نافذة على السامريين

أ.د . ‬حسيب شحادة -جامعة هلسنكي قرأها 1,279

نافذة على السامريين



الاسم ومن هم

تمتاز مِنطقةُ‏ الشرق الأوسط ببضع سماتٍ‏ هامة، نذكر منها هنا سمة واحدة وهي‏ وجود الكثير من الأقليات العرقية أو الدينية‏. هناك،‏ على سبيل المثال،‏ العلويون والأرمن والسُّريان والبهائيون والأحمديون والعرب المسيحيون والكلدانيون والدروز والأقباط والموارنة والأكراد والشيعة واليزيديون والفلاشا والقرّاؤون والشركس والصابئة‏ (المندائيون‏) والعيسويون‏ (اليهود المسيحيون‏) والسامريون‏.

سنتطرّق هنا بإسهاب ما إلى الفرقة الأخيرة،‏ السامريين أو السُّمرة أو السامرة،‏ الذين،‏ في‏ تقديرنا،‏ لا‏ يعرف عنهم جارُهم،‏ العربيُّ‏ العادي‏ في‏ الديار المقدسة ناهيك عن الأقطار العربية،‏ شيئا ذا بال‏. إنهم أصغر وأقدم طائفة دينية في‏ العالم‏. وقد قالت عنهم إحدى الباحثات في‏ الستينيات من القرن الماضي‏ ما معناه‏: يبدو أنه ربما كان من الممكن اعتبار السامريين المعاصرين أكثر الطوائف اليهودية الحيّة تمثيلا للعبرانيين القدماء‏.

هناك أقليات عرقية أو دينية تسمّي‏ نفسَها باسم أو بأسماء معينة في‏ حين أن الغيرَ،‏ الآخرين،‏ يُطلقون عليها اسماً‏ أو ألقابا أخرى لا تقبلها تلك الأقليّات‏. من هذه الأقليات نذكر اثنتين تعيشان منذ القِدم في‏ وطنهما،‏ الديار المقدسة،‏ وهما العرب في‏ إسرائيل والسامريون‏. تطلق السياسة الإسرائيلية الرسمية على الأقلية القومية في‏ البلاد اسم‏ "عرب إسرائيل‏" في‏ حين أنّ‏ أولائك العرب‏ (الوحيدون المسمون هكذا في‏ بطاقاتهم الشخصية‏)،‏ زهاء المليون وربع المليون نسمة،‏ يحبّذون في‏ أغلبيتهم الساحقة،‏ على الأقل،‏ بأن‏ يُدعوا بـ"عرب ‏١٩٤٨‏، عرب الداخل،‏ فلسطينيو ‏١٩٤٨ الخ‏. وهكذا السامريون الذين‏ يدعون أنفسهم اليوم باسم‏ "شاميرِم‏" أي‏ "المحافظون على‏ / حُراس التوراة‏" كما هو مثبت منذ القرن الرابع ميلادي‏ فصاعدا أو‏ "بنو إسرائيل الشاميرِم‏"،‏ في‏ حين أن اليهود الربانيين أطلقوا عليهم أسماء ونعوتا كثيرة‏. من هذه الأسماء والألقاب‏ "الكوثيون‏ (كما‏ يستعملها‏ يوسيفوس والتلمود،‏ وهناك في‏ التلمود البابلي‏ سفر صغير بعنوان‏ "كوتيم‏")،‏ المعارضون،‏ الكفّار،‏ الحمقى‏ (سنهدريم ‏٢١ ب‏)،‏ عابدو الربّ‏ بسبب الأُسود‏ (ينظر سفر الملوك الثاني‏ ١٧: ٢٤-٢٨)،‏ الجهّال،‏ عابدو الإله نرجل بشكل حمامة‏" (حولّين ‏٦ا‏) كما قال عزرا،‏ چوييم‏ (gentiles)‏ من بلاد ما بين النهرين،‏ سفر الملوك الثاني‏ ،‏ ١٧: ٢٦،‏ ٢٩،‏ الأغيار،‏ عابدو أشيما،‏ أي‏ الاسم أي‏ الخالق‏ (إبن عزرا في‏ تفسيره لسفر إستير‏)،‏ أعداء‏ (سفر عزرا ‏٤: ١،‏ "أهل نابلس‏" كما ورد مرة في‏ تاريخ‏ يوسيفوس‏ (١٢،‏ ١٠). وكان بن سيرا اليهودي‏ قد أطلق على السامرة الاسم‏ "شعب منحطّ‏ يقطن نابلس‏" ,O moros o laos), עם נבל הדר בשכם‏)‏. ويشار إلى أنه في‏ الحفريات التي‏ أُجريت في‏ جزيرة دِلوس في‏ البحر الإيجي‏ عُثر على بقايا مستوطنة سامرية وعلى نقشين باليونانية‏. يبدو أن تاريخ النقشين‏ يعود إلى القرن الثالث أو الثاني‏ ق‏. م‏.، يبدأ النقشان بهذه الجملة‏ "نحن إسرائيليون ونقدّم الأضاحي‏ على جبل جريزيم‏". كُتبت الكلمتان الأخيرتان ككلمة واحدة كالمعتاد في‏ التراث السامري‏ حتى الآن‏. ويرد الشيء ذاته في‏ مخطوطات على‎ ورق البردى من منطقة متسادا التي‏ احتلها الرومان عام ٧٣م‏. ومنذ القرن الثاني‏ ق.م‏. انتسب السامريون إلى سبط‏ يوسف وسموا أنفسهم‏ "أبناء‏ يوسف‏" (نص قمراني‏ (4Q372, II. 10-15)‏)،‏ وهناك الاسم‏ "صيدانيون كنعانيون في‏ نابلس‏" كما ورد في‏ تاريخ المؤرخ والكاهن اليهودي‏ فلاڤيوس‏ يوسيفوس‏ (٣٧-١٠٠م‏).

ومما‏ يجدر ذكره أن الاسم‏ "السامريون‏" في‏ سفر الملوك الثاني‏١٧: ٢٩ لا‏ يدلّ‏ على السمرة تابعي‏ جبل جريزيم بل على أهل منطقة السامرة‏ Samarians‏ وليس‏ Samaritans‏ بالإنجليزية وينبغي‏ التفريق بينهما‏. يبدو أن المؤرخ اليهودي‏ يوسيفوس فلاڤيوس كان أول من أطلق اسم‏ "الكوتيين‏" على السامرة مستندا إلى ما ورد في‏ سفر الملوك المذكور‏.

إن لفظة‏ "سامريون‏" كان قد استعملها‏ غير السامريين وللمرة الاولى في‏ سفر الملوك الثاني‏ ‏‏١٧: ٢٩.  ثم وردت في‏ كتابات‏ يوسيفوس وليس من الواضح دائما‏  فيما اذا كان المقصود الطائفة السامرية أم سكان مدينة السامرة،‏ النابلسيون،‏ كما وردت هذه التسمية مرة واحدة عند‏ يوسيفوس١٢: ١٠١،‏ وذلك بشكل سلبي‏ وعند بن سيرا وفي‏ الأدب اليهودي‏ في‏ فترة الهيكل الثاني؛ چوي‏ عند بن سيرا ويضيف الكلمة العبرية‏ "ناڤال‏" بمعنى‏ "الأحمق‏" كما ورد في‏ الترجمة السبعينية اليونانية‏ (Septuagint)‏. يبدو ان‏ يهود مصر لم‏ ينهجوا نفس النهج الذي‏ سار عليه إخوانهم في‏ يهودا ضد السامرة‏.

لقد مرّ‏ اسم هذه الطائفة بمراحلَ‏ عدة إلى أن وصل إلى ما‏ يعنيه اليوم‏. فالاسم أطلق أولا على العاصمة الشهيرة لمملكة الشمال ثم على كل المنطقة المحيطة بالعاصمة وأخيرا،‏ وعبر استعمال العهد الجديد والكتّاب المسيحيين الأوائل،‏ أخذت اللفظة‏ "السامرة‏" تعني‏ أتباع عقيدة محددة‏. ويقال إن مدينة‏ "السامرة‏" تلقّت هذا الاسم نسبة إلى شيمر‏ (سفر الملوك الأول ١٦: ٢٤) الذي‏ باع لعُمري‏ الأرض التي‏ تقع عليها المدينة وذلك كما ورد في‏ سفر الملوك الأول ١٦: ٢٤. ومما‏ يجدر ذكره أن الاسم‏ "السامريون‏" وفي‏ العبرية‏ השומרונים‏ قد ورد مرّة واحدة‏ (hapaxlegomenon)‏ في‏ العهد القديم في‏ سفر الملوك الثاني‏ ١٧: ٢٩.

لم‏ يطلب السامريون أن‏ يكونوا‏ يهودا في‏ أية فترة تاريخية إلا أنه من اللافت للملاحظة أن الكاهن الأكبر عاطف ناجي‏ في‏ نابلس١٩٢٠-٢٠٠١ حمل بطاقة هوية مسجل فيها أنه‏ "سامري‏ يهودي‏" وذلك على ما‏ يبدو لأسباب سياسية‏. أما الكاهن عبد المعين صدقة والذي‏ أصبح كاهنا أكبر في‏ شباط ٢٠٠٥ كان قد أعلمني‏ في‏ حديث شخصي‏ في‏ صيف ٢٠٠٠،‏ على هامش المؤتمر العالمي‏ السادس للدراسات السامرية في‏ هلسنكي،‏ أنه لن‏ يقبل بمثل هذه الهوية قط‏. وكان الكاهن ذاته قد عبر عن هذا الموقف كتابيا‏ "الاعتقاد الخاطىء لدي‏ (!) الكثيرين من العامة والخاصة ان ابناء الطائفة السامرية هم‏ يهود،‏ وهذا بطبيعة الحال مناف للحقيقة‏. فالسامريون ليسوا‏ يهودا على الاطلاق‏..." (الكاهن عيد المعين صدقه،‏ الموجز في‏ تاريخ وعادات واعياد الطائفة السامرية،‏ نابلس الطبعة الاولى ‏١٩٩٧،‏ تمهيد‏). أما القس إلياس مرمورة الذي‏ عاش في‏ نابلس مدة خمس عشرة سنة فكتب عن السامريين‏ "اقرب الناس الى اليهود ديناً‏ ولسانا‏"، السامريون،‏ القدس،‏ ١٩٣٤،‏ ص‏. ١). مما‏ يجدر ذكره بأن الرحالة الإيطالي‏ ديلا ڤلي‏ كان قد دعا السامريين عام ‏١٦١٦ باسم‏ "يهود سامريين‏".

