السامية مكشوفة على حقيقتها

نبيـــــل عــــودة قرأها 882

السامية مكشوفة على حقيقتها

نشر الشاعر الألماني جونتر غراس قبل اسبوعين قصيدة اثارت غضب إسرائيل ووقاحتها، لدرجة التوجه الإسرائيلي للجنة جائزة نوبل السويدية بطلب سحب الجائزة منه باتهامه بالعداء لإسرائيل، والمفروغ منه ايضا اتهامه بالعداء للسامية وكل اسطوانة الدعاية الإسرائيلية المملة المعروفة والجاهزة دائما، والتي تنطلق مثل صواريخ القبة الحديدية، لاسقاط كل نقد يشتم منه رفض للسياسات الإسرائيلية العدوانية والعنصرية والاستفزازية.

إسرائيل سارعت باتخاذ قرار يمنع دخول الشاعر الألماني الى إسرائيل، الأمر الذي أثار انتقادات ضد هذا القرار لدرجة ان صحيفة مثل "لوس انجلوس تايمز" انتقدت بحدة هذا التصرف وكتبت: "ان قرار منع غراس من دخول إسرائيل يلائم دولة مثل ايران ولا يلائم إسرائيل الدمقراطية والمنفتحة".

قصيدة غونتر غراس لا تتضمن أي انتقاد على اساس اثني او ديني، أي لا علاقة لها بالعداء لليهود، بل لا تتجاوز تصريحات مسؤولين أمنيين إسرائيليين (ومنهم رئيس جهاز الشاباك السابق مئير دغان) الذين حذروا بقوة وعلناً من حرب ضد ايران، ووصف مئير دجان الحرب ضد ايران بانها أكثر شيء جنوني يسمع به، وقادة سياسيين وعسكريين وصحفيين وأدباء وأكاديميين حذّروا من نتائج كارثية على إسرائيل والشرق الأوسط والعالم من مغامرة إسرائيلية ضد ايران.

تعالوا اولا نقرأ قصيدة غونتر غراس حتى نصبح اكثر فهماً لمضمونها واهدافها، ولعلها توضح بالتالي العقلية التي تتصدّر أعلى مستويات القرار في إسرائيل، ولعلّها تنوّرنا في فهم ما هي السامية حسب فكرهم السياسي.

ما ينبغي ان يقال

قصيدة للشاعر الألماني غونتر غراس

لماذا أصمت، لقد صمتُّ طويلاً

عما هو واضح،

وما تمرّستُ على محاكاته

باننا نحن الذين نجونا

في افضل الأحوال في النهاية

اننا الهوامش في أفضل الأحوال

انه الحق المزعوم بالضربة الاولى

من قبل مقهور متنمر

وابتهاج منظم يمكن توجيهه لمحو الشعب الايراني

لاشتباههم انه يصنع قنبلة نووية

لماذا أمتنع عن تسمية ذلك البلد الآخر

الذي يمتلك ومنذ سنوات -رغم السرية المفروضة-

قدرات نووية متنامية لكن خارج نطاق المراقبة،

لانه لا يسمح بإجراء الكشف عليها

التستّر العام على هذه الحقيقة

وصمتي جاء ضمنه

أحسها ككذبة مرهقة لي

وإجبار، ضمن عقوبة الرأي،

عندما يتم تجاهلها،

الحكم بـ «معاداة السامية» المألوف

لكن الآن، وذلك لأن بلدي

ومن جرائمه التي تفرد بها

والتي لا يمكن مقارنتها

يطلب منه بين حين لآخر لاتخاذ موقف،

وتتحول الى مسألة تجارية محضة،

حتى وان

بشفة فطنة تعلن كتعويضات،

غواصة اخرى إلى إسرائيل

يجب تسليمها،

قدرتها تكمن،

بتوجيه الرؤوس المتفجرة المدمرة

الى حيث لم يثبت وجود قنبلة ذرية واحدة،

ولكن الخوف يأخذ مكان الدليل،

أقول ما يجب أن يقال

ولكن لماذا حتى الان؟

كما قلت،

بلدي مرهون لعار لا يمكن التسامح فيه،

يمنع...

