغزيين أن يروا هيمنة معارض بيع السيارات الحديثة في كل الأماكن، وكما قال أحدُ المصريين عن الجزائر في ستينيات القرن الماضي مستغرِبا من كثرة المقاهي: بين كل مقهى ومقهى، مقهى آخر!

فقد أصبح في غزة بين كل معرض سيارات حديثة ومعرض آخر، معرضٌ ثالثٌ!

اختلف كثيرون في تفسير هذه الظاهرة، فالمغرمون بالتحليلات الاقتصادية والسياسية، أرجعوا ظاهرة انتشار معارض بيع السيارات الحديثة، وانتشار بناء الأبراج السكنية لعميلة غسيل الأموال المهربة، والتجارة غير الحلال، وكأن غزة دولة مستقلة منذ عشرات العقود، لها عملة دولية خاصة، ولها بورصات وأسواق مالية، تتنازع فيها الأحزاب والحركات على ثرواتها الطبيعية والمنجمية والصناعية، وكأن موازين التجارة العالمية ستختلُّ بالتجارة الغزيًّة!!

وفسَّر هذه الظاهرةَ مفسرون آخرون مِمَن وقعوا ضحايا عمليات النصبوالاحتيال، تفسيرا آخر يقول: إن السيارة الواحدة يمكن أن تُباعَ مرتين حين يعجزُ مشتريها الأول عن سداد الأقساط البنكية، فيجوز لمالكها الأول أن يعيد بيعها مرةأخرى!

وأرجع آخرون من المغرمين بالتحيل الفرويدي (النفسي) إلى أن الغزيين حُرموا منذ أمد طويل من اقتناء سيارات حديثة، فقد كانت أحدث السيارات في غزة قبل فترة تعود للقرن الماضي، ودليلهم على ذلك أن أجيال السيارات المنقرضة مثل سيارة (البيجو الفرنسية) من نوع 404 التي تعود إلى ستينيات القرن الماضي، والتي اختفت حتى من بلاد إنتاجها، ما تزال عاملة في بعض مناطق القطاع حتى اليوم!

وقالت فئةٌ أخرى من محللي علم النفس الاجتماعي، إن الظاهرة ترجِع إلىانتقام المقهورين من ضائقة الحصار، ورغبتهم في الإحساس بالانعتاق من ضائقة غزة، حتى ولو كان بشراء سيارة حديثة من نوع الدفع الرباعي، لتجوب (جبال) غزة و(صحاريها) الواسعة و(غابات) السفاري فيها!!

وأرجع كثير من البُسطاء ظاهرة اقتناء سيارة حديثة، إلى أن السيارات صارت ميداليات وعباءات وتيجان تجلب لراكبيها الزهو والافتخار و(كيد) المتباهين الآخرين من أقاربهم وجيرانهم، ممن ينافسونهم في مجالات الافتخار والاستعلاء!!

أما بعض المثقفين، ممن اعتادوا أن يُفلسفوا الأمور، فقد ربطوا ظاهرة كثرة معارض السيارات الحديثة، بظاهرة ازدهار الرغبات بالسفر إلى الخارج، وظاهرة البطالة التي يعاني منها الموظفون الذين يتقاضون مرتبات، وصارت لهم مجالات عمل أخرى جديدة، وهم لا يمارسون الأعمال بسبب الانقسام، وربطوها كذلك حتى بظاهرة ازدهار انتشار الطلاق، وبحفلات الزواج الكثيرة وتعدد الزوجات، وحتى بظاهرة جنون تشجيع الفرق الرياضية الأسبانية وسط الأسر الفلسطينية، وانتشار السمنة، وقالوا:

عندما يُعدم الإنتاج في المجتمع، فإن الناس يهربون إلى ممارسة ظاهرة السمسرة، فهي تجارة مربحة، فعدد مستوردي السيارات في الحقيقة، أقل من عدد معارضالسيارات في شارعٍ جانبي واحد في غزة، وهؤلاء يتولون توزيع السيارات التي يستوردونها على أصحاب المعارض المفتوحة(السماسرة)، ليقوموا ببيعها وفق قدراتهم وكفاءتهم، وهذا بالتأكيد يرفع سعر السيارات!!

إن الاجتهادات السابقة، لم تجب عن سؤالٍ خطير:

هل تستحق غزة كل هذه السيارات، وهي المدينة الصغيرة جدا بقياس المدن في العالم؟

كم كنتُ أطمح لأعرف عدد السيارات التي تسير في الشوارع في قطاع غزة، وهل صارت من نصيب كل أربعة من سكان القطاع سيارة، أم أقل أو أكثر؟!!