ألكتابةُ؟... إنّها الكتابة!

إيلي مارون خليل قرأها 1,262

ألكتابةُ؟... إنّها الكتابة!

-       كيف تفعل؟

-       لا أفعل!

-       متى؟

-       لا أعرف!

-       ماذا؟

-       لا أعرف!

-       حتّامَ؟

-       لا أعرف!

-       ماذا تُسمّي الكتابةَ إذًا؟ ألكتابة الشّعريّة؟

-       لا أُسمّيها. أمارسُها. أحياها. أتفجّر معها وبها. تتفجّر معي وبي.

-       لم أفهم.

-       ولا أنا فهمت!

-       كيف؟

-       لا أعرف!

-       عُدنا؟

-       هل انطلقنا، حقًّا؟

-       غريب!

-       تمامًا. ألكتابة فعلُ غرابة.

تتساءَلُ، وحدَكَ، أحيانًا : لِمَ لا يتحوّل العالَمُ إلى كلمات؟ كلماتٍ شفيفة، نورانيّة، تُريكَ ما فيها وما بعدها في الوقت عينِه؟

        وتتساءَلُ، وحدَكَ تتساءَلُ، أحيانًا: وما هي الكلمة؟ وما مَعْناها؟ ومن أين؟ وكيف؟ ولماذا هذه لا مترادِفُها؟

          هذه الأسئلةُ لا تُزْعِجُك. تُقْلِقُكَ القلقَ العذبَ المُسَنَّنَ الجميل. القلقَ الدّفّاقَ الخَيِّرَ المُثير.

        هذه الأسئلةُ تُثيرُك. تفرحُ بها، أنتَ، فهي تؤثّر فيك، وتوحي إليك. تنفعلُ بها. وبها تتكوّن. تُكَوِّنُ ذاتَك. تريد تعرف كيف. لكنّك لا تعرف. لا تستطيع أن تعرف. فقط تَحْدِسُ. تُحِسُّ. فتفرحُ بل فتَسعدُ. لكنّكَ لا ترتاح. أَتُريدُ، حَقًّا، أن ترتاح؟ تَشُكُّ في ذلك. وَشَكُّكَ يُسْعِدُك. شَكُّك يُغْريك. يُغْريك لِيَتَحدّاك.

        وتتساءَلُ، وحدَكَ، أحيانًا: لماذا تريد ألاّ تستعملَ كلماتٍ شائعةً ليفهمَك الآخر، كلُّ  آخر؟ ولكن : أتريد، أَصْلاً، أن "يفهمَكَ" الآخرون، الآخرون كلُّهم؟ أأنتَ تكتبُ لتُفْهِم؟ أأنتَ تكتب لـ"تنقلَ" لـ"ترسمَ" لـ"تقول"...؟ فلِمَ تكتب، إذًا؟ لِمَن؟ حَتّامَ؟ كيف؟

        لا "تختارُ" كلماتِكَ، أنتَ، من الآخرين. أنتَ تختارُ كلماتِك. أَحَقًّا أنتَ "تختار"؟ هل كلماتُكَ بِضاعةٌ مرصوفةٌ مرصوصةٌ في خزانةٍ، على رفوفٍ، وأنتَ تستعرضُها، وهي تتغاوى أمامَكَ، أمام عينيكَ وقلبِكَ وأحساسيسِكَ ورُؤاك والأحلام!؟ ألا "تخلُقُ"، أنتَ، كلماتِك؟ من ذاتِكَ "تخلُقها". تُطْلِعُها منكَ، من أحشائك، من أعصابِك، من تَوَهُّماتِك، تَوَتُّراتِك، صُراخِك؟ صُراخُكَ هذا، ألا يُدَوّي فيكَ، يُزَلْزِلُكَ، ويُعيدُ بِناءَك، تَشْكيلَك، إنْماءَك المُغايِر؟

        بل لا تعرفُ، أنتَ، إنْ كنتَ، حَقًّا، "تَخْلُقُ" كلماتِك. إنْ كنتَ، حقًّا، تعرفُ إنْ كنتَ "تختار"، إراديًّا، أو هَلْوَسَةً، أو صِدْفةً... بل... أتعرفُ، أنتَ، حقًّا أتعرفُ ماذا تفعلُ بالكلمات؟ ألا تَنْبَثِقُ، هي، منك؟ ألا تَتَفجَّرُ فيكَ ومنك؟ ألا تَفيضُ فيكَ ومنكَ وعليك؟

        وأنتَ، ألا تنبَثِقُ عَوالِمُكَ ـ ذاتُكَ من كلماتِك؟ ألا تَتَفجَّرُ فيها ومنها؟ ألا تَفيضُ فيها ومنها وعليها؟ وما عوالِمُك؟ أليستْ كلماتُك، وإيقاعاتُها، ونُظُمها، وتركيباتُها، ورؤاها، وما تُثير؟ فما الفارقُ بينكَ وبين كلماتِك؟

