قراءة في رسالات السبعلاني: الدراسة الكاملة للاستاذ جوزيف حالوت

جوزف حالوت قرأها 995

        "رسالاتُ    حبٍّ    كثار" عنوان واحد في كتابين من الحجم المتوسط، للنقيب أنطوان السبعلاني؛ ظهرا في السنتين الأخيرتين في المكان ذاته، (معرض الكتاب -انطلياس) وفي الزمان ذاته) آذار) وأمام هذا العنوان يتساءل القارىء: ما حدا بالمؤلف كي يتبنّى هذا العنوان، وكتب العشق ورسائله تملأ البسطات في الشوارع، ويستغلّها المراهقون لإغواء من يحبّون؟ وإذ يدفعه الفضول لقراءة الرسالة الأولى: "رسالة حبّ في جبران العاشق" يغرق في القراءة بنهم، بمتعة، مأسورا بسلاسة الأسلوب وسحره، مغمورا بنوع من الغبطة الأدبية، غبطة من يكتشف صدفة كنزا من الكنوز الأدبية وما أندرها هذه الأيام . فأين يكمن جمال هذا الكتاب وما سرّ سحره الآسر؟

    العنوان "رسالات   حب   كثار"، أمّا المحتوى، فمجموعة من الأنواع الأدبية المختلفة، من الرسالة إلى السيرة الذاتية، فالمقالة، فالقصّة، وتحمل كلّها هموما أدبية، وفكرية، وانسانية مشتركة، ويتنوّع فيها الأسلوب ويتموج بتنوع الأغراض وتموّجها.

-1- الرسالة:

هذا النوع ليس جديدا في عالم الأدب، عرفته أوروبا  كما عرف في الأدب العربي . ومن أشهرالرسائل في أوروبا: رسائل  (Mme de Sévigné) في القرن السابع عشر، ورسائل ديدرو  وروسو وفولتير القرن الثامن عشر  وفلوبير في القرن التاسع عشر في فرنسا.

 ولا بدّ من الإشارة هنا إلى أنّ القصّة في القرن التاسع عشر انتهجت الرسالة أسلوبا، فكانت روائع روسو "جولي – أو" Heloise الجديدة"، و"لاكلو " في العلاقات الخطرة" وكانت رائعة غوته: "آلام فرتر" في فرنسا وألمانيا.

    فهذا اللون إذا ليس جديدا طارئا في الأدب، وان كان هامشيا قياسا إلى غيره من الألوان الأدبية، بيد أن الكاتب في هذا الكتاب أعطاه نكهة "سبعلانية"، ميّزته عن غيره ممن سبقه وارتقت به إلى مستوى يجعل منه مدرسة قائمة بذاتها، لا يقلّد فيها ولايجارى.

العنوان: عبثا تفتش في "رسالات حبّ كثار" عن رسالة حبّ واحدة، كما لن تجد في كل من يراسلهم اسم امرأة واحدة؛ فالحبّ في الكتاب ليس العشق كما عند سواه من شعراء الغزل، إنّه أسمى، وأعمق وأشمل . إنّه شعور إنسانيّ، يخرج الكاتب من نفسه ليتحوّل صدى لمشاكل الناس يحنو عليها بعطف، ويرقّ للشكوى، ويضمد جراح المعذبين، يؤاسي المحزونين، يفرح لأفراح الناس ويثور في وجه جلاديهم، مدافعا عن حقوقهم.

المرسل إليهم: إلى من يتوجّه الكاتب في رسالاته، وكيف يخاطبهم؟

إنّ شبكة المخاطبين في كتابيّ السبعلاني واسعة جدّا . تذهلك كثرة الأسماء واختلاف المشارب، والمذاهب والمقامات. يكتب للوطن كما يكتب للمهجر، يراسل القريب كما يراسل البعيد، وأمامك تمرّ أسماء طلابه، وزملائه، كما يمرّ الشعراء والكتاب والصحفيون والمحامون، ويراسل رجال السياسة، وتنتقل من "بوسطجي الضيعة" لتصل إلى شارل مالك فسليم الحص فعبد الناصر، لا فرق، كأنّ الكاتب وتر بل مجموعة أوتار مشدودة تؤالفها ريشة العازف الفنان.

    أمّا المواضيع التي يكتب عنها، فرهن بمن يكاتب . إن حدّث نقابيا حدّثه عن النقابة، وعن الجهاد الذي كان يجمع بينهما . وإن توجّه إلى أحد تلامذته القدامى، ملقيا الضوء على كتاب له أو رسالة، راح يناقشه بعمق ودماثة بعيداّ عن أيّ فوقية، أو ادّعاء، متابعا رسالة تربوية كان قد بدأها معه أيّام المدرسة.