هذا الواقع باعتباره حقيقة متميزة

أرض إسرائيل، وبها أنا مرتبط

وأريد ان أبقى هكذا

لماذا أقول الآن

شخت وقطرات حبر قليلة

ان إسرائيل القوة النووية تهدد

السلام العالمي الهش أصلا؟

لأنه لا بد أن يقال

وغداً سيكون الوقت متأخراً جداً

أيضا لأننا - كألمان مثقلون بما يكفي-

لنكون موردين لما يعتبر جريمة

وأضيف: لن أصمت بعد الآن،

لاني سئمت من نفاق الغرب

مثلما لدي الأمل

بأن يتحرر الكثيرون من صمتهم

ويطالبوا المتسبب في الخطر المحدق

لنبذ العنف

بنفس الوقت

أصرّ على مراقبة دائمة وبدون عراقيل

للترسانة النووية الإسرائيلية

والمنشآت النووية الإيرانية

ما يجب أن يقال،

من قبل هيئة دولية،

أن يتم السماح بها من قبل البلدين

عندئذ فقط،

 الجميع،

 الإسرائيليين والفلسطينيين

واكثر من ذلك،

 كل الذين يعيشون بجنون العداء

مكدسين في مناطق متجاورة

بالنهاية سيساعدونا.

الذي يمكن التنبؤ به، سيكون تواطئاً

حينها لن تعود الأعذار المعتادة

كافية للتكفير عن الذنب

هذا النص الشعري الانساني لم أجد فيه ذرة لا سامية او عداء لليهود او حتى عداء لإسرائيل الدولة بل يقول: "أرض إسرائيل، وبها انا مرتبط /واريد ان ابقى هكذا". أي دفاع واضح عن حق إسرائيل بالوجود كدولة الشعب اليهودي.

 هناك نقد في القصيدة لسياسة مغامرة تنتهجها حكومة السيد بنيامين نتنياهو، حتى الحليف الوحيد الباقي لإسرائيل يحاول التملّص من حرب مجنونة ضد ايران قد تكلف الأمريكيين إضعاف تكلفة الحربين المجنونتين ضد افغانستان والعراق، وربما نضيف اليهما تكاليف الحرب القديمة ضد فيتنام ايضا. والعالم كله متوجّس من مغامرة عسكرية إسرائيلية لا يمكن معرفة عواقبها على مستقبله، حتى لو نجحت في وقف اندفاع ايران لبناء سلاح نووي، سيكون الأمر مؤقتاً وسيجر ردود فعل لا يمكن معرفة امتدادها وعنفها وتكاليفها مستقبلا.

 اذن هل صار نقد نتنياهو وليبرمان وبراك وسياسة حكومتهم، عداءً لاسامياً يجب معاقبة من يجروء عليه؟

هل صار الطلب بقبول إسرائيل للمراقبة الدولية على مفاعلها النووي وانتاجه عداء للسامية؟

حتى كُتاب يهود في الصحافة الإسرائيلية كتبوا ما هو أعنف الف مرة من كلمات قصيدة جونتر غراس.

من المفهوم تماماً ان شاعراً عالمياً له مكانته الكبيرة، يشكل موقفه الانساني ضد الحرب وضد سياسة نتنياهو وحكومته التي تدفع العالم كله الى أزمة مخيفة، نقطة تحول اكثر تأثيراً على صناع القرار من الضغط الإسرائيلي، لأنه يخاطب العقل الانساني السليم في مجتمعات تشكل فيها الثقافة قوة اخلاقية جارفة لا يمكن تجاهلها. هذا بحد ذاته ضوء أحمر يخلق عرقلة للاندفاع الإسرائيلي يجب ازاحته بدون تمهل و"بضربة قاضية" تعطي درسا للمثقفين وأصحاب الفكر والسياسيين الغربيين بان معارضة سياسة حكومة إسرائيل تعني حرمانهم من المكانة الأدبية واسقاط الجوائز عنهم، ونبذهم سياسيا، واتهامهم القاتل باللاسامية، وهي تهمة ليس من السهل احتمالها في اوروبا والعالم الحضاري الذي بات حساساً لقضايا الانسان ورفض التعامل مع البشر على أساس إثني وديني والجنس واللون، خاصة في المسألة اليهودية لأسباب تاريخية تثقل على الضمير الأوروبي كما لا ثثقل عليه كل جرائم الاستعمار ضد شعوب آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية .

نحن ايضا لا نريد ايران نووية لمصلحة الشعب الايراني الذي تحكمه زمرة مغامرة، نريد ايران حرة ديمقراطية تطور مرافقها الاقتصادية لمصلحة الشعب الايراني وسائر شعوب المنطقة وبدون أي تهديد خارجي من إسرائيل او غيرها من الدول الكبرى التي تطمع بثروات شرقنا وتتآمر مع إسرائيل وغيرها من الأنظمة الفاسدة على مستقبل ومصير شعوب شرقنا كله بما فية مصير الشعب اليهودي. السلاح النووي بيد أي طرف في الشرق الأوسط، سيكون كارثة للجميع لن ينجو منه لا اليهودي ولا العربي ولا الايراني ولا الأجنبي مهما كانت قوميته ودينه.

 هناك حلول طرحها غونتر غراس في قصيدته، وطرحها مفكرين واكاديميين وكتاب يهود، بان تعلن إسرائيل تخليها هي ايضا عن السلاح النووي وتفتح المجال امام الرقابة الدولية. كتب غراس: "أصرُّ على مراقبة دائمة وبدون عراقيل/ للترسانة النووية الإسرائيلية/ والمنشآت النووية الإيرانية". موقف مثل هذا سيغير واقع الشرق الأوسط كله، فما الجريمة التي ارتكبها الشاعر لكي تشتكيه إسرائيل للجنة جائزة نوبل وتأمرها بوقاحة ان تسحب الجائزه منه "؟؟!!"، وتمنع دخوله ل "جنة الديمقراطية" في إسرائيل؟

اليوم ايران وغدا ستضطر دولة عربية حرة وديمقراطية ان تضمن امنها ومصالحها بسلاح نووي اذا لم يقفل هذا الموضوع نهائيا بتجريد الشرق الأوسط من كل اسلحة الدمار الشامل وفرض حلول تضمن استقلال وحرية كل شعوبه.

هنا يكمن الحل وليس بالشروط التعجيزية التي تطرح على ايران وتتجاهل ان إسرائيل هي قوة نووية كبرى تشكل خطرا على كل الأمن العالمي والشرق الأوسط خاصة.

لا احد يوهم نفسه بان إسرائيل ضعيفة وغير قادرة على توجيه ضربة مؤلمة لايران او غيرها.

ان ما تقوم فيه إسرائيل بات مكشوفا. توجيه تهم اللاسامية بهذا الشكل يعني ان الصهيونية تنتقل الى مرحلة تحويل إسرائيل نفسها الى "يهودي العالم – يهودي الشعوب"، مكان ما ساد سابقا لاسامية ضد الأقليات اليهودية المنتشرة في مختلف ارجاء العالم.

كانت اللاسامية مظهراً اجتماعياً مقيتاً وعنصرياً داخل دول قمعية تفتقد لنظام ديمقراطي ومساواة بين المواطنين. طبعاً نرفض العنصرية على أساس قومي او ديني، والتي نصطلي بنارها في إسرائيل بصفتنا أقلية عربية فلسطينية، ونرفضها بقوة ضد أي اقلية قومية في أي دولة كانت، من منطلق مفاهيمنا الانسانية وحقوق الانسان كما صاغتها المواثيق الدولية، ونحن المثقفون العرب داخل إسرائيل، رغم ما يعانيه شعبنا من عنصرية النظام واحتلاله القمعي لأبناء شعبنا، الا اننا لا يمكن ان ننحرف ونُحمّل الشعب اليهودي إثم سياسة نظام الحكم. سنظل نميز بين المجتمع اليهودي كمجتمع انساني، وبين نظام حكم يميني متطرف يواجه نقداً قاسياً من المواطنين العرب واليهود.

