رسالة إلى شاعر مخضرم..!
%5B1%5D(101).jpg)
أعرفه منذ عقود ينظم الشعر لكنه ليس بشاعر، وينشر كتاباته في الصحف والمجلات والدوريات الأدبية، وله عدة مجموعات شعرية مطبوعة. وقد نجح في اقتناص جائزة التفرغ والابداع من وزارة الثقافة الاسرائيلية!. وهو يطعم "قصائده" بالتعابير الرمزية والمعاني الغامضة ويملأها باسماء لشخصيات تاريخية وأسطورية في الأدب اليوناني والإغريقي، ولكن في الحقيقة ان قصائده لا تمت للشعر بصلة، ويفتعلها افتعالاً.إنها بلا عاطفة ورؤية وحلم شعري، ومجرد صياغات وتراكيب لغوية بدون روح ومعنى. ولا أغالي إذا قلت ان جودة الإبداع تغوص في جب الابداع، واننا نعيش في مرحلة الخواء الشعري، ومشهدنا الادبي المحلي عامر بالإسهال الشعري ويعج بالمتشاعرين ممن ينظمون الشعر ولا يقولونه، وشتان ما بين النظم والقول.
في هذه العجالة أود أن اقول لهذا "الشاعر" المخضرم ولغيره من المتشاعرين الجدد الباحثين عن الشهرة الفارغة، ان الشعر هو صوت الحلم وجسد الرؤيا، والشاعر الحقيقي ينفعل ويؤثر ويتأثر ويتفاعل مع الاحداث والواقع السياسي ـ الاجتماعي، ومحكوم بالاشتعال، وحائر بين الجمرة والوردة، وبين الفتيل والسنبلة. والقصيدة سؤال هائل وكبيرـ كما يقول الشاعر اللبناني محمد علي شمس الدين ـ، والشاعر بالاصل كائن رافض ولديه رغبة دائمة في التغيير وزحزحة الاشياء واعادة ترتيبها مرة اخرى بشكل جديد ومغاير، ودائماً يطلب الافضل والأجمل، وإذا وصل فانه يتطلع إلى الاقدس. والشعر الجميل الصافي الخالد هو الذي يحمل روحاً ونفساً شعرياً طويلاً، تختلط فيه الحرارة بالابداع واللغة المشرقة النابضة بالحس الإنساني والهم الوطني والمعاناة الانسانية.
لا شك انه في هذه المرحلة، التي اختلط فيها الحابل بالنابل، والقمح بالزؤان، نحتاج إلى شعراء المستقبل، الذين يقولون الشعر ويكتبون القصيدة ويغنون للحرية ويهبون ابداعهم للحياة والحب والوطن ويتركون بصمات تلون خارطة الفرح.. نحتاج للشعر النابع من تجارب ومعاناة ووجع حقيقي ومعبّر عن اختلاجات الروح، ويجمع بين قوة المعاني وصدق التعبير وبراعة الصور وبساطة الصياغة، إلى جانب الموسيقى والألوان الحسية والمادية الجديدة، والإيحاءات والشطحات الشعرية والرؤى والأخيلة الجميلة، والمكرس لمعالجة مشاكلنا الحقيقية والدفاع عن قضايا التحرر الوطني والعدالة الاجتماعية والتقدم الحضاري والإخاء الانساني، ويا لأيها المتشاعرون الزموا الصمت..!.