قصص قصيرة
قطط
(1)
في شبابي كنت مولعاً بقراءة لينين. ولقد لفت نظري أنه يكرر في نقده عبارة "الطاهي يعظ والقط يأكل". وهي عبارة مأخوذة من قصة للأطفال بقلم تولستوي على ما أذكر. وكنت أستمتع بهذا التمثيل وأتصور القصة على النحو التالي: طاهٍ وقط في مطبخ، الطاهي يقوم بعمله والقط يأكل اللحم المعد للطبخ، وبدلاً من أن يزجر الطاهي القط يقوم بتعليمه كيف يتصرف تصرفاً حسناً فيقول له: تصرفك غير لائق، عيب، لا يجوز، اللحم ليس لك، ليس من المستحسن أن يأخذ المهذب ما ليس له، أنت لطيف لذا أنتظر منك أن تقدر ظرفي ؛ فماذا سأقول لسيدي إذا أجهزت على اللحم كله؟! توقف، أرجوك، أنت تضعني في ورطة بعدم مراعاتك للقواعد... وفيما الطاهي يعمل ويعظ يكون اللحم المعد للطهي قد نفد. لا يُنتظر من طهاة السادة أن يكونوا قساة جلفين، لكن هذا الطاهي يعظ ويعظ فقط، فلا يخطر بباله أن يتوعد القط مطلقاً، مثلاً أن يقول له: انتبه!. ما لم تتوقف سأزعل منك وأكف عن اعتبارك قطاً مهذباً.
لقد أحببت هذه القصة كما تصورتها وسعيت جهدي كي أٌقرأها كما كتبها مؤلفها، لكنني لم أستطع الحصول عليها حتى الآن، فعلى ما يبدو لم تترجم هذه القصة إلى لغتنا رغم حاجتنا الماسة إليها. والمؤلم في الأمر هو أنني، ورغم بعد زمن قراءتي للينين، لم أستطع نسيان رغبتي الشديدة في قراءة هذه القصة، إذ أن حياتنا تجدد رغبتي هذه عدة مرات في اليوم. لذا وجدت ألا أكتفي بالبحث عنها عند أصدقائي ومعارفي ومن ألتقي بهم من المثقفين، لكن لم أجد وسيلة لتوسيع دائرة بحثي سوى الاستعانة بالقراء.
وكنت قد كتبت القصة التي بين أيديكم بوحي من القصة المفقودة فوجدت أن أستعين بها على طلب المساعدة، إذ لا يعقل أن أتقدم منكم برجائي مجرداً ودون مناسبة. وأنتم لن تخرجوا من البحث دون فائدة، فأنا سأشكركم فيما لو أرسلتموها لي، بل إن فائدتكم من قراءة قصتي هذه ستكون أكبر فيما لو قرأتم تلك القصة، إذ يمكنكم اعتبار القط فيها قطاً أول في قصتي.
قط ثانٍ
كان والدي، ليرحمه الله! صموتاً قليل الكلام؛ على نحو خاص كان قليل كلام السوء، لكنني ما سمعته يسمي جاراً لنا إلا بلقبه. وما أثار عجبي أنه كان يسميه بـ"الأعور" رغم أنه كان أعرجَ لا أعورَ. وفيما بعد علمت أن هذا اللقب تشبيه لجارنا برجل آخر كان جاراً لنا قبل انتقالنا.
لا أذكر عن أبي، ليرحمه الله! أنه تناول بلسانه رجلاً آخر غير هذا الجار، وما سمعته يفعل هذا إلا في البيت ومع أمي حصراً، بل ما كان يسمح لأحد أن يحدثه حديث سوء عن أيٍّ كان، حتى لو كان المحدث ينقل له إساءة صدرت عن أحدهم بحقه. ومما له دلالة في هذا الشأن أن معرفة سبب التسمية احتاجت لزمن طويل، إذ ما كان يتحدث عنه بسوء هو الآخر، فقط كان يسميه لأمي بـ"الأعور".
كان جارنا هذا صياداً لا عن هواية ولا عن حاجة بل من باب التقتير. ورغم أنه يمتلك بندقية فهو غالباً ما كان يلجأ إلى نصب الأفخاخ لصيد العصافير حرصاً منه على توفير ثمن الطلقات.
أبي، ليرحمه الله! كان يمتلك بندقية أيضاً، لكنه لم يكن من محبي الصيد، فهو ـ فقط ـ يستأنس بها إذا ما ذهب ليروّح عن نفسه في الغابة، الأمر الذي كان يفعله في أوقات متباعدة. ولا شك عندي أن هذه البندقية هدية لأنني لا أعرف سبباً لاقتنائها قبل انتقالنا إلى الريف.