 ما يكشفة الهجوم الإسرائيلي الرسمي على غونتر غراس وقصيدته الانسانية المعادية للحرب، ان إسرائيل الرسمية تأخذ على نفسها دور "يهود الشعوب". كل نقد لسياستها تعتبره ماكنتها الاعلامية الجيدة، تحريضاً عنصرياً لاسامياً على اليهود. أي إسرائيل هي اسم مرادف لليهود، من ينتقد سياستها او شخصيات السلطة فيها حتى على اساس سياسي، هو بالتأكيد لاسامي.

 بينسكر، احد قادة الحركة الصهيونية كانت رؤيته بان التعريف الأكثر مصداقية والوحيد للصهيونية السياسية هو الهدف لجعل علاقات الشعب اليهودي مع شعوب العالم الأغراب ("الجوييم" بالتعبير التوراتي) هو عن طريق إعادة دمج اليهود من جديد في التاريخ. الصهيونية نجحت بذلك في العقدين الأولين يعد إقامة دولة إسرائيل، ويبدو ان عقدة الغرب النفسية من القمع الذي تعرض له اليهود في دولهم وخاصة حملة الابادة النازية، كانت عاملاً ايجابياً لترسيخ ذلك الهدف. نلاحظ في العقدين الأخيرين تآكل هذه "العقدة النفسية" واضمحلالها التدريجي وحضانة دولة واحدة لها، أمريكا، لأسباب مختلفة لن نخوض فيها الآن. دائما نظر الغرب للنزاع العربي الإسرائيلي من زاوية داوود الطيب ضد جوليات المتوحش. وكان الحب لداوود مطلقا. كان ذلك من المسائل التي سهلت القبول الغربي الواسع لإسرائيل وغض النظر عن تصرفاتها، حتى الخارقة للقوانين الدولية، وتوفير التغطية السياسية والدبلوماسية لها في المنصات الدولية.

ولكن داوود بالغ كثيرا في حروبات باتت تلحق الضرر بالغرب نفسه الذي بات لا يقبل تبريراتها السياسية والأمنية.

بقاء العالم العربي ضعيفا، بأنظمة غائبة عن عصرها وعن مطالب مجتمعاتها، شكل حالة مثالية للسياسات الإسرائيلية ولاستمرار "العقدة النفسية" الغربية بخصوص إسرائيل. مع انفضاض اوروبا عن الاعجاب المبالغ بداوود ضد جولييت، بالمقابل لهذا التحول غير الحاسم بعد، في المواقف الدولية للغرب، خاصة في اوروبا، الذي ارهقته السياسات الإسرائيلية العدوانية وتكاليفها، وانعكاساتها الأمنية على دوله ومواطنيه، طورت إسرائيل ما ذكرناه من احتلال مكانة "يهودي الشعوب" على مستوى الدولة. أي كل نقد سياسي لإسرائيل، بدون أي علاقة بالناحية الإثنية او الدينية، فورا يرد عليه بانه توجه لاسامي. حتى موقف سياسي بسيط وقانوني ضد الاحتلال والاستيطان واستمرارهما رغم الجهود الدولية للوصول الى حل سلمي، تسميه إسرائيل عداءً لاسامياً. حتى انتقاد حرق مسجد او قلع اشجار الزيتون او قتل مواطنين ابرياء، هو موقف لاسامي بالتفكير الرسمي الإسرائيلي!!

لا اظن ان هذا يعبر عن ذكاء، ربما هو تذاكٍ مملٌّ من سياسة تقودها حكومة يمينية متطرفة.

ارى ان الهجوم غير المبرر على الشاعر غونتر غراس وقصيدته الانسانية، المعادية للحرب على ايران وللحروب عامة، وضد السلاح النووي الايراني والإسرائيلي على حد سواء، يكشف ان داوود لم يعد ذلك الفتى الطيب الذي يواجه جوليات المتوحش، وان السامية حلقة ضرورية لإستراتيجية الصهيونية السياسية باكثر تياراتها اليمينية المتطرفة.

nabiloudeh@gmail.com