يوميات مريض بالقهروباء
(1)
اعتاد فايروس القهروباء أن يُنغّص عليّ متعتي بشمس الصباح، فأنا إن بدأت الكتابة أو القراءة أمام شاشة الكمبيوتر مع طلوع الشمس، أُشعرُ بأعراض المرض الأولى، وتبدأ الأعراضُ بالخوف والرعب من انقطاع التيار، وما ينجم عن ذلك من ضياع ما أكتب، فأُواظبُ على حفظ الملف بعد كل سطر من الأسطر، ويصبح حفظ الملف، جزءا من موضوعي الذي أكتبه، حتى أن رُعبُ مرض القهروباء في مرحلة المرض الثانية، يُسيطر على الفكر والإبداع، ويُغيِّرُ مساره!
ورُعب القهروباء، لا يُصيبُ موضوع الكتابة بجرثومته فقط، بل يُصيبُ جيبيَ المفتوق ونقودي القليلة، بما يَنْتُجُ من إعطال وتخريب آلات جهاز كمبيوتري بفعل الشحنات الزائدة، أو الناقصة المفاجئة، ذلك لأنني اعتدتُ على توقع طغيان المرض القهروبائي، القادر على تخريب جهاز كمبيوتري، وصرت مقتنعا بأن فايروس (التروجان القهروبائي) الناجم عن كهرباء غزة، لا تنفع فيه كل مضادات الفايروسات، التي تنتجها شركات الكمبيوتر الأخرى، بما في ذلك عملاق برنامج الفايروسات الكاسبر سكاي والنورتون والأفاست وحتى برنامج المكابي الإسرائيلي!
وقد تمكن الفايروس القهروبائي من تدمير خلايا كمبيوتري الشخصية عدة مرات، فهو قادر على التشظِّي ونشر العدوى المدمرة، وإصابة اللوحة الكهربية الرئيسة إصابة فنية قاتلة،لا تنفع معها كل الفيوزات، أو دوائر الصدمات المعتادة، لأن فيروس قهروباء غزة يختلف عن كل أنماط الفيروسات، فهو من النوع الخارق الحارق!!
كما أنه يملك قدرات خاصة مُذهلة تجعله قادرا على التسلل إلى مخزن المعلومات فيصيبها أولا بالصداع المُزمن والإمساك، فيُنتج خلايا سرطانية يوزعها داخل الملفات المحفوظة، فتتحول ملفات الأوفس، إلى لغة من لغات سكان كوكب الزهرة أو عطارد، أو تصير الملفات مجموعة أرقام وحروف مثل طبخة الشكشوكة أو صينية المقلوبة، وفي أحيان أخرى فإنها تحتاجُ إلى العالم الأثري شامبليون مكتشف لغة الفراعنة فوق حجر رشيد!!
حتى أن أكفأ مهندسي الكمبيوتر في غزة فشلوا ذات يوم في استرجاع ملف كتابين كاملٍين من مخ جهازي الرئيسة أمضيت في جمعهما الليالي الطوال، وقرروا ضرورة استبدال المخ الرئيس، وإعادة الكتابين مرة أخرى!
طبعا عزوا ذلك لفايروس القهروباء، ونصحوني ألا أثق بمخ الجهاز، وعليَّ أن أُخزن كل معلومة من المعلومات على عدةِ وسائط تخزين مختلفة!!
لذا قمتُ بشراءِ كل أنماط وسائط تخزين المعلومات، وبشرائي كل الوسائط أدركتُ بأن قهروباء غزة يجب أن تأخذ نصيبها من أرباح شركات إنتاج الاسطوانات والفلاشات والهاردديسكات، وعلى هذه الشركات أن تدفع لقهروباء غزة (كوميشن) تسويق بواقع عشرين في المائة على الأقل من مجموع بيع منتجاتها في قطاع غزة، لتضاف إلى أرباح القهروباء التي تعاني من العجز إعلاميا، ثم تقوم بتوزيع الأرباح سنويا على مالكي أسهمها!!
فغزة من أكثر بلاد العالم شراء لوسائط حفظ الملفات، فقد أصبح الغزيون يحملون في جيوبهم الفلاشات والاسطوانات، كما يحملون مفاتيح بيوتهم!!
فأنا-عافاكم الله- بعد أن صرت من المصابين بالمرض في مراحل متقدمة، حوّلت مكتبي إلى مستودع لحفظ تسجيلاتي على كافة وسائل الحفظ، بواقع ثلاث وسائل على الأقل للموضوع، فلاش وفلوبي أسطواني، وعلى مواقع كثيرة، وفي حافظة على شكل الهارديسك، وكل ذلك بعد ضياع مخطوطة الكتابين منذ عدة سنوات، أمضيتُ في تصنيفهما أكثر من عام كامل!
وأخيرا نُصحني أحدهم منذ سنوات بأن أشتري الكمبيوتر المحمول، فشفائي يكمن في استبدال جهازي التقليدي، فهو خفيف وله شاحن كهربي، وهو الدواء الوحيد القادر على إشفائي من فيروس القهروباء، واقتنيت جهازين، أما الأول فقد أفقدني صبري، أما الثاني فأفقدني بصري، لدرجة أنني فضلت أن أعودَ صاغرا طائعا لحضرة كمبيوتر القهروباء التقليدي!