لا نبالغ‏ إذا ما قلنا بأن الشعب السامريّ‏ يجسّد بأسمى صورة التمسّك بالتراث الروحي‏ والعلاقة السرمدية بينه وبين جبله المقدس،‏ جريزيم في‏ نابلس‏. يتحدّر السامريون من الأسباط الثلاثة التالية‏: سبط لاوي‏ وإليه تنتسب أسر الكهنة،‏ سبط إفرايم وسبط مِنَشِّه‏. إفرايم ومِنَشِّه هما ابنا‏ يوسف بن‏ يعقوب وراحيل‏. بلغ‏ عدد أفراد هذه الطائفة في بداية أيار ٢٠٠٥، ٦٨٤ نسمة،‏ ٣٥٧ ذكرا و ‏٣٢٧ أنثى،‏ تسكن في‏ مدينتين فقط هما نابلس في‏ الضفة الغربية لنهر الأردن‏ (٣٢٢ شخصا‏) وفي‏ مدينة حولون الواقعة بالقرب من تل أبيب‏ (٣٦٢ شخصا‏). بعبارة أخرى‏ يمكن القول بأن نصف هذه الطائفة تقريبا‏ يحمل الجنسية الإسرائيلية والنصف الآخر‏ يحمل الهوية الفلسطينية والهوية الإسرائيلية منذ عام ١٩٩٨.
يعاني‏ شباب هذه الطائفة من مشكلة إنسانية عويصة وهي‏ النقص في‏ الفتيات اللواتي‏ في‏ سنّ‏ الزواج وعليه هناك ما‏ يُدعى باسم‏ "العزّاب الأبديين‏". منذ عام ١٩٢٣ بدأ‎ الشباب السامري‏ بالتزوج من اليهوديات بعد اعتناقهن العقيدة السامرية‏. كان ممثّل سامري‏ في‏ المجلس التشريعي‏ الفلسطيني‏ هو الكاهن الأكبر سلّوم بن عمران‏ (١٩٢٣ـ ٢٠٠٤) كان الرئيس الفلسطيني،‏ ياسر عرفات (١٩٢٩-٢٠٠٤)،‏ قد عيّنه في‏ الانتخابات التي‏ جرت في‏ كانون الثاني‏ عام ‏١٩٩٦. تعتبر اللغة العربية لغةَ‏ الأم لدى سامريي‏ نابلس كافة أما في‏ حولون فهي‏ لغة الأم بالنسبة للمسنين أما الشباب فلغتهم الأولى هي‏ اللغة العبرية الحديثة وغدت اللغة العربية‏ غريبة عليهم لا سيما قراءة وكتابة‏. وسامريو حولون منخرطون في‏ الخدمة العسكرية في‏ جيش الدفاع الإسرائيلي‏ منذ عام ‏١٩٤٨وقد اعتُرف بهذا الواجب رسميا عام ‏١٩٦٧. ويُشار إلى أن سامريي‏ نابلس شرعوا بتعلم اللغة العبرية بعد حرب ‏١٩٦٧ مثلا في‏ أولپان موشيه ١٩٦٨ـ١٩٧٠.
في‏ تاريخهم الطويل استعمل السامريون اللغاتِ‏ التالية‏: العبرية السامرية القديمة،‏ الآرامية السامرية وهي‏ لهجة فلسطينية‏ غربية،‏ اليونانية،‏ العربية،‏ وأخيرا ابتداء من القرن الثالث عشر للميلاد تكوّنت لغة كتابية عبارة عن خليط من العربية والعبرية والآرامية لدى السامرة تسمى في‏ الأبحاث العلمية اليوم باسم‏ "العبرية السامرية الحديثة‏ (Neo - Samaritan Hebrew)‏ وسماها زئيڤ بن حاييم عام ١٩٣٩ باسم‏ "شومرونيت‏" كما وسماها آخرون مثل مولتون عام ١٩٢٠باسم‏ decadent form of Hebrew‏ أي‏ صيغة منحطة للعبرية‏. هذان الاسمان القديمان لم‏ يكتب لهما التوفيق والانتشار في‏ الأبحاث العالمية‏. ما زال نصيب الأسد من التراث السامري‏ المدوّن بهذه اللغات‏ يرزح في‏ دياجير الظلام،‏ في‏ المخطوطات‏. وهذه المخطوطات التي‏ يصل تعدادُها إلى بضعة آلاف موزّعة على مكتبات عامة وخاصّة كثيرة في‏ أرجاء العالم‏. وهنا نشير إلى بعض هذه المكتبات الموجودة في‏ المدن الآتية‏: سانت بطرسبورغ‏ ولندن وأكسفورد وكمبريدج ومانشستر وپاريس وبرلين والقدس ونابلس ونيويورك وروما‏. وهنا لا بدّ‏ من الإشارة إلى سرقة مخطوطتين سامريتين للتوراة‏ (إحداهما ما‏ يسمى بتوارة واصف على اسم الكاهن الأكبر آشر بن متصليح،‏ واصف توفيق،‏ ١٩٨٠-١٩٨٢) من كنيس السامريين في‏ نابلس في‏ ٢١ آذار عام ‏١٩٩٥. هذا الاختلاس لتراث ديني‏ غالٍ‏ جدا على أفئدة السامريين قد جرى خلال حكم الإدارة المدنية الإسرائيلية في‏ الضفة الغربية من نهر الأردن عندما كان‏ يوسف أبو الحسن الكاهنَ‏ الأكبرَ‏ (الإمام الأكبر‏). والمخطوطتان مخبئتان في‏ مكان ما في‏ عمّان في‏ المملكة الأردنية الهاشمية وطلب اللصوص فدية مقدارها سبعة ملايين دولار أمريكي‏ ثم خفّضوا المبلغ‏ إلى مليونين فمليون إثر تدخّل الرئيس‏ ياسر عرفات‏. ما زالت جهات رسمية رفيعة المستوى في‏ كل من السلطة الفلسطينية وإسرائيل والأردن وأخرى بريطانية تعمل من أجل إعادة الحق إلى أصحابه الشرعيين‏. يعتزّ‏ السامريون بمخطوط توراة أبيشع‏ (المحفوظ في‏ كنيس نابلس‏)،‏ حفيد هارون شقيق النبي‏ موسى،‏ معتقدين بأنه دوّن في‏ السنة الثالثة عشرة لدخول بني‏ إسرائيل أرض كنعان‏. في‏ الواقع‏ يعود تاريخ القسم القديم من المخطوط المذكور إلى القرن الحادي‏ عشر للميلاد‏. لا وجود لما‏ يسمى بالسامريين العلمانيين،‏ حيلونييم‏.

الأصل ونبذة عنهم

يبدو أن الانشقاق النهائي‏ بين اليهود والسامريين قد تمّ‏ في‏ نهاية القرن الثاني‏ للميلاد في‏ عهد المكابيين‏. في‏ تلك الحقبة دمّر‏ يوحنان هورقنوس اليهودي‏ المكابي‏ الهيكل السامري‏ على‎ جبل جريزيم مرتين،‏ عام ‏١٢٨ق.م‏. وعام ‏١٠٧ ق.م‏. يقول القسّ‏ إلياس مرمورة،‏ أول من ألّف كتابا بالعربية عن السامريين،‏ إنهم‏ "اقرب الناس الى اليهود ديناً‏ ولساناً‏ (السامريون،‏ القدس١٩٣٤،‏ ص‏. ١). أصل السامريين على ضوء سفر الملوك الثاني‏ ١٧: ٢٤ هو من‏ "كوث‏"(مدينة سومرية أكادية قديمة وتعرف اليوم بتل إبراهيم‏) في‏ بلاد ما بين النهرين،‏ ومن هنا جاءت تسمية اليهود لهم بـ"الكوثيين‏". أما السامريون أنفسهم فيقولون إنهم من الأسباط الثلاثة لاوي‏ وإفرايم ومِنَشِّه‏.

هناك بعض الاتفاق في‏ الرأي‏ لدى الباحثين اليوم بشأن أصل السامريين وبموجبه لا‏ يمكن عزو الانشقاق بين اليهود والسامريين نتيجة حادث واحد فقط‏. الفترة الزمنية التي‏ حدث فيها هذا الانشقاق تمتد على فترة ٦٠٠ عام بين الحقبة الفارسية وتمرد بار كوخبا‏. ولا شك أن الخلاف الأساسي‏ الذي‏ نشب بين الطرفين كان بخصوص تحديد موقع الهيكل‏. ويطرح سؤال وجيه‏: هل الانشقاق كان نتيجة عوامل إثنية أو مذهبية أو كليهما؟‏

منطقة نابلس ولا سيما جبل جريزيم هو محور التاريخ السامري‏ منذ أقدم الأزمنة وحتى‏ يومنا هذا‏. تقع هذه المدينة بين جبلين،‏ جريزيم في‏ الجنوب وعيبال في‏ الشمال وقد قيل فيها‏ "جبلاها جملاها‏" كما ويسمي‏ السامريون جبلهم بجبل البركة والآخر بجبل اللعنة‏. ذكرت شكيم‏ (سيكم ونيابولس أي‏ المدينة الجديدة باليونانية وسوخار في‏ العهد الجديد‏) في‏ التوراة لأول مرة في‏ سفر التكوين ١٢: ٦عند قدوم أبينا إبراهيم الخليل إليها وتشييد مذبح فيها‏. هذا الشعب‏ يقوم بطقوس دينية قديمة مستغلا التقدم التقني‏ الذي‏ يشهده عهد العولمة الراهن‏.

في‏ الماضي‏ سكن السامريون في‏ مدن فلسطينية عديدة مثل‏ غزة والرملة ويافا وعسقلان وعكا وقيساريا وطولكرم كما وسكنوا في‏ سوريا ومصر والعراق وإيران وتركيا ولبنان والهند وشمال افريقيا واليونان وإيطاليا وأرمينيا‏. في‏ تلك العصور كان عددهم كبيرا،‏ ففي‏ القرن الأول للميلاد وصل عددهم إلى حوالي‏١٠٠ ألف نسمة وفي‏ القرنين الرابع والخامس للميلاد بلغ‏ عددهم حوالي‏ المليون نسمة‏. في‏ بداية الحكم العثماني‏ على الديار المقدسة وصل عددهم إلى حوالي‏ ٢٢٠ نسمة في‏ نابلس‏.

