الفصول والغايات
.jpg)
كذبَ الظنُّ لا إمامَ سوى العقـــــــــــــلِ مشيـــراً في صبحِه والمساءِ
لا أرى هــــذهِ المــــذاهــــــبَ إلاّ لاجتذابِ الدنيا إلى الرؤساءِ
أبو العلاء المعرّي
أستعير عنوان هذه المقالة من كتاب أبي العلاء المعرّي (الفصول والغايات)، وهو كتاب ضاعَ معظمه ولم يصل إلينا إلاّ القليل من فصوله.
الفصل1
خلال ثلاثة أشهر، انطلق حراك شعبي واسع في عدد كبير من البلدان العربية، بدءاً من تونس ومصر، إلى اليمن والبحرين والجزائر والمغرب وليبيا وسورية والعراق والأردن..ولن تكون الدول الأخرى، وخاصة المملكة العربية السعودية، في منأى عن ذلك، بل قد يكون الحراك المقبل فيها أشد، كاشفاً مدى هشاشة ذلك النظام النفطي الأقرب إلى الأنظمة البائدة، النظام الذي يستخدم مال العرب في التخفيف من أزمات الدول الإمبريالية، ولا سيما الولايات المتحدة الأمريكية، وفي لجم النهوض العربي والتقدم، وفي تأجيج النزعات الطائفية التقسيمية.
ومن يتأمل هذا الحراك الشعبي الواسع، فسيجد أن ثمة ما هو مشترك فيه، وما هو خاص.بدءاً من عوامله المباشرة وغير المباشرة، مروراً بمساراته وأساليبه والقوى الفاعلة فيه، ومواقف الأنظمة تجاهه، وصولاً إلى غاياته ونتائجه.
تحرّك الشارع العربي بعد ركود طويل، وانتفض الإنسان الذي غرق في مستنقع التسليم والرضا، معبّراً بركوده ورضاه عن تربية تسليمية تحكمت بتفكيره وحددت بنيته النفسية.
وإذا كانت الشعارات التي يطرحها هذا الحراك الشعبي الواسع متفاوتة بين المطالبة بإصلاحات سياسية واقتصادية وإدارية، والمطالبة بتغيير أنظمة الحكم، فإنها تدل على وجود سمات مشتركة في هذه الأنظمة، أهمها ما يتعلق بالديمقراطية والحريات السياسية والفكرية.
فحال الديمقراطية السياسية في البلدان العربية لا تخفى على أحد. والحدود التي يسمح فيها للمواطن (هذا إذا نُظر إليه بوصفه مواطناً) بمعارضة حكومته ومخالفتها وانتقاد الحاكمين هي حدود ضيقة جداً، تكاد لا تترك هامشاً للتنوع السياسي الحقيقي ولا تتيح ظهور تيارات فكرية مخالفة لما يريده الحاكمون، ولا تسمح بمعارضة فعلية منظمة تعمل في العلن وتقوم بنشاطاتها بحرية وتعبر عن وجهات نظرها بوسائل إعلام حرة وتستفيد من وسائل الإعلام الرسمية التي تقرّ الأنظمة السياسية الحديثة في الدول المتقدمة أنّ استخدامها حق للدولة وللمعارضين أيضاً.
ولا حاجة بنا إلى أمثلة تثبت ذلك، فالعقود الأخيرة بيّنت أنّ الإنسان العربي، ولا سيما العامل في مجال الثقافة والسياسة، عانى الكثير من تشدّد الحاكمين في قمع الرأي المخالف، ومن الطابع الأمني للأنظمة العربية، ومن منع النقد أو تضييق مجالاته إلى حد حظر التطرق في النقد إلى مواقع معينة أو مواقف سياسية وممارسات اقتصادية من الطبيعي أن تختـــــــــلف فيها الآراء والاجتهادات.
يستند ذلك كله إلى قوانين استثنائية تعطّل المبادئ العامة المنصوص عليها في الدساتير والمتعارف عليها عالمياً، تلك المبادئ المتعلقة بحقوق المواطنين السياسية، التي تنصّ على الكثير منها دساتير معظم الدول العربية، ولكن حالة الطوارئ والأحكام العرفية المفروضة تجعل هذه الحقوق حبراً على ورق.
