الخمرُ غيرُ مُحَرَّمٍ في الإسلام

الشيخ د. مصطفى راشد قرأها 12,785

الخمرُ غيرُ مُحَرَّمٍ في الإسلام 

ما زال التحليل والتأويل والتفسير والقياس الفقهى لنصوص القرآن والآحاديث، رهين عقليات المفسرين من البشر منذ مئات السنين دون أن ننظر إلى المفسّرين والفقهاء هل هم فعلاً أسوياءُ يملكون المنطقَ والعقلَ الراجح، أم أن الكثير منهم كان مصاباً بالعطب العقلي والعته الفكري، وجعلْنا منهم أئمةً ومرشدينَ وقادةً، ولأن الدين مِهنةُ مَن لا مِهنةَ له، وجدنا الكثير من فقهائنا ومفسّرينا يقرّرون وينظّرونَ حسبما نشؤوا، فوجدنا فقهاءَ منطقة الخليج متأثرين بطبيعة بلادهم الرملية الجافة القاسية، فاختلفت تفسيراتهم للنصوص مع فقهاء الشام الذين نشؤوا في الحَضَر، وكذا الاختلاف مع فقهاء مصر أصحاب الإرث الحضاري والثقافي، حتى نصل للأكثر مدنية وتحضّراً، وهم فقهاء الأندلس، أمثال ابن رشد وابن عربي – واختلاف فقهاء هذه المناطق، يوضّح لنا أزمة الإسلام، وحاجته لمؤسسة دولية وسطية مثل الأزهر، تعكف على تنقية هذا الإرث المتضارب في الكثير من جوانبه، والمخالف لمقاصد الشرع الصحيحة – ولأننا قرّرنا منذ فترة السير في هذا العمل تطوّعاً لتنقية التراث مما هو مخالف لصحيح ومفهوم النصوص، نجيب على سؤال المستشار سالم محمد النشيف الوارد على موقعنا بخصوص (موقف الإسلام من الخمر) ذلك بإسناد الرأي والفتوى فيها إلى النصوص دونَ تزيد، لذا سوف نبدأ بتعريف الخمر الذي اختُلف في تعريفه فمنهم من قال إن الخمر لغةً: -هي كل ما خامر العقل وغلبه–

وفي الاصطلاح الفقهي: -هي اسمٌ لكلِّ مَسْكِرٍ.. وآخرُ يُعَرِّف الخمر لغةً وشرعاً: -كل مسكر سواء كان من العنب أو غيره.

ولتحديد وضع الخمر في الاسلام، إن كان محرماً أم لا، سوف نناقش الآيات والأحاديث المتعلقة بموضوع الخمر بالشرح والتفسير، حتى نستطيع الوصول للرأي الفقهي لوضع الفتوى بوضوح واطمئنان وثبات الحجة:-

اولاً: - قوله تعالى في الآية 219 من سورة البقرة (يسألونك عن الخمر والميسر قلْ فيهما إثمٌ كبيرٌ ومنافعُ للناس وإثمهما أكبر من نفعهما) (ص)

والآية هنا توضح أن الخمر والميسر فيهما إثمٌ ومنافعُ لكن إثمهما أكبر من نفعهما، وهذا ليس بنصِّ تحريمٍ بل يضع الخمر في درجة "المكروه"، لأن نصوص القرآن عوّدتنا على الألفاظ القاطعة الواضحة اذا كانت المسألة تتعلق بالتحريم مثل قوله تعالى في سورة البقرة 173: (حُرِّم عليكم الميتةُ والدمُ ولحمُ الخنزير) وكذا الآية 3 من سورة المائدة وايضا قوله تعالى في الآية 96 من سورة المائدة (وحُرِّم عليكم صيدُ البرِّ مادمتمْ حُرُماً) وكذا سورة النحل الآية 115، مما يعنى أن الخمر مكروهٌ وليس محرماً وإلا لماذا لم تقل الآية "حُرِّم عليكم الخمرُ"؟.

ثانياً: -قوله تعالى في الآية 43 من سورة النساء: (ياأيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون) ( ص)

وقد نزلت هذه الآية بعد أن كان بعض الصحابة يصلُّون وهم في حالة سكرٍ مزرٍ فيخطؤون في قراءة الآيات. ويفهم ضمنياً من الآية هو أن السّكْرَ حتى الغياب عن الوعي ممنوعٌ أثناء الصلاة ونصُّ الآية لا يَمنع السّكْرَ في غير أوقات الصلاة.

 ثالثاً: - قوله تعالى في الآية 90 من سورة المائدة (ياأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجسٌ من عمل الشيطان فأجتنبوه) (ص).

 وهنا الآية واضحة في طلب اجتناب الخمر والأشياء الأخرى وهذا لا يدلّ على التحريم بل يضع الخمر في درجة "المكروه". وفرقٌ كبيرٌ بين حكْمِ المحرَّم وحكْمِ المكروه.

رابعاً: -قوله تعالى في الآية 91 من سورة المائدة: (إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكُم العداوةَ والبغضاءَ في الخمر والميسر ويصدّكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون) (ص).

ايضا لم تقطع هذة الآية بحرمة الخمر والميسر بل تطالبهم بالتوقف عنهما حتى لا تصدُّهم عن ذكر الله وعن الصلاة. ثم يأتي القرآن ليؤكد أن الخمر ليس محرّماً في ذاته بل في علّةِ الوقوع في السّكْرَ الذى يصدُّ عن ذكر الله وعن الصلاة بقوله تعالى في الآية 15 من سورة محمد: (مثل الجنة التى وعد المتّقون فيها أنهارٌ من خمرٍ لذَّةٍ للشاربين) (ص).

خامساً: -بالنسبة للحديث الذي رواه مسلم رقم 3733 بأن كلَّ مُسْكِرٍ حرامٌ.

ابتداءً نتحفَّظ على سند الحديث لأن التحريم، وهو أعلى درجات الأحكام في الشريعة الإسلامية، لا يكفيه حديثٌ يصدرُ عن أحد أو بعض الرُّواة— لكن على أية حال فنصُّ الحديث لا يحرِّمُ الخمرَ في حدِّ ذاته بل يُحرِّمُ السُّكْرَ، أي الوقوعُ فيه.

ونحن إذ نفتي بعدم حُرمَة الخمر في الإسلام قد وضعنا أمام أعيننا قوله تعالى في الآية 116 من سورة النحل: (ولا تقولوا لما تصفُ ألسنتكمُ الكَذبَ هذا حلالٌ وهذا حرامٌ لتفتروا على الله الكذبَ) (ص) والله من وراء القصد والابتغاء.

شيخٌ أزهريٌّ حاصل على العالمية من كلية الشريعة - فرع دمنهور عام 87

تعليقات القرّاء

  1. Samir 26 تشرين الأول 2012

    Great, Wise, Logical