يقول داڤيد بن‏ غوريون عن السامريين‏ "الشعب اليهودي،‏ ولا أودّ‏ استثناء الطائفة السامرية من جملة شعبنا،‏ إني‏ أرى بقاء الطائفة السامرية الصغيرة كإحدى العجائب الكبرى في‏ التاريخ‏" (ا‏. ب‏. أخبار السامرة،‏ ٧٢٩-٧٣٠،‏ ١٩٩٩/٢/١٥،‏ ص‏. ١٧). يتمتع السامريون بالقانون الإسرائيلي‏ المعروف لصالح اليهود‏ "حق العودة‏" إلا أن‏ "الحاخامية الكبرى‏" لا تعترف بيهودية السامريين‏. وقد ورد في‏ التلمود عن السامريين لاسيما في‏ سِفر‏ "كوتيم‏" ما معناه‏. متى نقبلهم؟ عندما‏ يكفرون بجبل جريزيم ويعترفون بالقدس وقيامة الموتى؛ مسالك الكوتيين أحيانا كالچوييم‏ (غير اليهود‏) وأحياناً‏ كبني‏ إسرائيل وأكثرهم‏  كبني‏ إسرائيل‏". كما وورد أيضا في‏ التلمود بأن السامريين‏ "يشددون في‏ كل فريضة دينية‏ يقومون بها أكثر من اليهود‏". تُجرى مراسيم الختانة،‏ على سبيل المثال،‏ في‏ فجر اليوم الثامن حتى ولو صادف ذلك اليوم‏ يوم سبت أو عيد الغفران‏. عدم القيام بهذه الفريضة الأساسية‏ يعني‏ كما جاء في‏ سفر التكوين ‏١٧: ١٤ "وأي‏ أقلف ذكر لا‏ يختن بشر قلفته فلتقطع تلك النفس من قومها عهدي‏ فسخ‏". أما إذا كان المولود خديجا فلا‏ يختن إلا بعد إخراجه من الحاضنة‏ (incubator)‏ بثمانية أيام كما أفتى الكاهن الأكبر ناجي‏ خضر‏ (ابيشع بن فنحاس،‏ ١٨٨٠-١٩٦١) سنة ‏١٩٦٠. يتحتّم على الخاتن أن‏ يكون مختونا‏.

إذا أراد القارىء الكريم أن‏ يبحث عن السامريين‏ (تحت لفظة‏ Samaritans‏) في‏ الإنترنت فإنه سيفاجأ بالكم الهائل من الإحالات التي‏ لا صلة لها البتّة بهذه الطائفة التي‏ نحن بصددها هنا‏. منظمات إنسانية خيرية وأخرى لا حصر لها في‏ عالمنا هذا تطلق على نفسها هذا الاسم المستمد من مثل‏ "السامري‏ الصالح‏" في‏ العهد الجديد‏. أما في‏ العهد القديم فاللفظة‏ השמרונים‏ وحيدة،‏ كما أسلفنا،‏ فقد وردت في‏ سفر الملوك الثاني‏ ١٧: ٢٩ إذ جيء بهم عام ‏٧٢١ ق.م‏. من كوث إلى مملكة السامرة في‏ الشمال‏.    

فرق سامرية

كما ان اليهودية في‏ العصور الغابرة كانت مؤلفة من فرق كثيرة جدا كذلك كانت الحال بالنسبة للسامريين لا سيما في‏ الحقبة الزمنية الواقعة ما بين القرن الثاني‏ إلى القرن السادس للميلاد‏. وبعد الحكم الإسلامي‏ كانت هناك قبائل سامرية كزار وعمران وجلهال والدنفية والنونية ويعيش الخ‏. سكنت في‏ سوريا الكبرى‏. معظم هذه الانشقاقات حدثت في‏ الفترة البيزنطية وبعضها في‏ القرون القليلة ق‏. م‏. من هذه الفرق الشهيرة الدُّسْتان‏ (أو الدَّسْتان‏) نسبة لدوسيس المؤسس في‏ القرن الرابع للميلاد‏. ويقال إن ابن أخ بابا ربّا آمن ببدعة دوسيس وقتل في‏ بلاطة رجما بالحجارة‏. ويقال أيضا إن أتباع هذه الفرقة كانوا متشددين جدا إذ مثلا لم‏ يبرحوا بيوتهم‏ يوم السبت ولم‏ يطعموا حيواناتهم ولم‏ يخرجوا أيديهم من أكمامهم‏. ومن عاداتهم الغريبة أنهم كانوا‏ يضعون حذاء في‏ قدمي‏ الميت وعصا بيده وزنارا على خصره كأنه في‏ سفر،‏ إذ أنهم آمنوا بقيامة الموتى‏. هناك بناء على بعض المصادر السامرية تسع فرق دستانية‏. وقد‏ يكون سيمون ماچوس‏ (الأعمال ‏٨: ٩) زعيم الدستان‏ غير الأورثوذكس المتأثرين بالغنوستية‏. كانت هناك فروق بين تلك الطوائف من جهة وبينها وبين الأغلبية السامرية من جهة أخرى. من تلك الفرق على سبيل المثال ما رأت بجبل جريزيم والحج اليه كفر صراح ولم تؤمن بالحياة بعد الموت‏. يذكر البلاذري‏ والشهرستاني‏ مثلا أن السامريين‏ ينقسمون إلى فرقتين وهما الدستان والكوستان‏. ويزعم أتباع الأولى ان الثواب والعقاب في‏ الحياة الدنيا بعكس اتباع الكوستان‏.

أركان العقيدة

ترتكز العقيدة السامرية على خمسة أركان وهي‏:

1)    وحدانية الله،‏ إله واحد لا‏ غير هو إله إسرائيل،‏  وتلفظ اللفظة‏ "يهوه‏" "شيما‏" ( Šēma)‏ أي‏ "الاسم‏".

2)    ) نبي‏ واحد فقط لا مثيل له هو موسى بن عمران وهو أعظم الأنبياء قاطبة‏. لا‏ يطلق السامريون الاسم‏ "موسى‏" على أبنائهم تنزيها وتعظيما لهذا النبي‏.

3)     كتاب مقدس واحد هو توراة موسى،‏ الأسفارالخمسة الأولى فقط‏. يضاف إلى ذلك سفر‏ يهوشع بن نون الذي‏ يلي‏ التوراة مباشرة ويهوشع هذا خادم موسى وخليفته‏. بعبارة أخرى لا‏ يؤمن السامريون بالقسمين الباقيين من العهد القديم،‏ الأنبياء والكتابات،‏ ولا  بالتوراة الشفوية، المشناة والتلمود‏.

4)     مكان مقدس واحد هو جبل جريزيم المسمّى عادة بالعربية‏ بجبل الطور‏ الواقع في‏ نابلس ويصل ارتفاعه إلى ٨٨٠ مترا عن سطح البحر‏. لهذا الجبل الذي‏ يحرص السامريون على كتابته بكلمة واحدة بالأحرف العبرية والسامرية‏  ثلاثة عشر اسما وردت في‏ التوراة منها جبل الرحمة،‏ جبل القرابين،‏ الجبل القديم،‏ المكان القديم،‏ الله‏ ينظر،‏ لوزة‏. ويقول العالم السامري‏ المعروف،‏ أبو الحسن إسحق فرج بن ماروث الصوري‏ في‏ كتابه‏ "الطباخ‏" عن تأويل اسم الجبل ما‏ يلي‏ "الدي‏ يدل علي‏ ان القبلة والمقصد بعبادة الله تعالي‏ جبل البركه المسمي‏ في‏ الشرع الشريف ههر چريزيم‏ (في‏ الأصل بالحرف السامري‏ باستثناء الميم التي‏ كتبت بالرسم العربي‏ توفيرا للمساحة المكتوبة في‏ المخطوط‏) ومعني‏ هده اللفظه جبل العباده للمنقطعين الي‏ الله وهو معروف ويستدل علي‏ معرفته بعشر حدود‏". بعبارة موجزة‏ يبدو أن أبا الحسن فهم الأصل‏ "چرز‏" مقلوبا من‏ "چزر‏" ومن هنا الانقطاع بالعربية‏.

5)     الإيمان بمجيء‏ "تاهب‏" من بني‏ يوسف ومن سبط إفرايم وهو بمثابة المهدي‏. وهو نبي‏ مثل موسى سوف‏ يجيء في‏ عاقبة الزمان‏ يوم العقاب والثواب‏. (أنظر سفر التثنية ١٨:١٨،‏ سفر التكوين ٤٩‏: ٢٥). يعتقد السامريون بأنه سوف‏ يأتي‏ هذا‏ "المهدي‏" بعد الخليقة بستة آلاف سنة أي‏ بعد ‏٢٣٦٢ سنة‏! إنه سوف‏ يقيم خيمة الاجتماع على جبل جريزيم ويعيد الآنية المقدسة ويُدفن على الجبل عن عمر المائة عام‏. بعد موت‏ "التاهب‏" بحوالي‏ تسعة قرون تبدأ الدينونة‏.

يبدو أن الأوضاع العصيبة التي‏ عاشها السامريون خلال عصور تاريخهم والآمال التي‏ كانت تساورهم من أجل مستقبل أفضل قد أدّيا إلى إضافة الركن الخامس‏.

الوصايا  العشر

1)    لا‏ يكون لك آلهة أُخر في‏ عالمي‏.

2)     لا تُقسم باسم الله الهك جزافا‏.

3)     احفظ‏ يوم السبت لقدسه‏.

4)     أكرم أباك وأمك حتى تطول مدتك على الارض التي‏ الله الهك معطيك‏.

5)     لا تقتل‏.

6)     لا تفسق‏.

7)     لا تسرق‏.

8)     لا تشهد على صاحبك شهادة زور‏.

9)     لا تشته بيت صاحبك ولا تشته زوجة صاحبك بره عبده وامته بقره وحميره وكل ما لصاحبك‏.

 (10احفظ قدسية جبل جريزيم،‏ المكان المختار حيث مذبح الله‏.