        تعترفُ أن لا فرقَ! إذًا : فَمَن "يَخْتار" الآخر!؟ مَن "يَخْلُقُ" الآخر!؟ مَنْ "يَصْقُلُ" الآخر!؟ مَن "يستعملُ" الآخر!؟ مَن "يُضيء" الآخر!؟ مَن... مَن... ومَن "يُحْيي" الآخر!؟

        ألا تَتَصدّى لكَ، كلماتُك : ها أنا ذي! أنا لك، أنا منك، أنا فيك، أنا أنت؟

        "تَشْعُرُ" بذلك، لا "تَفْهَمُه". "تحيا" ذلك ولا "تُعَقْلِنُهُ". تُصَدِّقُ ذلكَ، فأنتَ تَحْدِسُه. "جَوّانِيَّتُكَ" تُقْنِعُك! فَتَمْتَثِل.

        إذًا، فأنتَ حالٌّ في كلماتِك، وهي حالّةٌ فيك. معناكَ منها، ومعناها منك. كلماتُك لا "تقولُ" معاني الآخرين. لا تؤدّي صُوَرَهم. لا تُصَوِّرُ رؤاهم. كلماتُك خاصّتُك، وأنتَ خاصّتُها. وإلاّ، فأيْنَ فَرادَتُك؟ وأيْنَ فَرادتُها فيك، في حياتِك، كتابَتِك!؟ فأنتَ تُغَيِّر اللّغَةَ، تُغَيِّرُ لُغَتَك. كلَّ مرّةٍ تجعلُها "خاصّتَكَ" أكثر، "خاصَّتَكَ" المُغايرةَ لـ"خاصّتِك" الّتي سَبَقَتْ. تُنَقِّيكَ. تُنَقّيها. تُصَفّيك. تُصَفّيها. لِكُلِّ كلمةٍ لدَيْكَ، مَعْناها المُخْتَلِف. لا مُتَرادِفات. لكلِّ كلمةٍ دورٌ، كما نَبْضاتُ قلبِك.

        أتستخدمُ كلماتِك، أنتَ، أم أنّها، هي، مَن يَسْتَخْدِمُك؟ لا تريدُ جوابًا. إنّه السّؤالُ الحاملُ أجوبتَه.

        وتعرفُ، أنت، أنّ كتابتَك هي إنْماءُ ذاتِك. إنْماءُ تَكْوينِها، كلَّ مرّةٍ جديدةً. إنْماءُ الدَّهشةِ فيها والتّعَجُّب. إنْماءُ الخَلْق ِ فيها والرّؤى.

        وليس الإنْماءُ تفسيرًا. وليس إيضاحًا. وليس إفهامًا. ولا إبلاغًا، حتّى. إنّه التّجلّي!

        ألإنْماءُ تَجَلٍّ يَتَجَلّى. تَجَلٍّ للذّات دائمًا وأبدًا. تَجَلٍّ للآخر دائمًا وأبدًا. إنّه التّجَلّي الصّافي، المُشْرِقُ والمُتَوَتِّر. لا تُحاوِلُ، كتابتُكَ، نَقْلَ هذا التَّجَلّي إلى أحد... تعتبرُ أنّ هذا ليسَ من مَهامِّها. إنّها – فقط – تجعلُ الآخرَ يَتَجَلّى.. لِذاتِهِ أوّلاً، مع ذاتِهِ، وللآخرِ، تاليًا، مع هذا الآخر. هذا ما يجعَلُكَ، مرّةً، نبيًّا، ومرّةً شريكًا، ومرّةً مُحَرِّضًا، ومرّةً مُسْتَفِزًّا، ومرّةً...

        مَنْ قالَ إنَّ الكتابةَ تنقلُ "حقيقةً"!؟ أو تقولُ "معرفةً"!؟ أو تُصَوِّرُ "واقِعًا"!؟

        ألكتابةُ لا تنقلُ "حقيقةً". لا تقولُ "معرفةً". لا تُصَوِّرُ "واقعًا".

        ألكتابةُ صُراخٌ بِقَدْرِ ما هي تَجَلٍّ. زلزالٌ بِقَدْرِ ما هي رؤيا. وقد لا تنقُلُ شيئًا، ولا تقولُ شيئًا، ولا تُصَوِّرُ شيئًا. لا تُشيرُ إلى شيء. ليستِ الكتابةُ مُعَلِّمًا ولا مدرسةً ولا مُوَجِّهًا ولا... إنَّها الكتابة!

        في الكتابةِ تَمّحي الكلماتُ لِتَتْرُكَ الذّات. تَمّحي المعاني لِيَصْفو المثال. ألكتابةُ تَوَتُّرُ الذّاتِ لِتَوتيرِ الآخر. تَوَتُّرُ الذّاتِ لِتَنْقِيَةِ الآخر. و"تَفَجُّرُ" الذّاتِ لـ"تَفْجيرِ" الآخر!

        فأيُّ معنًى للكلمات إنْ لَصَقَ بها المعنى!؟