     وغالبا ما يبدأ رسالاته بعبارات الودّ والتهذيب المعروفة: صديقي... أخي... سيدي الدكتور... سيادة فخامة الرئيس...، وتنتهي  ببساطة قبل أن ينهيها لشعورك بأنّه قال كلّ ما يجب أن يقال.

    وبين البداية و النهاية تخطفك الأمواج فجأة، إلى أعماق البحار، تؤرجحك تارة وطورا ترفعك لتبلغ ذروة المتعة الأدبية، بأسلوب له وحده، يبتعد فيه عن القوالب المحنطة، ويدهشك ما عنده من بساطة الكلمة القريبة أحيانا من اللهجة المحكية، وإيقاع العبارة الشعري، وانتقاله السريع إلى الوجدانية فالفصاحة، والنقيب يتقنهما معا أيما اتقان.

    أسمعه يخاطب جوزيف خيرالله(ج2، ص136) "شوقي اليوم اليك مثل حنين، إلى هاتيك الأيام، الغنية جدّا بالصداقة والوفاء" وإلى جوزيف حالوت رفيق نضاله في ذكر معلمي الشمال في الستينات يقول: "يا قبائل معلّمي الشمال في الستينيات، يا أهلي الطيبين، يا من حملتم على أكتافكم الحرية، والديموقراطية، إلى نقابة المعلّمين، يا ملحمة النضال التاريخي، سلام الله عليكم".(ج2، ص 113).

    وعندما يخاطب رجال السياسة، فمخاطبة الندّ للند، مواضيعه انسانية بحتة، بعيدة عن كلّ سياسة، على مذهب أن كلّ ما هو إنسانيّ، فهو نقابي، والعكس بالعكس . ففي  رسالة " لمن تقرع أجراس الشعانين يا فخامة  الرئيس؟" يقول: "إنّ كاتب هذه الرسالة تشغل باله قضيّة الإنسان من زمان، وقضية المعذبين في الأرض" (ج2، ص23) . كما يقول في رسالة إلى طربيه رحمة (ج2، ص7):

  إنْ   جاعَ   طفلٌ   خِلتُ  أنّيَ   مذنبٌ أوْ  أنَّ  عصفورٌ...وقفتُ ببابهْ.

  و للصحافيين في كتابه مقالة ورسالتان، أمّا المقالة فهي لغسان التويني، (ج1، ص170). وأمّا الرسالتان فواحدة لميشال أبو جودة (ج 2، ص 77) وأخرى لأدمون صعب (ج2، ص160)؛ والجامع بين هؤلاء الثلاثة أمران "النهار"، والحرية. فغسّان التويني"رجل بينه وبين الحرية عشق"، وإدمون صعب ورث حبّ الحرية عن والده الفلاح الذي كان اذا " أمطرت السما، غنّى الحريّة.... ويغنّيها اذا ما انحبست عنه السماء."

     ولا ينسى المحامين في شبكة رسائله، ويخصّ اثنين منهم بأجمل ما يقال في محام، الأولى للنقيب عصام كرم(ج1، ص98) والثانية للنقيب رينيه غنطوس(ج1-ص122)، يحيّي عند النقيبين علمهما الواسع، ووقوفهما إلى جانب الحقّ، والدّفاع عن الحرية والانسان، ببلاغة أين منها "شيشرون وميرابو"، و ما يوحيان اليه من "أمان" في زمن الخيانات. تفوح منهما رائحة الصدق والإخلاص و" عبق كاتدرائية قديمة".

      وأخيرا يراسل الكتاب والشعراء: أنطوان فرنسيس، ميشال عاصي، أسعد السبعلي، يوسف روحانا، أفرام البعلبكي، حسين الجسر، فوزي يمين، جوزيف أبي ضاهر؛ يتناول أعمالهم الشعرية أوالنقدية، محلّلا، محاورا، مناقشا، معبّرا عن موقفه من الأدب، والفكر والنقد والشعر، معتمدا على تجربته الشعرية وعلى أسلوب له في الكتابة بعيد عن الرتابة، خلاق . يقفز من النثر إلى الشعر، يحملك حيثما يشاء، يتلاعب بعواطفك، ينسيك ذاتك، فتستفيق مذهولا من براعة الربان في خوض غمار الأمواج . يقول في رسالته إلى ميشال عاصي:" كنت في جزيرة ماجوركا مع شوبان وجورج صاند ساعة وصلت رسالتك الحلوة على غير موعد.فردّتني إلى الضيعة، البيت العتيق!!ثمّ أخذتها بلطف، غبار السفر على كتفها، وعلى كتف شوبان . ما أتعب السفر في الوطن هذه الأيام!... ثمّ يتابع وقد امتلأ قلبه بالحبّ والحنين: "رسالتك قرأتها بأصابعي،وبقلبي، حجارة البيت الذي تربّى على الوفاء، وربّانا، تمتمت معي..."