يوم الدينونة وتاهب أو المهدي

جاء في‏ إنجيل‏ يوحنا ‏٤: ٢٥ على لسان المرأة السامرية‏ "أعرف أن المسيا‏ (أي‏ المسيح‏) سيجيء ومتى‎ جاء أخبرنا بكل شيء‏". واللفظة‏ "تهب‏" اسم فاعل من الأصل‏ "توب‏" الآرامي‏ والمعنى‏ "العائد‏" أو‏ "التائب‏"، ‏(ورد الاسم‏ "الغائب‏" خطأ في‏ كتاب محمد حافظ الشريده وعمر عبد الخالق‏ غوراني،‏ الطائفة السامرية‏...،‏ نابلس ط‏. ١،‏ ١٩٩٤،‏ ص‏. ٤٨،‏ ٥٤) والفعل‏ يمكن أن‏ يكون لازما ومتعديا حسب السياق،‏ وعندها فالمعنى‏ "الذي‏ يؤدي‏ إلى التوبة‏". وردت اللفظة عدة مرات في‏ ميمر مرقة الذي‏ يعود تاريخه إلى القرن الرابع للميلاد‏. ولكن لا ذكر لها في‏ الترجوم السامري‏ للتوراة‏. وصف التاهب في‏ مصادر سامرية من القرون الوسطى بأنه ملك‏. التاهب كموسى‏ يحضر التوراة وخيمة العهد‏ (Tabernacle)‏ وعصا أهرون‏ (the Staff of Aaron)‏ والمن ويقوم بصنع العجائب ويجدد تقديم الأضاحي‏ إلا أنه ليس كاهنا ويوفق بين بني‏ اسرائيل‏. إنه موسى الثاني‏ وسيجيء من الشرق وكلاهما كما قال مرقة‏ يأتيان بالسلام ويظهران الحق والحقيقة،‏ وينظر أيضا في‏ سفر التكوين ‏٣: ١٩ وقد ورد في‏ سفينة مرقة‏ ייתי בשלם תהבה ויגלי קשטה וידכי עלמה‏ أي‏ أن تاهب‏ يأتي‏ بالسلام ويظهر الحقيقة ويطهر العالم‏ (بن حاييم،‏ ٢٩١/٩٤٦) وشيء مماثل قيل عن النبي‏ موسى‏ (نفس المصدر ٣٤٣/١٣١). من السامريين من‏ يرى في‏ سفر الخروج ‏٢٠: ١٨أ-١٨و،‏ ولا وجود لها في‏ التوراة اليهودية،‏ إشارة إلى الدولة الثانية وتاهب النبي‏ في‏ عاقبة الأيام‏. وينظر أيضا التثنية ‏١٨:١٨، ٣١: ٢٦.

أضيف الإيمان بالتاهب من نسل‏ يوسف نتيجة أوضاع تاريخية قاسية مرّ‏ بها السامريون ونتيجة لتأثير‏ يهودي‏ معين‏. إلا أن دراسة موضوع‏ "التاهب‏"،‏ بشكل ما من التمعن والشمولية،‏ كان في‏ القرن الرابع عشر فقط‏. وهو بمثابة نبي‏ كما ورد في‏ سفر التثنية ‏١٨: ١٨ وينظر انجيل متى ‏١١: ١٤ومرقص ٩: ١١ الخ‏. وأعمال الرسل ‏٧: ٣٧. وهو معروف أيضا بـ"النجم‏" وفق ما ذكر في‏ سفر العدد ٢٤: ١٧ تاهب سيعيد بناء الهيكل على جبل جريزيم ويعترف به الوثنيون ويؤسس طقوس القربان‏. وسيحيا تاهب ١١٠ سنوات وسيأتي‏ بعد انحلال العالم بعد ستة آلاف سنة‏.

لا وجود لأي‏ نص سامري‏ كامل‏ يعالج هذا الموضوع بصورة شافية كافية‏. قيل إن هناك كتابا في‏ نابلس للكاهن فنحاس أبو الكاهن ابيشع فيه مادة عن التاهب‏ (ا.ب‏. أخبار السامرة ‏٧٦٣-٧٦٥،‏ ٢٠٠٠/٦/١ ص‏. ٧٢). لم‏ يذكر اسمه ويقال إنه من ذرية‏ يعقوب أو شث أو‏ يوسف الصديق أو فنحاس أو موسى أو نوح وآل الدنفي‏ يقولون بأنه من سبط إفرايم‏. سيكون نبيا كموسى بناء على ما جاء في‏ سفر التثنية ‏١٨:١٨ ولكنه وصف بأنه ملك‏. لا‏ يعرف متى سيجيء إلا أن التوبة شرط لقدومه وسيكشف الحقيقة‏. ويعاقب الخطاة مدة أربعين سنة‏. بقدوم التاهب تنتهي‏ فترة السخط‏ "الفانوتا‏" التي‏ يقلّ‏ فيها النسل وتبدأ فترة الرضوان‏ "الراحوتا‏". عندها‏ يبنى الهيكل على جريزيم وستستأنف الأضاحي‏ وتبدأ المملكة الثانية والتاهب سيحكم على العالم بأسره مدة مائة وعشرين سنة وبعد دفنه تقوم القيامة‏ (هناك ألفاظ مرادفة كثيرة مثل‏: يوم العقاب،‏ يوم السؤال،‏ يوم الخصام،‏ يوم الموت،‏ يوم النعيم،‏ يوم الجحيم،‏ يوم السلام،‏ يوم الشهامة‏) ويحلّ‏ يوم الدينونة‏. كما وسيؤمن الكفّار به وستصبح اللغة العبرية السامرية عالمية‏. ويشار إلى أن العلاقة بين التاهب والبعث‏ غير واضحة المعالم‏.
هناك‏ يوم الثواب والعقاب كما جاء في‏ سفر تثنية الاشتراع ‏٣٢: ٣٥ ومن ثم لدى مرقة حيث‏ يذكر البعث والحياة في‏ الآخرة‏. ما قاله الكتاب اليهود والمسيحيون القدماء من أن السامريين لا‏ يعتقدون بالآخرة لا‏ ينطبق على القرن الرابع للميلاد على الأقلّ‏.
لقد صوّرالفردوس وكأنه مظهر من جبل جريزيم إذ هو بمثابة بوابة جنة عدن والشرير سيحرق بالنار‏. ويبدو أن التوبة بعد الوفاة قد تكون ممكنة على الأقلّ‏ بالنسبة للمؤمن الذي‏ قد‏ يموت بخطاياه فلمثله هناك صلوات الشفاعة والتشفع‏. مجيء التاهب عبارة عن عهد الرضوان أي‏ الراحوتا في‏ السامرية الآرامية ويضع حدا لعهد السخط أي‏ الفانوتا بالآرامية‏. ويعتقد السامريون بأن حقبة السخط قد بدأت عندما تخلّى إيلي‏ عن جبل جريزيم وأقام مكانا مقدسا في‏ شيلو وهذا أدّى فيما بعد إلى الانشقاق‏.   

كتب إبراهيم العية في‏ منتصف القرن التاسع عشر‏ "الدوله الاوله كان اميرها السيد‏ يهوشع عليه السلام واستولي‏ علي‏ الاعدي‏ واخد بلادهم واهلك شبعة جويم اي‏ سبع شعوب والدولة التانيه فاميرها من‏ يقوم من نسل السيد‏ يهوشع كدلك وهو المشار اليه بتاهب ويستولي‏ علي‏ ما بقي‏ من الاعادي‏ ويتملك بلادهم بعد ان‏ يبيدهم وهم اربعه شعوب ويدعي‏ الامم الي‏ طاعة الله ويمحو اتار اهل الفساد والعناد ويجدب الناس للاعتقاد وصحة الاعتماد بالانقياد علي‏ حفظ شريعته والقيام بفرايصه وسنته ووصاياه ومن اراد الوقوف علي‏ صحة دلك عليه بالوقوف علي‏ المقاله الشافيه في‏ ثبوت الدوله الثانيه المنسوبه الى الشيخ‏ غزال ابن الدويك‏" (ا.ب‏. أخبار السامرة ‏٧٣٦-٧٣٩،‏ ١٩٩٩/٤/٢٩،‏ ص‏. ١٢٣).

يذكر الرحالة الذين زاروا الديار المقدسة في‏ العقود الأولى للقرن التاسع عشر بأن السامريين كانوا‏ ينصبون الخيام على جبل جريزيم، الجبل الأزلي‏. هناك كانوا‏ يبقون العذارى لوحدهن مدة عشرة أيام آملين أن تحبل واحدة منهن وتنجب المسيح‏ (ا.ب‏. أخبار السامرة ١٩٨٠/٤/٢٨ ص‏. ٣٦). هناك من‏ يعتقد ان تاهب سيكون من نسل هارون وسيكون كاهنا في‏ حين أن الآخرين‏ يقولون إنه من نسل‏ يوسف الصديق أو من نسل‏ يعقوب أو شيث أو فنحاس أو موسى أو نوح‏. كما وسيكون ملكا ولكن لن‏ يكون ابن الله‏. اسمه‏ غير معروف ولكنه سيكون مثل موسى،‏ لا علم بموعد قدومه‏. الدولة الثانية ستقام ويحكمها تاهب على كل العالم كما وسيدفن مع‏ يوسف‏. تاهب ملكا‏ غير موجود قبل القرون الوسطى،‏ يستعمل السامريون أحيانا‏ "المسيح‏" و"المهدي‏". تفسير التثنية ١٨: ١٥،‏ ١٨ هام بالنسبة للمسيح‏.
يوم العقاب والثواب‏ ‏(יום נקם ושלם‏)‏ كما جاء في‏ سفر التثنية ‏٣٢: ٣٤-٣٥ ويؤيد هذه القراءة ما في‏ الترجمة اليونانية السبعينية‏ (Septuagint)‏ وفي‏ مخطوط من قمران‏. في‏ التوراة اليهودية‏ "لي‏ الانتقام والجزاء‏" والسامريون‏ يقرأون‏ "ليوم الانتقام والجزاء‏". في‏ يوم الحساب ستوضع أعمال البشر في‏ الميزان وسيصيح الله‏ "انظروا الان انني‏ انا هو‏" وعندها ستتشق الأرض إربا وتفتح القبور وينهض الموتى والصالحون سيرتدون ثيابا بيضاء وينضحون بالأريج والطالحون سيلبسون أسمالا بالية وروائح نتنة كريهة ستنبعث منهم‏. وبعد الحساب‏ يتوجه الصالحون إلى الجنة حيث سيستقبلهم موسى وأهرون والقديسون وأما الأشرار فسيودعون إلى النار الملتهمة حيث قايين ولامخ وقورح وعماليق وخطاة كبار‏. وهناك أسماء عديدة ليوم الحساب كما ذكرها مرقة في‏ سفينته مثل‏ يوم البعث،‏ يوم الحساب،‏ يوم الدينونة،‏ يوم الاجتماع،‏ يوم الاستجواب،‏ يوم الاهتزاز‏ (التثنية ‏٣٢: ٣٥ يوم الصعود من تحت الأرض‏. وعلى العموم فالصورة قد وصفت في‏ سفر التثنية الإصحاح ٣٢.

ينطر أولا في‏ سفر التثنية ١٨: ١٨، ٣٢: ٣٤-٣٥.

