المقاومة على الدوام

عبدالحكيم مرزوق قرأها 303

لم يكن ثمة موعد بيننا، التقيته بالمصادفة عند موقف الباص الذي نزلت منه متوجهاً إلى منزلي في نهاية الدوام الرسمي، لم أكن أتوقع رؤيته في حمص لأنني أعرف أنه مسافر خارج القطر منذ أكثر من عشر سنوات، ويعمل في أحد مشافي دولة خليجية مشهورة تفوح منها رائحة النفط ومشتقاته، وهو من الأشخاص الموهوبين واللامعين في سورية وخاصة في رسوم الكاريكاتير حيث تشهد صفحات بعض الصحف السورية لموهبته بالتألق لأنها نشرت له آنذاك أعداداً كبيرة منها في مختلف المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية والفنية وغيرها من تلك الجوانب التي كانت تستحوذ على اهتمامه.. المهم أن صديقنا الطبيب ورسام الكاريكاتير الموهوب وبعد السلام والكلام عن الأحوال الخاصة بادرني بالسؤال ما هذه الأحداث التي تجري عندكم؟ فرددت بسؤال منذ متى وأنت في حمص قال منذ يومين ومن المفترض أن أسافر غداً، لأنني جئت بإجازة سريعة جداً لأن الحالة في سورية تبدو عبر الفضائيات مريعة وكأن ثمة اقتتال داخلي في كافة الأنحاء، وسألته مجدداً وكيف وجدت الصورة هنا هل هي بالفعل كما تدعي تلك الفضائيات؟ قال لي: الوضع هادئ جداً، ولم أشاهد تلك الاحتجاجات الكبيرة التي تتحدث بها بعض المحطات الفضائية بشكل يومي وبشكل توحي بأن القيامة قد قامت بالفعل، وأنا نادم لأنني قد قصرت إجازتي على عدة أيام ولذلك فإنني سأعود قريباً في زيارة مطوّلة أقضي فيها كامل إجازتي الصيفية.

كانت عينا صديقي تلمع ببريق يشبه الانتصار أن سورية لا يمكن أن تكون كما تصورها قنوات التضليل الإعلامي التي تعمل ليل نهار على بث سمومها وكذبها وتلفيقاتها وفبركاتها التي كانت تصيب الخارج قبل الداخل برسائلها الإعلامية المضللة التي تبثها على مدار الساعة، ولمست من حديثه اطمئنانه أن سورية بخير، وهي تعيش محنة تريد النيل من صمودها المشرف في وجه المخططات الامبريالية الحاقدة التي تهدف إلى إركاعها وخضوعها لطلبات السيد الأمريكي الغارق إلى قراريط أذنيه في المستنقع العراقي وفي أفغانستان وهو يتوسل حلاً يحافظ فيه على هيبته أمام العالم ويستمر في ذات الوقت بسرقة خيرات العراق ونفطه وعقوده التي أجرتها شركات أمريكية كبيرة فيها وبخروجه سيفقد كل تلك الميزات التي تبيح له سرقة المزيد من ثروات الشعب العراقي.

قبل أن أودع صديقي قلت له ماذا عن أصدقائك السوريين هناك في المغترب، قال لي لقد اتصلت بهم وقلت إن الوضع في سورية آمن وليس هناك أي شيء من ذلك التضخيم الإعلامي الذي يبث عبر الأقنية الفضائية المغرضة، وإذا كانت هناك بعض الاحتجاجات فهي لا تتم كما تقدم للمشاهد العربي في العالم.. إن بعض الفضائيات تفلفل وتبهّر الأخبار حسب الأجندة التي تعمل بها، وهذا ليس في صالحها فلا بد أن يأتي يوم يكتشف المشاهد العربي أن هذه المحطة أو تلك كانت لا تمارس الكذب عليه فقط بل وتتآمر عليه من خلال بث الأخبار الكاذبة والملفقة، إضافة إلى اعتمادها على شهود عيان غير معروف قرعة أبوهن من أين، الأمر الذي يجعل مصداقية هذه المحطة أو تلك مجال شك وريبة، فالمحطات المحترمة تعتمد على مراسلين موثوقين وعلى معلومات مأخوذة من مصادر موثوقة مثل وكالات أنباء أو صحف أو ما شابه وليس على أقوال شهود عيان مفبركين ومصنعين لهذه الغاية وثمة من يلقنهم تلك الأقوال، وأضاف: إن ما يحصل في سورية من إصلاحات مطلب للجميع، وأعتقد أن من يريد الإصلاح لا يقوم بالقتل والتخريب، من يريد الإصلاح لا يستغل الشارع، بل يبحث عن السبل التي توصله دون أن يعمد إلى أساليب غير حضارية ومؤذية حتى نرفع له القبعة احتراماً.

غاب صديقي عن ناظري بعد أن وعدني بلقاء قريب مع بعض الأصدقاء الذين سيأتي بهم من المغترب نجتمع فيه  تحت سقف الوطن الذي نحبه ونعشقه جميعاً، ربما نتحدث فيه عن أمنيات جيل عاش مرحلة ذهبية من حياة سورية الحديثة الصامدة والمقاومة على الدوام.