       وهكذا فرسائل السبعلاني كثيرة كثيرة، وهي، الا فيما ندر، أحادية الإتجاه، متنوّعة المرامي والأهداف، ويجمعها الحبّ لا العشق، بأنبل معانيه وأسماها . إلا أنّ الرسالة ليست الغرض الأدبيّ الوحيد في الكتاب، بل هنالك أيضا المقالة التي تأتي تارة بقالب علمي وتارة بقالب أدبي شعري، وطورا بقالب قصصيّ ومسرحيّ .

-2- المقالة

 للمقالة أيضا لونها الخاص عند السبعلاني، فهو عقل منفتح على الأحداث لا سيّما الأدبية منها، بعيد كلّ البعد عن الأحداث السياسية؛ له في الشعر رأي وتساؤلات؛ وفي النقد الأدبي منهج ومذهب. وباختصار كليّ يعتبر أنّ الشاعر غريب في وطنه، غريب بين أهله، يعبّر عن نفسه بأنانية الشاعر غير المؤذية، "فالأنا " الشعرية أساس في اللعبة لعبة الشعراء، والشاعر لا يفهمه الا الشعراء، (ج1، ص108). ثم يتساءل  بقلق في غير مكان عن ماهية الشعر:

"أيكون الشعر استراحة للعقل الضارب في صحراء  الحقيقة؟

أيكون الشعر أنشودة المرتاح إلى إيمانه   المضوّي على دروبه العقل؟

أم أنّه المعراج؟

أم الكاترسيس المطهّر بلغة الإغريق؟

أم أنّ الشعر كلّ هذه مجتمعة؟ "( في بيت الشيخ نديم الجسر،ج1، ص77)

فالشعر يأبى التصنيف، وبالرغم من اعجابه بالشعر العموديّ المنبريّ، لا يتنكّرللشعر الحديث وقد كتب في كليهما.

وآراؤه في النقد الأدبي واضحة: (مواكب جبران ج1، ص59) و (أفرام البعلبكي ص 102) وستديو الفن (ص203): على الناقد ان يكون مثقفا واسع الاطلاع، جريئا متجردا يتحاشى الأحكام المسبقة والتعصّب الذميم، وألا يتصدى للشعر إلا إذا كان شاعرا !!

هذا النوع من المقالات، وإن متماسكة متسلسلة، يغلب عليها الطابع العلميّ أحيانا ترقيما وتبويبا ومساءلة ومنطقا، إلا أنّها ليست جامدة أو جافّة لا بل خالية من التجريد المملّ، يعينه على ذلك الاستطراد وسهولة في الاستشهاد بأبيات هي من عيون الشعر، ورواية لبعض الأحداث الواقعية، بقالب ممتع جذّاب، كما أنّ في المقالات:(سعيد عقل شاعر متوّج ج1، ص29 وهنا غنّى عمرص42 غسان تويني وزيرا للتربية ص67 وفي بترا فيروز ص209) ثقافة انسانية واسعة، تميّزها الدقّة في الأسماء والتواريخ(محسن أ يمين، ج1، ص 148).

       ولا يكتفي السبعلاني بالمقالات الفكرية، بل أجمل ما كتب هي تلك الصفحات الأدبية التي يليق بها أن تتصدر كتب المختارات النثرية: يزوره بوسطجي الضيعة، فتأخذه الحسرة على ضيعة آخذة بالانسحاب أمام زحف المدينة وحضارة الحديد؛ "يا بوسطجي الضيعة، يا موزّع الأحلام، والأموال، كما بابا نويل، والغرام كما بنوعذرة! يا بيّاع السعادة ببوسة بحلوينة أو دعاء! أنت يا بنك الضيعة ويا جسرها عبر البحار! يا بئرا عميقة وكرسي اعتراف، أصحيح أن لا مكاتيب في شنطتك التي تمشي على دروب الضيعة؟ أصحيح أن صبايا الضيعة ما عدن ينتظرنك عند الشبابيك؟".

