"حصانة المحامي في الاجتهاد اللبناني" ل نبيل طوبيا
ان تكون محامياً يعني انك كرّست حياتك وذاتك لاثنتين: الاولى، ان تدخل صرح العدالة للدفاع عن الحق والحرية. والثانية، ان تتخذ النزاهة والرصانة مع الموكلين لتحافظ على حقوق المظلومين منهم والزود عنها لاعادتها الى نصابها القويم. فالمحاماة في مفهومها القانوني الصحيح هي رسالة ينظمها قانون مهنة المحاماة وتهدف الى تحقيق رسالة العدالة بابداء الرأي القانوني والدفاع عن الحقوق المادة الاولى من القانون المذكور وتساهم في تنفيذ الخدمة العامة، ولهذا تولي من يمارسها الحقوق والحصانات والضمانات التي ينص عليها القانون كما تلزمه بالموجبات التي يفرضها المادة الثانية من قانون تنظيم مهنة المحاماة.
المحامي نبيل طوبيا حمل هذه الثوابت والركائز الاصيلة منذ كان محامياً متدرجاً ثم اثناء انتقاله الى الجدول العام، حتى ولوجه باب عضوية نقابة المحامين مدة ردح من الزمن، مدة لا يستهان بها تعدت بزمانها الاثنتيّ عشرة سنة، وتجاوزت بحدودها نطاق الدفاع عن حقوق المحامين والغوص في شؤونهم وشجونهم النقابية والمهنية، حتى انها تخطت بابعادها الدفاع عن نقابة المحامين كجسم متكامل، والعمل على تطور أنظمتها وقوانينها كي ترتفع بشأنها وعليائها الى اسمى درجات التفوق، اضافة الى الانصهار البنّاء مع مختلف طبقات المجتمع اللبناني النقابي لتبقى هذه النقابة رمزاً للعدالة والانصاف ولترسخ وتجسد شعاراً ازلياً الا وهو العدل اساس الملك. حصانة المحامي جمع المحامي طوبيا ما خبره عن كثب، وما عاشه عن قرب مع المحامين دفاعاً عن حصانتهم وحقوقهم القانونية في كتاب قيّم نفيس دعاه حصانة المحامي في الاجتهاد اللبناني مصنف الاجتهادات الصادرة بين 1971-2010 جاء خاتمة نتاج جمعه على امتداد عشرة أعوام شغلها كعضو مميز وفاعل في نقابة المحامين خاصة عندما شغل منصب مفوض قصر العدل لدى هذه النقابة، حتى تمكن خلال هذه المرحلة من جمع اربعماية قرار قضائي صادر عن المحاكم اللبنانية لا سيما تلك الصادرة عن محكمتي الاستئناف المدنيتين في كل من بيروت وطرابلس الغرفتان الناظرتان
في القضايا النقابية، بمواضيع اذن التوكل، والملاحقة والانتساب الى النقابة، والقيد في الجدول العام، اضافة الى مواضيع الترشح لعضوية مجلس النقابة، وانتحال الصفة وتجاوز حدود الدفاع، والتبليغ والتعويض، والتقاعد، والتأديب وغيرها من المواضيع المتعلقة بحصانة المحامين.
والجدير ذكره في هذا الصدد ان المؤلف طوبيا انتقى من اصل الاربعمئية قرار المشار اليها اعلاه مئة واثنين وثمانين قراراً تناولها كتابه موضوع المقال والذي يتميز عن غيره من المصنفات انه مرجع متخصص شامل ومتنوّع، يستطيع المحامي من خلال ما اكتنزه من اجتهادات مهمة تنشر لأول مرة، الاحاطة بالعديد من النقاط المتعلقة بمناقبيته وحصانته، وتساعده على تخطي العديد من العقبات والاشكالات التي يواجهها في هذا المجال.