ورغم أن أبي، ليرحمه الله! يملك بندقية مثل جارنا، فأنا لا أذكر إلا أن جارنا كان يأتي لنا أحياناً بقط ميت ويقول لأبي: قتلت القط. يقولها هكذا؛ بـ"أل التعريف"، فيقول له أبي: شكراً، يوجد قط غيره. ولقد عرفت فيما بعد أن جارنا هذا، ورغم بخله، كان يطلق النار على أي قط يصادفه في البرية ثم يزعم لأبي أنه قتله في الجوار. وسبب هذه المنّة هو أن أبي من محبي تربية الحمام، لا للتجارة ولا للكش ولا للأكل، فقط إذا ما رغب بكأس كان ينثر لها الحب لتجتمع حوله، إذ كان الحمام مزّته بتعبير أحد أصدقائه المقربين. لكن رغم أن تربية الحمام عند أبي، ليرحمه الله! لم تكن للتجارة أو الأكل، فإن حماماتنا كانت تنقص باستمرار، فلا شك أن قطاً ما يأكلها. وأنا أذكر أنني كثيراً ما سمعت أبي، ليرحمه الله! ـ ينادي جارنا، فإذا ما ردّ عليه قال له: بالأمس أيضاً تعشّى القط من حماماتنا. لكني لا أذكر أنه، ليرحمه الله! زاد عن حماماتنا ببندقيته، وكنت أعجب كيف أن أبي، ليرحمه الله! لا يزود ببندقيته ثم يشكو لجارنا. ولقد سألته مرة عن الأمر فقال: يا بني! من طبع القط أن يأكل الحمام، فإذا ما اصطاد من حماماتنا كان هذا بسبب تقصيرنا في الاحتياط. قلت: لماذا إذاً تطلب من جارنا أن يقتل القط؟! قال: أنا لا أطلب منه هذا بل أشكو.
بعدما كبرت عرفت عن الأمر أشياء أخرى كثيرة، عرفت، مثلاً، أن الأعور الحقيقي، جارنا القديم في المدينة، كان قطاً أيُّ قط، فلقد كان شرهاً إلى الحمام يبدع كل الإبداع في اصطياد حماماتنا، لكنني إلى الآن لا أعرف لمَ لم يكن أبي حازماً بما فيه الكفاية مع جارنا في الريف؛ ليرحمك الله يا أبي!! ليرحمك الله!...
(2)
لا
من تلك القطط السمينة التي تعيش حول المطابخ العسكرية. ركله أحدهم ركلة قوية قذفته بعيداً بين صفين من الأسرة وقد استقر على بطنه وأرجله الأربع. كما لو أنه أراد أن ينسلّ تحت ذاك السرير خفض رأسه ومال كحلزون بنصفه الأول إلى اليمين، ثم عدل ومال بالاتجاه الأخر لكنه لم ينتقل من مكانه قيد أنملة. وجدت نفسي سأتقيأ لولا أن أحدهم دفعه دفعات متتالية إلى الخارج. كان يحشر قدمه تحت القط ويدفع، والقط لا يحاول الهرب أو العودة؛ حالة من الاستسلام البليد. لقد أثار هذا القط بي كراهية أبدية للقطط ستنعكس سلوكاً عدائياً معها، بل بسببه أصبحت نمور السيرك مثيرة للقرف في نفسي.
بل
قال زميلي: إنه عاشق لريما، سأقتله الوغد. ولأنها قضية شرف كما ترون، وبدافع كراهيتي للقطط، حبذت الفكرة. قلت: أترك الباب نصف مغلق وأنت تطرده، وعند خروجه أطبق عليه الباب. قال: اتفقنا. لكن الذي علق بالمصيدة هو ريما التي أخذت تصرخ صراخاً وحشياً، مما جعل القط الغريب مثل البندول ؛ يقذف نفسه إلى النافذة الزجاجية ليرتد عنها كالنابض إلى وسط المهجع ويقذف نفسه من جديد إلى النافذة الأخرى، وهكذا...
انتحى زميلي زاوية المهجع وبدأ الصراخ: افتح الباب ليهرب القط، لقد اصطدت ريما. كنت مرعوباً بدوري، للحظات حسبت أن الأرض زلزلت زلزالها؛ هياج القط الدخيل وصراخ ريما وولي أمرها شلا تفكيري، وعندما صحوت أفسحت المجال للقط كي يهرب.
كانت نظرة واحدة إلى زميلي كافية لأدرك كم كان وجهي أصفر كالشمع.
لكن
في طفولتي كنت مولعاً بتربية عصافير الدوري. وكنت أربّي أفراخاً كثيرة دفعة واحدة.
تتميز عصافير الدوري الأليفة عن البرية بتلازم زقزقتها مع رجفة أجنحتها؛ هما زقزقة ورجفة كتلكما اللتين تفعلهما الأفراخ الصغيرة عندما يؤتى لها بالطعام، لكنها تتميز أكثر من هذا بكونها عديمة الحذر.