      وعن قهوة الست فريدة (ج1 ص116) يقول:"شرب القهوة في الضيعة قبل تعاطيها الدولار، كما نيويورك نفسها، كان تاريخ حبّ، وعادات تساوي مواعيد حبّ. ويا ألف قصيدة، وألف أغنية، وألف حكاية حب تقرأها، وأنت تقرأ في فنجان قهوتك، تاريخا صار بعيدا جدّا. "

    ولا بدّ من الإشارة إلى براعة الكاتب في إخضاع اللغة إلى شتى أنواع البلاغة والبيان. أنه يجلد الكلمة ليخرجها من رحم المعاناة، مشحونة بدفق من الشعور العميق، والإحساس المرهف . التشابيه والاستعارات وكذلك الإيقاع، كلها عنده طريفة، مغناج، خالية من الصور المحنّطة، والقوالب البالية: "النضوج في الشعر،أطيب ن نضج التين والعنب في ضيعتنا التي كانت، والعناقيد المذهبة، كخصلات شعر من تغزلت بهن"(ص114).

وفي موضع آخر يقول: "عالم القصيدة، عالم امرأة جميلة، اذا عرفت أن تعاطيها، أعطتك مفتاح شقتها، كلمة السر، وانتظرتك بقميص النوم الزهري، على حافّة السرير... وإن أخطأت اللعب مع القصيدة، باعتك الحبّ ّكبنات شارع المتنبي، أيّام زمان في بيروت".

     وعلى عادته ينهي حديثه بدعابة " مسكين المتنبي، بلدية بيروت كرّمته أكثر من اللزوم.."(ص141) . أمّا عند صدور كتاب جديد فإنه يحييه هكذا:" الله، فرائحة الحبر الأسود، كرائحة قهوة الصباح ومنقوشة الزعتر، كرائحة جريدة الصباح، تنتظرك على رصيف المتحف، بيروت أو تنتظرها..."

وفي مقالته عن عمر ابو ريشة(ج1، ص43) يتذكّر مدرسة الفرير، وتخنقه الذكريات، فيبكي عليها كما لم يبك ملك ملكه المفقود، ويقول: "مات عمر.. وماتت مدرسة الفرير، طرابلس، والأشجار الكبار، ومات المدير العملاق، والقاعة الكبرى!".

وأنا اليوم كاتب هذا المقال، تجيء على بالي الصور والذكريات، والأصحاب، والأسباب، فأستعين بقول لعمر نفسه لآخذ بهذا المقال:

        تعالَ    نسرحْ على   أدنى    ملاعبها     

                                        فقد تحنُّ  ّ إلى مرآتها   الصورُ .

الحنين يقتلنا إلى ملاعبنا، إلى معهدنا، وهو ملك طرابلس والشمال كلّه، إلى المرايا المكسّرة، إلى وجوهنا المكسّرة."

    ومقالات السبعلاني لا تخلو من روح النكتة الظريفة، والفكاهة الذكية البريئة، فمكتبة الشيخ ناصيف الشمرّ، أغنى من مكتبة الاسكندرية، ومكتبات بغداد أيام الخلفاء العباسيين،إلا أنّ عيب الشيخ ناصيف أنّه لا يقرأكثيرا.. ولو فعل لرضي عنه سميّه اليازجي.".

والشيخ فخور بنسبه " يحلف على الإنجيل، في كنيسة مار ماما، جارته، أنّ آل الشمر من الغساسنة، ويقدّم المراجع والتواريخ ... إلا أنّ أجمل ما فيه بيعه المشيخة عند اللزوم بكاس من العرق".(-ص155).

هذه المكتبة، الكائنة في قبو الشيخ المسحور، تحرسها من الجرذان والفئران، حيّة بيتية.

والسبعلاني لا يخفي خوفه من الحيّة التي فاجأته في قبو بيته العتيق. والطريف في هذه الحادثة، نهايتها على الشكل التالي: "سركيس الدويهي، بعد أن، أخذ للشيخ صورا في قبوه المسحور، وأنا في الخارج، سمع خربشة قوية، قال: أيّ شيء هذا؟ قلت: انتبه يا سركيس الحيّة تتحرك. فسقطت الكاميرا من يده، وهرب، وفلت لسانه على الطريقة الزغرتاوية... وظلّ الشيخ مشغولا بتصنيف كتبه".(ص158)

قطع أدبية، موشحة بأبيات من عيون الشعر العربي، وثقافة انسانية واسعة، تنوّعت وتنوّع في المواضيع؛ واتقان لأساليب البلاغة، تبكيك بغنائيتها، وتضحكك بظرفها . هذا بعض من ملامحها وما لم يذكر أكثر بكثير. تتوجه القصة في الأدب السبعلاني.