وبعد مراجعة شاملة ودقيقة للاجتهادات المنشورة في الكتاب، يتبين ان الاجتهاد أرسى مبادئ قانونية واضحة بموضوع حصانة المحامي لجهة اذنيّ الملاحقة والتوكل بعدما شهد تناقضاً في الاحكام فيما يتعلق بهذين الموضوعين، فأعطى المحامي طوبيا دراسة مقارنة تناولت كيفية صدور القرارات خلال السبعينات، وكيف شهدت تحولاً جذرياً بعد فترة من الزمن بحيث كرست هذه القرارات حق محكمة الاستئناف في تقدير صحة الافعال الصادرة عن المحامين، في حين يتبين ويتضح من نصوص القرارات الصادرة فيما بعد، انها اعتبرت لا حق لها مطلقاً بذلك في بعض القضايا، لعدم صلاحية المحكمة للبحث في مدى توفر عناصر الجرم الجزائي، ولما يتطلبه هذا البحث من تحقيقات اضافة الى الغوص في النوايا وتفسير النصوص وقد أخذ الاجتهاد في هذه الوجهة الاخيرة المذكورة. كما عمد المحامي طوبيا في هذا السياق الى نشر القرارات المتضمنة تناقضاً وتحولاً في الاجتهاد، واستطاع بكل تجرد ان يشير الى المخالفات التي ارتكبها اعضاء مجلس النقابة المشاركين في تشكيل هيئة محكمة الاستئناف الناظرة بالقضايا النقابية، فأوضح رأيه ونظرته القانونية مصححاً تلك المخالفات بقرائن وحجج واثباتات مستندة في معظمها الى نصوص قانونية، كان على الاعضاء اعتمادها لتفادي الوقوع في الخطأ أو المخالفة، مع اصرار المؤلف على وجوب توحيد المسائل التي شهدت تناقضات واختلافات دون التوسع بالتفسير. اضافة الى ان المؤلف ضمّن كتابة قانون تنظيم مهنة المحاماة مع تعديلاته، والنظام الداخلي لنقابة المحامين، كون الاجتهادات المنشورة استندت الى الكثير من نصوصهما. عصارة جهود سنوات نكتشف من خلال ما تضمنه هذا المصنف الجامع والشامل شخصية ناشره المكتنزة حضائل عديدة، وصفات حميدة وضعها في شخصه النبيل، يكفي انه حافظ على قسم المحاماة، اذ جسده نصب عينيه طيلة حياته النقابية والمهنية خاصة وان هذا الكتاب تكوّن نتيجة عصارة جهود سنوات عديدة وخبرة عالية عاشها المؤلف بالاحتكاك اليومي مع المحامين، وهذه هي الحاجة الملحة والضرورية ان يكون هنالك تواصل مباشر ومستمر من خلال الحوار المثمر والنقاش المجدي والعمل البنّاء للقول في نهاية المطاف. نبيل طوبيا، اصدَرْت كتاباً تطرّقت فيه الى موضوع حساس ودقيق هو حصانة المحامي، فأثبت منذ تمرّسك لمهنة المحاماة انك ضليع في علم القانون خاصة في هذا المضمار منه، وذلك من خلال ما جمعت من قرارات بعد تنقيب وتفتيش وتمحيص لها، أدركتها بتعليقات وآراء شخصية صائبة، فهنيئاً للمكتبة الحقوقية بمولودها الجديد.
الحقوقي الاول
وفي الختام، نستذكر ما تفوه به اثناء حفلة توقيع الكتاب، القاضي غالب غانم، والذي اعتبره الحقوقي الاول، نظراً لما يتمتع به من خبرة عالية وواسعة في علم القانون والتشريع والاجتهاد وذلك من خلال ما تبوأه من مناصب قضائية رفيعة وحسّاسة، مقرظاً الكتاب ومنوّهاً بجهود المحامي طوبيا: مع كتاب المحامي الاستاذ نبيل طوبيا، نحتفل الآن بالمعرفة، والجديّة، والخصائل المفيدة... وما من عمل، حتى وان كان من عائلة الجمع لا من عائلة البدع، الا ويعكس ملامح من صورة صاحبه. ونحتفل بلذة بتنا نشتهيها، هي الاحساس بالتيار الحراري الداخلي اللطيف الناتج عن احتكاك الأنامل بالأوراق.. وهي أيضاً تنشقّ أريج الحبر الذي ما ان يسكب على سهول الورق حتى يستحيل عطراً. اما اللذة الاولى، والكبرى، فهي الاحتفاء معه، ومع نقابة المحامين، بعرس للحرية والكرامة والديموقراطية، لا ينتهي...
كتاب من الحجم الكبير يقع في 397 صفحة
* نقلاً عن جريدة الأنوار البيروتية