في بداية قدرة عصافيري على الطيران كنت أنشرها على يديّ وكتفي ورأسي وصدري وأبدأ الرقص فتأخذ بالرفرفرة والزقزقة مع كل حركة تحتها، كانت تتشبث بي وترفرف خشية السقوط أو تطير حولي وتحط عليّ لتعيد سيرتها الأولى في الزقزقة وترجيف الأجنحة. في مثل هذه اللحظة كنا ندخل جميعاً، أنا وعصافيري، في حالة من الوجد لم أعرفها حتى في الأحلام ؛ كنا نحلق في سماوات النشوة والدنيا من حولنا قد تحولت أناشيد فرح.
أثناء رقصنا كان بعضها يسقط على الأرض دون أن يكف عن الرجفة والزقزقة هاتين، إنما الرأس والصدر ناهضان وكأنها تهم بالطيران للعودة إلى الأعلى، وفجأة أسمع زقزقة نشاز عن معزوفتنا الرائعة ؛ زقزقة يقف لها قلبي فأسقط من علياء نشوتي كأنما مظلتي التي تتهادى بي عالياً في الحلم أصيبت بتمزق ؛ إنها زقزقة العصفور المصاب والجرح مازال ساخناً. إذاً، لقد اختطف القط أحد عصافيري. ومن خلال الدموع أرى القط هارباً بنشوتي.
لم يكن لعصافيري قفص، بل كنت أتركها حرة على السقيفة. لذا كانت تأخذ حريتها في الانتقال ما إن تصبح قادرة على الطيران قليلاً.
في أحد الأيام تركت رفاقي في صخبهم ودخلت المطبخ لأهتبل لقمة فإذا بصوت يأتيني من النافذة، قريباً، خلف الحائط، هو بين الغمغمة والهمهمة والتلمظ، أو هو مزيج من الوعيد والتلذذ في الأكل ؛ إنه صوت القط وهو يأكل، فماذا اصطاد؛ أشيئاً من الهوام أم أحد عصافيري؟ نظرت فإذا به، كعادته في الأكل، وضع يديه على عصفور وأخذ به. أنا لم أشف بعدُ ؛ كان البارحة قد خطف أحدها أثناء لعبنا فاستبدل الغيظ كله بنشوتي!. وإلى متى؟!.
تناولت بندقية أبي، حشوتها وأطلقت عليه، وإذ كانت المرة الأولى أصبته في جزئه الخلفي قريباً من مبتدأ ذيله، فشلت خلفيتاه وراح يجرهما في محاولة للهرب.
اندفع رفاقي إلى المطبخ فوجدوني مندهشاً من هول ما فعلت. وما عدت إلى وعيي إلا بعد الهرْج والمرْج الذي تبع معرفتهم بما حدث. وفجأة قال أحدهم: سنذبحه ذبحاً، هيا. فعادت إليّ حميتي السابقة وتناولت سكيناً كبيرة واندفعنا.
عندما تحلقنا حوله أخذ يهر هريراً يبعث الخوف في قلوبنا فتتلاقى أيدينا أو تتدافع. وإذا ما اقتربت والسكين في يدي كان يشرع مخالبه ويهر فأرتد وقد علا لغط الرفاق. وبعد عدة محاولات تجرأت وأقدمت على الفعل.
القط يصاب بالشلل ما إن يمسك من جلدة رقبته. أمسكته منها باليسرى والسكين في اليمنى، وعند الذبح وجدت أن اليسرى تعيق العملية فأرخيتها قليلاً، فما كان من القط إلا أن هر وهو يحاول عض يدي. وفي حالة من الذعر أخذت اليمنى في حركة لا هي بالحز ولا هي بالطعن، وأخذ صراخ رفاقي يدوي في أذني كصراخ الجن والعفاريت، فارتددت رجوعاً إلى الخلف ووقعت على مؤخرتي والسكين في يدي تكاد تلامس فخذي، فما حصلت إلا على عضة من القط وجرح من السكين في يسراي.
في هذه اللحظة حضر أبي فوقعت بين خوفين؛ خوف بسبب استعمال البندقية وخوف بسبب عملية الذبح. لكن أبي، إذ عرف دافعي ورأى حالة القط الميئوس منها، وإذ لم يشأ أن يوبخني أمام رفاقي، قرر أن يواسيني ويريح القط فقال: هات لأريحك من هذا الملعون. وتناول السكين وأمسك القط من جلدة رقبته وقد جعل بطنه إلى اليمين، جهة السكين، بخلافي إذ جعلت ظهره من جهتها بحيث تقاطعت يداي أثناء الذبح، الأمر الذي أدى إلى ما سبق شرحه من لبكتي. لقد ذبح أبي القط بيسر أيُّ يسر. ويا لفرحتي!. لم تكن فرحتي تلك بموت القط، بل لأن رفاقي رأوا بأعينهم كم كان أبي عارفاً بالأمور...
Akram270@gmail.com