يبدو أن السامريين لم‏ يؤمنوا بالملائكة كما‏ يظهر من كتابات الكتّاب المسيحيين القدامى إلا أن عكس ذلك‏ يتجلى في‏ كتابات القرن الرابع للميلاد ومن ثم الترجوم الذي‏ كثيرا ما‏ يبدل اسم الجلالة بالملاك‏. وعليه فالانسان قد خلق بهيئة الملاك وان الملاك تحدث إلى موسى من العليق‏. هناك ملائكة خير وملائكة شرّ‏ إلا أنهم لم‏ يلعبوا دورا أساسيا في‏ العقيدة السامرية مقارنة باليهودية والإسلام‏.

الأدب السامري

العمود الفقري‏ لهذا الأدب هي‏ التوراة فهي‏ البداية والنهاية بالنسبة للسامري‏ وهي‏ موجودة بالأصل العبري‏ السامري‏ ذي‏ التقليد القديم في‏ التلاوة وهناك ترجمتان لهذه التوراة الأولى إلى اللغة الآرامية السامرية والثانية إلى اللغة العربية‏. أضف إلى ذلك هناك مقتطفات لترجمة‏ يونانية،‏ السمارتيكون‏.

ما تبقى من الأدب السامري‏ يمكن تقسيمه إلى قسمين‏: ما قبل الإسلام وهو بالآرامية وما بعد الإسلام وهو مكتوب بالأساس بالعربية باستثناء الليتورجيا‏. وفي‏ الفترة الأولى‏: من القرن الرابع للميلاد،‏ الترجمة الآرامية للتوراة،‏ ميمر مرقة أو كتاب العجائب،‏ القسم القديم من الدفتر أي‏ الليتورجيا وفيه صلوات وعظات للسبوت وبعض الأعياد والأيام العادية بقلم مرقة‏ (٣٠ قصيدة‏) ودران‏ (بيت دران،‏ أي‏ قلادة جواهر بدون قافية ولا عدد معين من الأبيات أو الكلمات في‏ السطر الواحد ولا ترتيب أبجدي‏ acrostic‏) بقلم أبيه عمران داره‏ (٢٨ قصيدة‏) وقصيدة واحدة لننّا،‏ والأساطير بالآرامية من القرن الثاني‏ عشر للميلاد‏. وفي‏ الفترة الثانية‏: سفر‏ يشوع التوراتي‏ مع إضافات مدراشية وترانيم،‏ مولد الناشي‏ عام ‏١٥٣٧ بقلم إسماعيل الرميحي‏. ومن العلماء والكتاب السامريين على مر التاريخ نذكر هذه العينة‏: عمرم داره وابنه مرقه وحفيده ننّا،‏ بابا ربّا،‏ الربيس‏ يعقوب أبو الفرج البزيني،‏ غزال بن درثا،‏ أب چلوچه بن طابيا بن قله‏ (أبو حمد‏)،‏ ثعلب بن ابطال،‏ يوسف بن سلامة العسكري،‏ أبو الحسن بن فرج بن ماروث الصوري‏ وابنه أبو إسحق إبراهيم شمس الحكماء،‏ المعلم بركات،‏ أبو الفرج منجا بن صدقة بن‏ غروب الدمشقي‏ شمس الحكماء وابنه صدقة الحكيم،‏ أبيشع المصنف،‏ عبد الله بن سلامة الملقب بالعالم العلامة الثقة،‏ إبراهيم بن‏ يوسف القباصي،‏ ابن الأثير بن صدقة بن منصور،‏ العازار بن عمران،‏ أبو سعيد بن أبي‏ الحسين بن أبي‏ سعيد،‏ غزال الدويك،‏ أهرون بن منير،‏ أبو الحسن بن‏ غزال بن كثار بن أبي‏ سعيد‏ (تأسلم‏)،‏ موفق الدين بن‏ يوسف بن‏ غنايم الدمشقي،‏ أبو الفتح السامري،‏ إلعازار بن فنحاس بن‏ يوسف،‏ فنحاس‏ يوسف الربّان،‏ أبو الفرج نفيس الدين إسحاق بن كثار،‏ هبة بن إسحق،‏ هبة الله بن نجم المصري،‏ بهلول المغربي،‏ الشيخ عبدالله بن بركة الحفتاوي،‏ صالح بن سرور بن صدقة،‏ مفرج المفرجي،‏ إبراهيم بن عبدالله بن صفي،‏ غزال بن إسحق،‏ يعقوب المرجان وابنه إبراهيم العية،‏ مسلم بن مرجان بن إسماعيل الدنفي‏ (شيخ إسرائيل،‏ عمّ‏ العية‏)،‏ أبو‏ يوسف‏ يعقوب ابن‏ غنايم،‏ إسحق بن‏ يعقوب الصفوي،‏ إبراهيم بن مفرج صدقة الصباحي،‏ غزال ابن أبي‏ السرورالمطري،‏ يوسف الحفتاوي،‏ زينب‏ (פועה‏)‏ الصفوية،‏ يعقوب بن إسماعيل،‏ يعقوب بن أهرون،‏ مرجان بن أسعد الدنفي،‏ إبراهيم بن مفرج الصباحي،‏ إفرايم بن سلامة الدنفي،‏ إبراهيم صدقة فرج السامري،‏ خضر‏ ين إسحق الكاهن اللاوي،‏ غزال ابن خضر،‏ عمران بن سلامة،‏ يعقوب بن أهرون اللاوي،‏ أبو الحسن بن‏ يعقوب بن سلامة،‏ طهور بن‏ يعقوب الدنفي،‏ ناجي‏ خضر،‏ فنحاس بن إبراهيم الحفتاوي،‏ يعقوب بن عزي،‏ عبد المعين صدقة،‏ راضي‏ صدقة الخ‏. الخ‏.

ا.ب‏. أخبار السامرة ومعهد ا.ب‏. للدراسات السامرية

ا.ب‏. أخبار السامرة‏ ( ص‏. ب‏. ١٠٢٩،‏ حولون ٥٨١١٠،‏ إسرائيل‏) مجلة سامرية بدأت بالصدور نصف شهرية بعشرات الصفحات في‏ الأول من كانون الأول عام ‏١٩٦٩ في‏ مدينة حولون‏ (يازور‏) بالقرب من تل أبيب‏. بعد انقطاع دام عدة أشهر خصص للتدارس في أهمية هذه المنبر وتطويره وربما بسب ضائقة مالية أيضا، عادت وصدرت المجلة بحلة جديدة لتصبح أسبوعية ذات ثماني‏ صفحات ترسل إلكترونيا إلى الباحثين وكان ذلك في‏ صيف العام ٢٠٠٤. محرّرا هذه الدورية هما الشقيقان بنياميم‏ (أمين‏) ويفت‏ (حسني‏) نجلا المرحوم راضي‏ صدقة‏ (١٩٢٢- ١٩٩٠). هذه المجلة هي‏ في‏ الواقع لسان حال الشعب السامري‏ في‏ شقّيه في‏ نابلس وحولون ومنبر للأبحاث السامرية‏. من مميزات هذه المجلة أنها تحتوي‏ عادة على أربعة أنماط من الخطوط الأبجدية وهي‏ العبري‏ القديم أي‏ السامري‏ والعبري‏ الحديث أو الحرف الأشوري،‏ المربّع والعربي‏ واللاتيني‏. مادّة المجلة تُكتب في‏ معظمها بالعبرية الحديثة وهناك اللغة الآرامية السامرية واللغة العربية ولغة أجنبية هي‏ في‏ أغلب الأحيان الإنجليزية‏. لا بد من التنويه هنا بأن مستوى اللغة العربية المتجلي‏ في‏ المجلة ما زال بحاجة ماسة إلى الإصلاح والتحسين من حيث القواعد والأسلوب على حدّ‏ سواء ولا سيما بالنسبة للمواد المترجمة من العبرية‏. يصل عدد نسخ المجلة إلى حوالي‏ ٢٠٠ نسخة تُوزع على أسَر السامريين وحوالي ٢٠٠٠ ترسل  للباحثين في‏ شتّى أنحاء المعمورة‏. وصل عدد نشرات المجلة حتى ٢٠١١/١٠/١٠  إلى ١١٠٠ عدد‏.

أما معهد ا.ب.للدراسات السامرية‏ باسم المرحوم حسني‏ (يفت‏) بن إبراهيم صدقة الصباحي‏ الملقب ب"سيدو‏" (ت‏. ١٩٨٢) الذي‏ كان رئيس الطائفة السامرية في‏ إسرائيل‏ فقد أقيم في‏ التسعينات‏. يؤمّ‏ المعهد باحثون وطلابُ‏ جامعات ومعاهدَ‏ عليا ويحظون بالمساعدة والمشورة في‏ أبحاثهم‏. على سبيل المثال اشترى المعهد نسخا من الرسائل التي‏ تُبودلت بين السامريين والباحث البريطاني‏ الراب موسى چاستر‏((Moses Gaster, 1856-1939‏ وعددها ‏٣٠٠. كما ويقدّم المعهد المساعدة للعشرات من الطلاب والباحثين في‏ الدراسات السامرية من مختلف بقاع الأرض‏. في‏ نابلس مركز أبحاث سامرية ترعاه السلطة الفلسطينية‏.

مراسلة السامريين باخوتهم الوهميين

اهتمام الباحثين الغربيين بالكتاب المقدس لدى السامريين في‏ الشرق،‏ نابلس ودمشق وغزة والقاهرة جعلهم‏ يتصلون بأبناء الطائفة مباشرة أو بالمراسلة بغية الحصول على معلومات وعلى مخطوطات‏. استهل هذه المراسلة مع سامريي‏ القاهرة ونابلس التي‏ استمرت حوالي‏ قرنين ونصف‏ يوسف سكاليچرالأب‏ (Joseph Scaliger, 1540-1609)‏ في‏ أواخر القرن السادس عشر‏. هكذا بدأت بعض المخطوطات السامرية بالانتقال تدريجيا إلى الغرب منذ عام ‏١٥٣٦. في‏ ذلك العام‏  تمكن وليم پوستل النورمندي‏ (Guillaume Postel, 1510-1581)‏ من ابتياع مخطوط لغوي‏ سامري‏ بالعربية‏. وبعد سنتين نشر پوستل الأبجدية السامرية في‏ Tractatus de duodecim linguarum characteribus‏. وفي‏ زيارته الثانية للشرق الأوسط في‏ ١٥٤٩-١٥٥٠ تمكن من شراء نسخة من التوراة السامرية بالعربية من دمشق‏. أما سكاليچر فقد اشترى‎ في‏ مصر مخطوطات لسفر‏ يهوشع السامري‏ بالعربية وتقويمين نُشر أحدهما عام ‏١٥٩٨.

