الانتفاضة السورية والخارج

مازن ميالة قرأها 541

لا يستطيع الباحث أو المراقب ألا يلحظ البون الشاسع في مواقف دول العالم العربي ومختلف الدول الاقليمية والمجتمع الدولي من انتفاضة الشعب السوري من جهة، وبقية الأحداث والانتفاضات الأخرى في العالم العربي من جهة أخرى.

 ولا أعتقد أني بحاجة الى تذكير القارئ بمواقف الدول التي تقود ما يسمى بالمجتمع الدولي قبل بضعة أسابيع او في الحد الأقصىى شهور قليلة، حين اتخذت أو اضطرت لاتخاذ مواقف واضحة وصريحة بعد أسبوعين أو ثلاثة من أحداث انتفاضة تونس ومن بعدها مصر يدعو الى استقالة رأس النظام في الدولتين. ولم يستغرق الأمر مدة أسبوع في ليبيا، حتى تسابق زعماء العالم الغربي والعربي الى رفع الغطاء وسحب الشرعية عن نظام القذافي وبدؤوا في دعوته للاستقالة.

أما فيما يتعلق بسوريا، فالأمر يختلف جذرياً. ثلاثة شهور  من القتل ومنع إسعاف الجرحى أو قتلهم في المستشفيات والاعتقال والتعذيب حتى الموت في أقبية الإرهاب، والاحتلال العسكري للمدن والقرى الثائرة وحصارها، وقطع للمؤن والماء والكهرباء والاتصالات والأدوية وحليب الأطفال، وتعدٍّ على الأعراض والأرزاق والممتلكات وسرقتها وتخريبها وحرق للمحاصيل وقتل للماشية. كل هذا يحدث ولم نسمع بأن دولة ما قد سحبت الشرعية عن هذا النظام الدموي وقطعت العلاقات الدبلوماسية معه وفيما عدا عقوبات مشكوك بجديتها ومردودها لم تفعل هذه الدول شيئا آخر.

لم نسمع بأن دولة عربية واحدة قد عبّرت عن مجرد أسف أو حزن لما يصيب الشعب السوري من محن وفظائع، أما جامعة الدول العربية فهي تبدو وكأنها بعين واحدة لا ترى بها، ربما تضامناً مع حلف الناتو، سوى ليبيا ودكتاتورها الوحيد الذي يسيء الى سمعة العالم العربي الحضارية، معمر القذافي.

لا بل الكثيرُ ممّن يسمُّون أنفسهم "زعماء العرب"، لا يجد أي حرج في أن يعلن تضامنه مع أخيه الجزار وعصابته على رأس النظام. أما الحلفاء في محور المقاومة والممانعة "باستثناء حماس" فقد هبّوا هبّة رجل واحد لمؤازرة حليفهم السوري في مأزقه ضد شعبه "المدجج" بسلاح التّوق للحرية والناكر لفضائل العبودية والقهر والذل الذي يغدق عليه بها حكامُه.

أما روسيا فلا أجد تفسيرا لموقفها، فيما عدا بعض المصالح التي تربطها بالنظام، سوى أنها لا تريد أيضا أن تزعل إسرائيل وشخوصها او اللوبي التابع لها في الخارجية الروسية، الذين لا يرون بطبيعة الحال، بديلاً للنظام يخدم أهدافهم الاستراتيجية. واذا كان الروس أو الصينيون ينتظرون أن يأخذوا ثمناً من الإدارة الاميركية، لموقف مختلف يدين النظام السوري، فهم بلا شك على خطأ، لان موقفهم الذي يحول دون إدانة الأمم المتحدة لهذا النظام العاتي لا يزعج الإدارة الأميركية لا بل قد يفيد غاياتها المستترة بالحفاظ على النظام ويجنّبها الحرج أن تظهر وكأنها السبب في عدم صدور إدانة من هذا النوع.

حتى تركيا، التي تربطها بسوريا "نظاما وشعبا" روابط الجوار ولديها مصالحها الجيوسياسية والاقتصادية، ورغم التهديد الذي يمثله عدم الاستقرار في سوريا للامن القومي التركي، فهي لا تزال تسعى لتحقيق المهمة المستحيلة في جرّ النظام الى النزول ولو جزئياً الى تحقيق رغبات الشارع السوري المحتجّ، من خلال البدء الفعلي في اجراءآت الاصلاح والإحجام عن التمادي في استخدام العنف ضد المحتجين.

هذا هو قدرنا نحن السوريين. ليس لنا بين الأنظمة والحكومات حليف نعتمد عليه. واذا أراد القارئ معرفة رأيي في السبب الكامن وراء هذه الحقيقة، فاني أدعوه لقراءة موضوعين كتبتهما مطلع هذا العام بعنوان "الإنسان أولاً" و"البقاء للأسوأ" وهما موجودان على موقعي على الفيسبوك.

هذا الامر سوف يعني بأن الثورة في سوريا وبالنظر الى أهميتها الاستثنائية على الصعيد الاقليمي والدولي، سوف تكون الأكثر كلفة ربما، لكنها مع ذلك وبسبب ذلك،  وبالرغم من بعض المساعي للتدخل الخارجي، وبالرغم من عدم نضوج البعض في المعارضة لمستوى التحدي الذي يفرضه مثل هذا الصراع بعدم التمثل الكامل للمصلحة الإنسانية والوطنية العليا للشعب السوري، ستكون وبفضل الأغلبية الوطنية الواعية، الثورة الأكثر نقاءً بين ثورات المنطقة والثورة ذات الأثر الأعمق على الصعيد الإقليمي.

حزيران 2011