وقد أتاح ذلك كله للأوساط المتنفذة اقتصادياً وإدارياً، أن تجعل الكثير من مؤسسات الدولة مؤسسات شكلية، لا دور لها، بل تُفرض فيها، وعليها، إرادة هذا المتنفذ أو ذاك.ولعل الأمر وصل في البلدان العربية إلى جعل الدولة ذاتها، وفق المفاهيم الحديثة، دولة غير موجودة، وقد يكون استخدام مصطلح (البلدان العربية) أقرب إلى الصواب، فمصطلح (الدول العربية) يوهم أنّ الدولة موجودة بالمعنى الحديث للكلمة، والواقع هو خلاف ذلك.
لقد تطور مفهوم (الدولة) تطوراً هائلاً، وانتقلت المجتمعات الإنسانية المتقدمة منذ قرون إلى بناء الدولة على أسس صارت معروفة لكل من يهتم بالثقافة السياسية في بلداننا العربية ذاتها. فأين (دولنا العربية) من هذه الأسس؟ وسأذكر هنا فكرة جميلة جديدة للأديب والمفكر محمد كامل الخطيب، جاءت في مقالة عن الحراك الشعبي العربي نشرها في جريدة (الحياة)، يرى الخطيب أن هذا الحراك سينقل المجتمع العربي من القرن الثامن عشر إلى القرن التاسع عشر، أما الوصول إلى القرن الحادي والعشرين فسيكون عبر مخاض وثورات وثورات مضادة.
الغاية
أعود إلى ما بدأت به هذا الفصل. لقد انتفض العالم العربي بصورة لم يسبق لها مثيل، خلال فترة قصيرة. فهل في الأمر نوع من العدوى؟
سأستنتج من هذا الواقع الجديد، ومن هذه العدوى إن كان في الأمر عدوى، أنّ العرب في كل بلدانهم، موحّدون في المشاعر والإرادات، وإن اختلفت سياسات الحكومات ومصالحها.
نعم، موحّدون، لقد انهاروا معاً في ظروف سابقة، ووقعوا معاً في التسليم والرضا، وها هم أولاء يتحركون معاً، على اختلاف التفاصيل والظروف والوسائل.
قال صديقي الشاعر صقر عليشي في حديث بيني وبينه، إن الوحدة العربية قائمة في نفوس الناس، فالثقافة العربية، بتلاوينها وتياراتها، باتجاهاتها التنويرية والعقلانية والحداثية والظلامية، هي واحدة في كل البلدان العربية، ولا أشعر بفروق تذكر عند مجالستي مصرياً أو عراقياً، أو لبنانياً أو أردنياً أو فلسطينياً، سوى تلك الفروق التي تظهر بين سوري وسوري.
ولا يعوّق الوحدة، كما رأى صقر عليشي، إلا الحكام الذين يقدّمون مصالحهم على مصالح الأمة.
الفصل
سأوجه هذا السؤال إلى كل من يؤمنون بالله، على اختلاف أديانهم ومذاهبهم مَنْ الأكبر، الله أم الأديان؟
ولا أشك في أن كل مؤمن يعتقد أن الله هو الأصل والمبتدأ والمكوّن، وأن الأديان رسالات أوصلها إلى البشر عن طريق بعض أنبيائه، كي تكون هادياً لهم ومعزّزاً لقيم الخير والحق والجمال، ودافعاً للتآخي والتحابّ والعمل المثمر.
فإذا كان الأمر كذلك، فلماذا يحوّل الناس الأديان إلى ذرائع للصراع والاقتتال؟
وإذا كان الناس المؤمنون على اختلاف أديانهم، يصِلون إلى الله، فلمَ لا يكفّ بعضهم عن تكفير بعض؟ ولمَ لا ينظرون إلى الغاية ويجتمعون حولها، برغم أنهم يبلغونها بطرق مختلفة؟
المؤمن الحقيقي ينطلق من ضرورة الإيمان بالله، ويترك لغيره الحق في اختيار طريقه إلى ذلك. لكن المشكلة ليست عند هذا المؤمن الحقيقي، بل هي عند من يحوّلون الدين إلى وسيلة لتحقيق مصالحهم، ويسعون إلى إخضاع الناس لإراداتهم.