الجدير بالذكر ان أجوبة السامريين على رسائل سكاليچر لم تصله،‏ إلا أنها نشرت في‏ فرنسا عام ‏١٧٨٣ بقلم المستشرق الفرنسي‏ المعروف سلڤستر دي‏ ساسي‏ Antoine Isaac Sylvestre de  Sacy, 1758-1838‏. يمكن القول بأنه في‏ غضون قرنين من الزمان،‏ القرن السادس عشر إلى القرن الثامن عشر،‏ وصل إلى أوروبا أربعون مخطوطا سامريا فقط‏. فكرة وجود سامريين في‏ أوروبا قد تبلورت ورسخت في‏ القرن السابع عشر وكان للمستشرق وللمطران هنتنچتون‏ (Robert Huntington, 1637-1701)‏ اليد الطولى في‏ ذلك‏. قضى هنتنچتون أكثر من عشر سنوات في‏ حلب وأقام علاقات مع السامرة وسلّم له مخطوط للتوراة السامرية ورسالة للطائفة السامرية المزعومة في‏ إنجلترا‏. استطاع هنتنچتون أن‏ يخدع السامريين بوجود جالية سامرية في‏ إنجلترا بعد أن كتب أمامهم بالرسم السامري‏ وذكر جبل جريزيم‏. يشار إلى أن الكنيسة الكاثوليكية قد انحازت إجمالا إلى التوراة السامرية في‏ حين أن البروتستانت فضّلوا التوراة اليهودية‏.

 كانت تلك المراسلات،‏ في‏ بداية الأمر،‏ المصدر الأساسي‏ الذي‏ استمدّ‏ منه الباحثون الغربيون المعلومات لكتابة أبحاثهم‏. يعتبر هذا المصدر هاما،‏ دون أدنى ريب،‏ لمعرفة أحوال السامريين في‏ تلك الأيام‏. وللتدليل على ذلك نلخّص ما ورد في‏ رسالة العالم السامري،‏ مفرّج بن‏ يعقوب بن إبراهيم بن‏ يوسف المفرجي،‏ (المعروف بمفرج الكبير‏) المؤرخة ‏١٦٧٢ والمحتوية على ثماني‏ صفحات والمحفوظة في‏ مكتبة مارشال في‏ دبلن‏ No Z 3.1.19 (6)‏. هذه واحدة من بين عشرات الرسائل التي‏ أرسلها مفرّج إلى أوروبا‏. يُدعى السامريون باسم‏ "شاميريم‏" (ŠāmērƏm)‏ أي‏ "المحافظون على قدسية السبت‏". لا‏ يخرج السامري‏ من بيته‏ يوم السبت إلا لغرض الصلاة‏. لا عمل بتاتا‏ يوم السبت فهو مكرّس للصلوات ولتسبيح الربّ‏ وللقراءة في‏ التوراة‏. لا جِماع في‏ ليلة هذا اليوم ولا ركوب على البهائم أثناءه بعكس ما‏ يفعله اليهود‏. في‏ عهد الكاهن الأكبر فنحاس بن العازر في‏ القرن السادس عشر عُثر على بقرة حمراء وحُرقت وخُزن رمادُها في‏ قرية‏ "السارين‏" (أنظر سفر التكوين ‏١٢: ٦-٧) في‏ نابلس‏ ‏(שומרים על הזיית דמי נידה מפני טמאת המת‏)‏. استخدم هذا الرماد حتى نهاية القرن السابع عشر‏. بناء على ما جاء في‏ سفر العدد الإصحاح ‏١٩ ذبح بنو إسرائيل بقرة حمراء‏ (في‏ الإسلام صفراء‏) صحيحة لا عيب فيها ولم‏ يوضع عليها نير وحرقوها واحتفظوا برمادها في‏ ماء للتطهير‏. الامرأة التي‏ تُنجب ذكراً‏ تكون‏ غير طاهرة مدّة ‏٤١ يوما أما إذا كان المولود أنثى فأيام العزلة ‏٨٠. يحافظ السامريون على توراة أبيشع القديمة في‏ نابلس ويقومون بزيارة قبور الصدّيقين‏. يكره اليهود في‏ الديار المقدسة السامريين،‏ يؤمن السامريون بمجيء المسيح‏ "التاهب‏" وبيوم الدينونة‏. يسمي‏ مفرّج كاتب الرسالة العبرية أبناء طائفته باسم‏ "طائفة بني‏ إسرائيل السامريين‏" وقبلتهم جبل چريزيم‏.

الأبحاث السامرية

بدأ البحث العلمي‏ السامري‏ في‏ أوروبا منذ سكاليچر‏ J. Scaliger‏ (١٤٨٤-١٥٥٨) ١٥٣٢ عن طريق المراسلة بين سامريين وباحثين أوروبيين‏. استمرت هذه المراسلة حوالي‏ ٢٥٠ عاما وكانت مصدر البحث الوحيد لدى الباحثين الغربيين‏. بعد ذلك أخذ بعض الرحالة الغربيين أمثال‏ E. Robinson‏ (١٥٩٧)،‏ J. Mills‏ (١٨٦٤)،‏ Peterson‏ (١٨٦٥)، M.E. Rogers‏ (١٨٦٧) بالتطرق إلى جوانب مختلفة في‏ حياة السامريين الذين زاروهم مثل قلة عددهم ومشاكل الزواج بين الأقارب لا سيما أولاد العم والعادات والاعتقادات‏. نقطة تحول هامة في‏ هذا الصدد كانت سنة ١٦١٦ حيث تمكن الرحالة پيترو ديلا ڤلي‏ (١٥٨٦-١٦٥٢) بمساعدة القنصل الفرنسي‏ دي‏ سانسي‏ في‏ القسطنطينية من اقتناء توراة سامرية بالعبرية والآرامية وبعض الكتابات الأخرى‏. وفي‏ أواخر القرن التاسع عشر ازدهر البحث العلمي‏ السامري‏ ومن أعلامه نشير إلى موسى چاستر وكاولي‏ وكاوتش وهايدنهايم وكالي‏.

ومنذ العام ‏١٩٨٦،‏ عام تأسيس جمعية الدراسات السامرية في‏ باريس بمبادرة الأب الدومينكي‏ چاي‏ سيسدنيي‏ عقدت أولا مؤتمرات عالمية حول الدراسات السامرية كل سنتين،‏ المؤتمر الأول عام ‏١٩٨٨ في‏ تل أبيب والقدس،‏ المؤتمر الثاني‏١٩٩٠ باريس،‏ المؤتمر الثالث ‏١٩٩٢ باريس،‏ المؤتمر الرابع عام ‏١٩٩٦ في‏ ميلانو والمؤتمر الخامس في‏ هلسنكي‏ عام ٢٠٠٠ والسادس في‏ حيفا عام ٢٠٠٤،‏ والسابع في‏ بودابست عام ٢٠٠٨ وبعد كل مؤتمر‏ يصدر كتاب‏ يضم المحاضرات‏.، والمؤتمر الثامن سيعقد عام ٢٠١٢ في إيرفورت بألمانيا.

السامريون في‏ الإنجيل

كان بعض السامريين قد اعتنق الديانة المسيحية كما‏ يبدو جليا من العهد الجديد‏ (انجيل‏ يوحنا الإصحاح الرابع‏). كانت الأكثرية الساحقة من الشعب السامري‏ ضد المسيحية‏. صلب‏ يسوع المسيح في‏ عهد الكاهن الأكبر‏ يهونتان بن‏ يهويقيم الذي‏ ترأّس الكهنوت ٢٧ عاما‏. ويبدو أن بعض أسفار العهد الجديد لا سيما إنجيل‏ يوحنا تتوجه إلى السامريين وتخاطبهم مثل الاهتمام بالمرأة السامرية في‏ الإصحاح الرابع والإشارة إلى‏ "قطيع آخر‏" في‏ الإصحاح العاشر والعدد ‏١٦ وكذلك استخدام تشبيه النور السامري‏ الهام‏. وهناك من‏ يرى في‏ خطاب اسطفان في‏ سفر الأعمال الإصحاح السابع أصولا سامرية فهو كالسامريين ضد وجود الهيكل‏ (خيمة الاجتماع‏) في‏ القدس والكهنوت ويشير إلى التثنية ‏١٨: ١٨. أضف إلى ذلك فإن الرسالة إلى العبرانيين في‏ العهد الجديد قد تكون موجهة للسامريين فهم‏ يدعون بهذا الاسم‏.
كل من‏ يقرأ العهد الجديد بتأنٍ‏ لا بدّ‏ أنه‏ يتذكّر بأن ذكر السامريين قد ورد فيه عدة مرات وأن موقف المسيح إزاءهم عامة كان إيجابيا ومكث بينهم‏ يومين وآمن به الكثيرون‏  منهم به‏ (إنجيل‏ يوحنا،‏ الإصحاح الرابع‏). كما كرز في‏ السامرة بعد صعود‏ يسوع إلى السماء فيلبس الشماس والرسولان‏ يوحنا وبطرس‏ (أعمال الرسل،‏ الإصحاح الثامن‏). وقصة‏ "السامري‏ الصالح‏" (Good Samaritan)‏ الشهيرة‏ (لوقا ‏١٠: ٣٠-٣٧) تعكس ذلك وتعكس أيضا العداء والقطيعة الذين كانا مستشريين بين اليهود الربانيين والسامريين زمن المسيح‏. فحوى الحكاية أن شخصا كان متوجها من أورشليم إلى أريحا وفي‏ الطريق انقضّ‏ عليه لصوص‏ "فعروه وضربوه،‏ ثم تركوه بين حيّ‏ وميت‏". مرّ‏ بالجريح كاهن‏ يهودي‏ مرّ‏ الكرام دون أن‏ يقدم له أي‏ إسعاف وكذلك حدث بالنسبة لأحد اللاويين‏. الشخص الثالث الذي‏ مرّ‏ به وشفق عليه وقدّم له ما‏ يلزم من إسعاف،‏ سكب الزيت والخمر على الجروح والتضميد ونقله إلى الفندق وتقديم مساعدة مادية كان سامريا ومن هنا جاءت التسمية‏ "السامري‏ الصالح‏". هناك من‏ يذهب إلى أن الشخص الثالث لم‏ يكن سامريا بل‏ يهوديا عاديا أي‏ إسرائيليا‏. كما وان الشخص الجريح هو المسيح بنفسه‏. ولا بدّ‏ من الإشارة هنا إلى أنه في‏ ذكر السامري‏ بعد الكاهن واللاوي‏ بعض الغرابة إذ كان من المتوقّع منطقيا أن‏ يذكر‏ "إسرائيلي‏" أي‏ الرجل العادي‏ لتتم الحلقة الثلاثية‏. هناك من‏ يدّعي‏ بأن إيراد‏ "السامري‏" جاء في‏ فترة لاحقة بدلاً‏ من‏ "إسرائيلي‏".     
وفي‏ هذا الكتاب المقدّس نقرأ أيضاً‏ عن قرية سامرية لم تقبل‏ يسوع المسيح،‏ عن‏ يسوع المسيح والمرأة السامرية بجانب بئر‏ يعقوب وماء الحياة،‏ عن فيلبّس الشمّاس والرسولين بطرس ويوحنا والتبشير والتثبيت في‏ السامرة وإنجيل‏ يوحنا‏ يحدّثنا أن سامريين كثيرين قد آمنوا بالمسيح بعد لقائه بالمرأة السامرية على بئر‏ يعقوب بنابلس‏ (ينظر‏. متى ١٠: ٥؛ لوقا ‏٩: ٥١-٥٦، ١٠: ٢٥-٣٧، ١٧: ١٦؛‏ يوحنا ‏٤: ٤-٤٢،‏ ٨: ٤٨؛ أعمال ‏٨: ١-٢٥).

العرب  والسامريون

العلاقات بين النظام الأردني‏ والطائفة السامرية كانت وما زالت حسنة منذ عهد الملك عبد الله بن حسين الهاشمي‏ (١٨٨٢-١٩٥١) الذي‏ حكم حوالى ستّ‏ سنوات واغتيل في‏ المسجد الأقصى عام ‏١٩٥١. التقى به للمرة الاولى وفد سامري‏ عام ‏١٩٤٩ في‏ الشونة‏. بعد ذلك ساعد العاهل الأردني‏ المخضرم الحسين بن طلال بن عبد الله‏ (١٩٣٦-١٩٩٩) السامريين في‏ نواح عديدة خلال حقبة تربّعه على العرش ‏١٩٥٣-١٩٩٩. سياسته وتوجيهاته إزاء أبناء هذه الطائفة الصغيرة‏ (أو الدين كما‏ يفضل الكثير من السامريين‏) التي‏ التقى بالعديد من أفرادها كانت واضحة،‏ اعتبارها جزءا لا‏ يتجزأ من الشعب الأردني‏. سُمح للتلاميذ من أبناء الطائفة السامرية التغيّب عن المدرسة‏ يوم السبت،‏ إذ أنه اليوم المقدّس عندهم وكذلك الامر بالنسبة للموظفين‏. كما ابتاع العاهل قسما كبيرا من أراضي‏ جبل جريزيم ومنحها للسامريين لتكون وقفا لهم‏. وأسهم كذلك في‏ بناء منزلين لكاهنين سامريين كانا قد تهدّما من جرّاء الأمطار عام ‏١٩٦١. ويشار إلى أن السامريين كانوا قد بدأ،ا بشراء قطعة زرض على الجبل منذ أواسط القرن الثامن عشر‏. إثر وفاة الملك حسين في‏ شباط ١٩٩٩ توجّه وفد نابلسي‏ مؤلّف من عشرات السامريين إلى عمّان لتقديم التعازي‏ للملك الجديد ابنه عبد الله الثاني‏ بن الحسين‏. كما ونشرت قصيدة رثاء بالعبرية بقلم بنياميم صدقة في‏ المجلة السامرية ا‏. ب‏. أخبار السامرة في‏ العدد ٧٢٩-٧٣٠،‏  ١٩٩٩/٢/١٥ ص‏. ٥. ويشار إلى‎ أن الكاهن‏ يعقوب بن عزي،‏ أبو شفيق‏ (١٨٩٩-١٩٨٧) كان قد أقام علاقات جمة مع شخصيات أردنية مختلفة وذلك عن طريق مزاولته قراءة كف اليد‏.

أما بالنسبة للعلاقة بين الفلسطينيين والسامريين منذ ‏١٩٦٧ وحتى الآن فقد شهدت استقرارا ما في‏ معظم الأوقات وكان هناك بعض التوتر والعداء لا سيما في‏ فترة الانتفاضة الفلسطينية‏. وكما هو معروف فإن اتفاق أوسلو بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية الذي‏ وُقّع في‏ ٢٨ أيلول عام ١٩٩٥ ينصّ‏ في‏ البند رقم ‏٣٢ الخاصّ‏ بالأماكن المقدسة على المحافظة عليها‏. تعهّد الطرفان الإسرائيلي‏ والفلسطيني‏ بصيانة الأماكن المقدّسة التابعة لليهود وللمسيحيين وللمسلمين وللسامريين وجعل تلك الأماكن مفتوحة أمام الجميع‏.

التوراة  السامرية  والتوراة  اليهودية

تختلف التوراة السامرية عن التوراة اليهودية‏ (Masoretic Text)‏ في‏ ٦٠٠٠ حالة تقريبا‏. نصيب الأسد من هذه الاختلافات لا‏ يؤدي‏ إلى اختلاف في‏ المعنى‏. مثال على ذلك الفرق الأول‏: سفر الخليقة ‏١: ١١ في‏ النص السامري‏ ועץ‏ وفي‏ النص اليهودي‏ بدون واو العطف‏ (شجر‏) ويذكر أن لا حركات في‏ النص السامري‏ وعدد القطع‏ ‏(פרשוֹת‏)‏ فيه ٩٦٦ وفي‏ التوراة اليهودية ‏٦٦٩. أما بخصوص الفروق الهامة بين النصين المذكورين فنشير هنا في‏ هذه العُجالة إلى ثلاثة،‏ اثنين‏ يتعلقان بالمكان المقدس لدى السامريين ألا وهو جبل جريزيم في‏ نابلس‏. الفرق الأول‏: نجد في‏ التوراة السامرية في‏ سفر الخر وج ‏٢٠ بعد العدد الرابع عشرفي‏ التوراة اليهودية الفقرةَ‏ التالية وهي‏ بمثابة الوصية العاشرة أو إذا أردت فهي‏ الحادية عشرة‏: "(١٤أ‏) ويكون اذ‏ يُدخلك الله الهك إلى‎ ارض الكنعاني‏ التي‏ انت داخل الى هناك لوراثتها فتقيم لك حجارة كبارا وتشيدها بشيد وتكتب على الحجارة كل خطوب الشريعة هذه‏ (١٤ ب‏) ويكون عند عبوركم الاردن تقيمون الحجارة هذه التي‏ انا موصيكم اليوم في‏ جبل جريزيم‏ (١٤ ج‏) وتبني‏ هناك مذبحا لله الهك مذبح حجارة لا تُجز عليها حديدا حجارة كاملة تبني‏ مذبح الله الهك‏ (١٤ د‏) وتُصعد عليه صعائد لله الهك وتذبح سلائم وتأكل هناك وتفرح في‏ حضرة الله الهك‏ (١٤ ه‏) ذلك الجبل في‏ جيزة الاردن تبع طريق مغيب الشمس في‏ ارض الكنعاني‏ الساكن في‏ البقعة مقابل الجلجل جانب مرج البها مقابل نابلس‏" [أنظر‏: الترجمة العربية لتوراة السامريين،‏ حقّقها وقدّم لها حسيب شحادة،‏ المجلد الأوّل‏: سفر التكوين وسفر الخروج‏. الاكاديمية الاسرائيلية للعلوم والاداب،‏ القدس ‏١٩٨٩ ص‏. ٣٥١؛ و‏ ينظر أيضا في‏ سفر التثنية ‏٥: ١٨]. الفرق الثاني‏ متمثل في‏ صيغة الفعل‏ בחר‏ الوارد ‏٢١ مرة في‏ سفر التثنية،‏ في‏ النص السامري‏ ترد صيغة الماضي‏ "اختار‏" في‏ حين اننا نجد صيغة المستقبل‏ "يختار‏" في‏ التوراة اليهودية،‏ انظر سفر التثنية ‏ ١٢: ٥،‏ ١١،‏ ١٤،‏ ١٨،‏ ٢١،‏ ٢٦؛ ‏١٤: ٢٣،‏ ٢٤،‏ ٢٥؛ ‏١٥: ٢٠؛  ‏١٦: ٢، ٦، ٧، ١١، ١٥، ١٦؛ ١٧: ٨، ١٠؛ ١٨: ٦؛ ٢٦: ٢؛ ٣١: ١١. والفرق الثالث وارد في‏ سفر التكوين ‏٢: ٢ حيث‏ يقول النص السامري‏ (وكذلك الترجمة السبعينية‏) إن الله أكمل عمله في‏ اليوم السادس في‏ حين أن التوراة اليهودية تقول إن ذلك كان في‏ اليوم السابع‏.

المادّة التالية في‏ بعضها عبارة عن ترجمة عربية لما كتبه السيد بنياميم‏ (هكذا كان اسم أمّنا راحيل حسب التوراة السامرية وليس بنيامين‏) راضي‏ صدقة السامري‏ أحد محرِّرَي‏ ا.ب‏. أخبار السامرة‏. الجدير بالذكر أن هذه النافذة على الطائفة السامرية تُنشر في‏ زوايا خاصّة في‏ كل عدد من أعداد الدورية المذكورة بلغات ثلاث،‏ العبرية والعربية والإنجليزية‏.