هذه المسألة يدركها كلّ من يعود إلى التاريخ ويدرس الصراعات والحروب التي غلّفت نفسها بغلالة الدين. إنه يلمس المصالح الاقتصادية والسياسية تحت تلك الغلالة، ويعرف مثلاً أن (الحروب الصليبية) لم تكن سوى حروب عدوانية استعمارية، وأنّ أي احتلال لأرض الآخرين، باسم الدين يخفي أهدافاً سياسية واقتصادية، وأن إقامة الدولة على أساس ديني، أو على أساس وحدة الدين، كما هي حال إسرائيل، باطلٌ.
من هنا جاءت الفكرة العلمانية الحديثة فصل الدين عن الدولة والسياسة. فللدين حقله وللسياسة حقلها، وكل سحب لأحدهما إلى حقل الآخر يسيء إلى كليهما.
والحراك الشعبي العربي الحديث، الرامي إلى الإصلاح والنهوض وبناء الدولة بمفهومها الحديث، يكون طبيعياً وفعالاً بمقدار ما يأخذ بهذه الفكرة العلمانية.
خطير جداً أن يحاول متزمتون دينيون استغلال هذا الحراك الرامي إلى الإصلاح السياسي والاقتصادي، ودفعه باتجاه الدعوة إلى ما يسمى بالدولة الدينية أو النظام الديني.
إن ذلك يخرج الحركة الإصلاحية من حقلها السياسي المدني، ويخرج الدين من حقله الإيماني والإنساني والأخلاقي، ويزجّ به في يوميات السياسة وذرائعيتها وصراع المصالح.
لقد بيّنت التجربة التاريخية، قديمها وحديثها، أن الدول الدينية كانت في حقيقتها دولاً مذهبية. فالذين يحكمون باسم الدين يقيمون حكمهم على أساس فهم المذهب الذي يعتنقونه لهذا الدين. وبالتالي، فإن كل دعوة إلى حكم ديني هي في حقيقتها دعوة إلى حكم مذهبي أو طائفي.
ولعل أخطر ما في الأمر، ولا سيما في البلدان العربية ذات التنوع الديني والطائفي، أن تنهض المشاعر الطائفية، ويُستغل الحراك الشعبي للتعبير عن احتقانات طائفية تحوّل المسألة من حركة ترمي إلى الإصلاح السياسي والاقتصادي إلى حركة تدمّر المجتمع وتعود به إلى العصور الوسطى، وتسيء إلى الأديان وإلى البشر.
الإنسان هو القيمة الكبرى، وقد بحث المفكرون والمصلحون والسياسيون عبر العصور عن السبل المؤدية إلى تحسين ظروف حياته، كي ينعم بالفرصة المتاحة له للعيش على هذا الكوكب الجميل. وجيلاً بعد جيل ترتقي الوسائل المادية والمعنوية التي تحقق هذا التحسين، ويتقدم الإقرار بحقوق الإنسان الطبيعية، ومن أهمها حقه في الاعتقاد والتفكير والمشاركة السياسية، وحقه في العمل المنتج والعيش الكريم، وغير ذلك من الحقوق التي تتصاعد مستوياتها بمقدار التقدم العلمي والاقتصادي والثقافي والتجربة السياسية.
الغاية
حين نقول إن الإنسان هو القيمة الكبرى، يترتب على ذلك النظر إليه بوصفه إنساناً، بغض النظر عن انتمائه الفكري أو السياسي أو الديني أو المذهبي.
واعتماد هذه النظرة الإنسانية دليل على تقدم المجتمع من جهة، ودافع لهذا التقدم من جهة أخرى.
وكم سيكون مفيداً أن تتحلّى بها أطراف المجتمع كلها، برغم صراعاتها.