لمحة  تاريخية

من الصعوبة بمكان إعادة بناء القسم الأكبر من التاريخ السامري‏ بسبب شحة المصادر التي‏ بحوزتنا حتى القرن الرابع م‏. وعليه لا مندوحة من الاعتماد على مصادر‏ غير سامرية‏. هناك رافدان أساسيان للتاريخ السامري،‏ المصادر التاريخية السامرية ومصادر‏ غير سامرية‏. وفق الرافد الأول فالسامريون‏ يتحدرون من سبطي‏ يوسف،‏ إفرايم ومنشه‏. دخل السامريون الأراضي‏ المقدسة بقيادة النبي‏ موسى حوالي‏ ١٥٠٠ ق‏. م‏.‏ بنو إسرائيل السامريون هم بقايا شعب قديم كان‏ يقطن في‏ مملكة إسرائيل القديمة في‏ الشمال‏. أنيطت محاولات توحيدهم ببني‏ إسرائيل اليهود لشعب واحد وعقيدة دينية واحدة بأيدي‏ زعماء اليهود في‏ أواخر القرن الخامس قبل الميلاد‏. بلغ‏ عدد بني‏ إسرائيل السامريين في‏ القرنين الرابع والخامس للميلاد حوالي‏ المليون ومائتي‏ ألف نسمة‏. أقام السامريون في‏ تلك الحقبة في‏ مدن وقرى شتّى في‏ الديار المقدسة،‏ إلى الجنوب من سوريا وحتى شمالي‎ مصر‏. وفي‏ غضون تاريخهم الطويل تعرض السامريون إلى ملاحقات وأحكام تعسفية ومجازر عدّة وإكراه لاعتناق الإسلام أو المسيحية‏. ومن العائلات السامرية التي‏ تأسلمت‏ يمكن التنويه بالأسماء التالية المعروفة اليوم في‏ فلسطين والشام،‏ العظم والنحاس ويعيش‏ (מתוחיה‏) وعكر وصوفان ومسلماني‏ والطاهر وحبيبة ومَرًقة والأنصاري‏ والدنفي‏ والمهتدي‏ والمطري‏.‏ وعلى العموم‏ يمكننا القول بأن حياة السامريين في‏ غضون الأباطرة المسيحيين كانت مليئة بالكوارث والظلم مثلا في‏ عهد زينو ‏٤٧٤-٤٩١. وفي‏ عام ‏٥٢٩م مثلا قام‏ يوستنيان بحملة قاسية أدت إلى قتل الكثيرين من السامريين وهروب البعض وتنصّر الآخرين‏. فترات الازدهار الثقافي‏ السامري‏ هي‏ القرن الرابع للميلاد،‏ بابا رابّا ومرقة،‏ القرن الحادي‏ عشر ثم القرن الرابع عشر‏. يمكن القول إنه لاهوتيا لم‏ يضف أي‏ أمر ذي‏ بال بعد عصر مرقة بن عمرم داره كبير اللاهوتيين‏. ربما كان عدد السامريين المتضائل وصراعهم ضد الاندثار قد حالا دون انتاج فكري‏ ذي‏ بال‏. وقد كتب أبو الفتح السامري‏ المؤرخ عن النبي‏ محمد‏: "وكان محمد‏ يحب السامرة وما اسا الى احد منهم كل ايامه‏". وفي‏ الفترة الأموية كانت المعاملة حسنة أيضا‏. لاقى السامريون اضطهادا في‏ فترات معينة من الحكم العربي‏ الإسلامي‏ لا سيما في‏ الخلافة العباسية وعاشت مجموعات صغيرة في‏ شتى المدن الفلسطينية الكبيرة‏. ويروى أن الملك الناصر محمد بن قلاوون ‏١٣٠٢-١٣٤٣،‏ كان أول من أمر السامريين بارتداء العمائم الحمراء والمسيحيين السوداء واليهود الزرقاء‏. كما وقاسى السامريون في‏ نهاية القرن الثامن عشر وبداية التاسع عشر وعلى وجه التحديد ما بين ‏١٧٨٥-١٨٢٠ حيث انهم منعوا من ممارسة واجباتهم الدينية على جبلهم المقدس،‏ جريزيم في‏ نابلس‏. وفي‏ عام ‏١٨٤١ أقرّ‏ العلماء المسلمون في‏ نابلس بأن السامريين ليسوا من أهل الكتاب ولا‏ يؤمنون بموسى بل هم عابدو العجل‏. كان ذلك،‏ كما‏ يبدو،‏ انتقاما منهم لما حصلوا عليه من منافع من الحكم المصري‏ في‏ الدولة العثمانية‏. اجتاز السامريون هذه المحنة بتسلم وثيقة من الحاخام العام في‏ القدس،‏ إبراهيم حاييم چاچين،‏ تقضي‏ بأن السامريين فرع من الإسرائيليين ويؤمنون بالتوراة كما وأغدقوا العطاء أي‏ قدموا الرشوة‏.

كل هذه الممارسات أدّت بالتالي‏ إلى تقليص عددهم حتى وصل مثلاً‏ إلى ‏١٤٦نسمة عام ‏١٩١٧. منذ مطلع العقد الثالث من القرن العشرين طرأ تحوّل إيجابي‏ في‏ تاريخ بني‏ إسرائيل السامريين حيث بدأت ملامح التطور التدريجي‏ تتجلى في‏ مختلف أنماط حياتهم‏. يُعتبر السامريون أقل شعوب الأرض عدداً‏ وأقدمها تاريخاً،‏ إلا أنهم في‏ الوقت ذاته أكثر الشعوب شباباً‏ بالنسبة لعددهم‏.

ميزة  الشعب  السامري

حافظ السامريون خلال تاريخهم الطويل على هويّتهم المميزة كشعب ذي‏ سمات خاصّة إلا أنهم فقدوا لغتهم الخاصة،‏ الآرامية السامرية،‏ كلغة حيّة‏. إنهم‏ يستعملون خطّا خاصّا بهم هو الخط العبري‏ القديم وينطقون بلغتهم وفق اللفظ العبري‏ القديم الذي‏ كان شائعاً‏ لدى اليهود أيضاً‏ حتى بداية الألف الأول للميلاد‏. كما ويتمسّك السامريون بتقاليدَ‏ وعادات عريقة قد تعود إلى آلاف السنين،‏ منذ دخول بني‏ إسرائيل الديار المقدسة بقيادة‏ يهوشع بن نون وحتى اليوم‏. من العسير جدا في‏ معظم الحالات إن لم‏ يكن مستحيلا التمييز بين عادة موغلة في‏ القدم وما طرأ عليها من تغيير وتبديل على مرّ‏ الأزمنة وأخرى حديثة العهد نسبيا‏. من هذه الدعائم الدينية عدم صنع التماثيل والصور أو وضعها في‏ كنسهم‏. وهناك قصة طريفة في‏ التراث السامري‏ حول هذه النقطة،‏ تحكي‏ عن زيارة إسكندر المقدوني‏ لسامريي‏ نابلس طالبا منهم إقامة تمثال له جزاء ما قام به من خير لهم‏. أمهل السامريون عاما لإنجاز هذا الطلب عاشوه بقلق وحيرة إذ لا‏ يجوز لهم دينيا إقامة التماثيل‏. وأخيرا توصلوا لحلّ‏ يرضي‏ الطرفين،‏ تسمية كل ذكر‏ يولد خلال ذلك العام بالاسم‏ :إسكندر‏". وعند مجيء الإسكندر لرؤية تمثاله ولم‏ يقم بعد اغتاظ كثيرا وهدد بإنزال أشد العقوبات على السامريين‏. تقدم الكاهن الأكبر نحو الإسكندر قائلا‏: إننا صنعنا لك أيها الإسكندر أجمل تمثال وبدأ‏ ينادي‏ إسكندر،‏ إسكندر‏" فتهافت الكثيرون وتجمع حشد‏ غفير ففرح الملك وصفح‏.

 جبل  جريزيم   والقدس

كما أشرنا آنفا‏ يعتبر الخلاف حول المكان المقدس الذي‏ اختاره الله أحد الفروق الرئيسة التي‏ تميّز اليهود الربانيين عن السامريين‏. بالنسبة لليهود‏ "القدس‏" هي‏ المكان المقدّس منذ زمن داؤود وسليمان إذ فيها جبل الموريا حيث همّ‏ إبراهيم الخليل بتقديم ابنه اسحق تضحية لله‏. داؤود الملك هو الذي‏ نقل تابوت العهد إلى القدس وقدّسها لأغراض سياسية ترمي‏ إلى نقل المركز إلى مملكة‏ يهودا وكانت عاصمة لمملكته‏. ثم بنى ابنه الملك سليمان الهيكل هناك‏. أما السامريون فيعتقدون بأن جبل جريزيم في‏ نابلس هو المكان المقدس الذي‏ اختاره الربّ‏. يقول السامريون بأن جبل جريزيم قد ورد ذكره في‏ التوراة عدة مرّات‏ (الخروج ٢٠‏: ١٤؛ التثنية ٥‏:١٨،‏ ١١: ٢٩،‏ ٢٧: ٤، ١٢) في‏ حين لا ذكر للقدس بتاتا في‏ أسفار موسى الخمسة‏. بعد دخول‏ يهوشع بلاد كنعان‏ (قبل ‏٣٦٣٨ سنة وبذلك الدخول‏ يبدأ التقويم السامري‏) أقام خيمة الميعاد على قمة جبل جريزيم وكان إلعازر بن أهرون الكاهن الأكبر‏. وتلاه كهنة آخرون هم أبيشع وشيشي‏ وبحقي‏ وعوزي‏. عندما أصبح عوزي‏ كاهنا أعظم وهو ما زال شابا شبّ‏ خلاف بينه وبين علي‏ القائم على أعمال بيت ايثمار بن أهرون‏. فما كان من الأخير إلى أن أقام المسكن في‏ شيله‏ (سيلون‏). تبع بعض القوم علي‏ والكهنة من نسل ايثمارفي‏ حين بقي‏ الآخرون مؤمنين بجبل جريزيم وبالكهنة من آل فنحاس‏. وكما هو معروف فإن الوصية العاشرة في‏ التوراة السامرية هي‏ قدسية جبل جريزيم‏. هذه الوصية لا وجود لها في‏ التوراة اليهودية اليوم ويدعي‏ السامريون بأن عزرا الكاتب قد أضاف وحذف في‏ التوراة وحتى بدّل الحروف العبرية القديمة إلى حروف أشورية-مربّعة‏. يبدو أن الحفريات الأثرية تدلّ‏ أيضا على أن نابلس كانت المكان المقدس وينظر أيضا في‏ سفر‏ يهوشع ‏٢٤: ١،‏ ٢٥-٣٣. يقول السامريون بأن‏ يهوشع أقام المسكن في‏ جبل جريزيم وعلي‏ الكاهن نقله إلى شيله‏ / شيلوه وداؤود وسليمان نقلاه إلى القدس‏. ويقول مرقة،‏ أعظم علماء السامريين،‏ إن جبل جريزيم كان قبل الخليقة وهو المكان الوحيد الذي‏ لم‏ يتعرض للطوفان زمن نوح إذ لا‏ يجوز أن‏ يلوث هذا المكان الطاهر بالجثت وهو الوحيد الذي‏ لن‏ يهدم في‏ عاقبة الأيام،‏ يوم الدينونة‏. ويقول السمرة أيضا إن جريزيم هو جبل الموريا،‏ نسبة لسهل مورة وهو عسكر بالقرب من نابلس حيث أقام إبراهيم خيمته‏. وعلى جبل جريزيم همّ‏ إبراهيم بتقديم ابنه إسحق قربانا للخالق وهناك رقد‏ يعقوب ورأى رؤيا السلم.‏