-3- القصة، وأساليبها في الكتاب.

السبعلاني قصاص بطبعه، السرد القصصيّ يشكل جزءا من مقالاته ورسالاته . ولكم طالبته بكتابة الرواية والقصة على ما أعرفه فيه من راوية لبق، وقاصّ آسر، الا أنّ عشقه الشعري كان الأقوى .

     والقصّة هي حادثة تجري في الزمان والمكان، لها بداية ولها نهاية، يعترض أبطالها عوائق أو أحداث تشكل الحبكة القصصية او العقدة، وهي إلى جانب الحوارات، من أهمّ عناصر التشويق في القصّة التي تنتهي بتذليل هذه العوائق.. 

   عالم القصة هذا متوفر عند السبعلاني في اربع مقالات:" لقائي الأوّل بأمين نخلة" (ج1، ص35) ""ونسيت ولدي في بترا فيروز" ( ج1ص209) و"يا سيدة سبعليربح زيكو"(  ج1، 28  1  ). وأجملها على الاطلاق: " ليلة لبنانية في الجنّة" . وهي أقرب إلى المسرح الغنائيّ  منها إلى القصّة.

   ويصحّ في هذه المقالات تسمية القصة القصيرة la nouvelle )):  شخصياتها قليلة، كذلك العقبات؛ سرعة في الانتقال من نقطة البداية إلى نقطة النهاية، أو الوصول، يواكبها حوارات حيّة ورسم للشخصيات قائم على الانتقائية الملونة دون اسراف، بأسلوب مغرق في التشويق، وجوّ من الظرف والدعابة، وخفة الروح الذي تحلّى بها الراوي.

   " يا سيدة سبعل يربح زيكو": هي من أطرف القصص القصيرة، ففي البداية جهل الراوي "بحضارة الأقدام" . تقابله شهرة زيكوعلى شفاه أولاده الصغار، وشفاه طلابه، وعلى اللوح الأسود في المدرسة، وعلى الحيطان في شوارع البلدة . أمّا العقدة فهي في الخطر المحدق بزيكو في مباراة البرازيل وايطاليا.

وبأسلوب فيه الكثير من الظرف تنطلق أحداث القصّة؛ زوجة الراوي توقظه:" قم إنّ زيكو تعبان "  فيجيب: "يحرق...زيكو".  في بيت أخته "هستيريا من الحماسة" . حتى أم إدوار التسعينية شديدة القلق، والكل يصرخ: "يا سيدة سبعل..." الا أن القدر لا يرحم... خسارة زيكو نكسة وصلت حتى" أبو سايد الفلاح العتيق الحزين" يقول: " ما عدت أقدر أن أرى الرقم عشرة  يا نقيب! قلت: وماذا يعني الرقم 10؟ قال: زيكو.. قلت: حتّى أنت يا بوسايد..؟!"

 " نسيت ولدي في بترا فيروز": الموضوع: مسرحية فيروز الشهيرة.

العقدة الأولى: لامبالاة الراوي بالمسرح، يقابله ولع الزوجه بمسرح فيروز.

العقدة الثانية: اصرار ولده بيار ابن الخمس على مرافقة والديه، وهذا لا يسمح به عادة في كازينو لبنان. ولدى تنازل الأب عن لامبالاته، تتنازل الأمّ عن ممانعتها، ويذهبون برفقة العم (والد الزوجة) إلى الكازينو. تغني فيروز، فتسقط عند الراوي حواجز التردد، وينتقل على نغمات صوت فيروز إلى عالم من الخيال والجمال، كأنّه ليلة أحلى من ليالي "ألف ليلة وليلة". "هناك اليواقيت المرصودة تحرسها عرائس الجنّ" .وإذ يقع الجميع تحت تأثير هذا السحر، ينسون بيار نائما على مقعده في المسرح، ولا ينتبهون لغيابه الا في منتصف طريق العودة...

   " لقائي الأوّل بأمين نخلة": الوصول إلى أمين نخلة دونه عقبتان: "بابه المرصود" وحراسة "خادمة صبية" يرفدها "كلب شبعان" . وعلى عادته، يصوّر الكاتب مهمّة الوصول إلى أمين نخلة وكأنّها مهمّة مستحيلة. إلا أنه " بورقة صغيرة بيضاء، من علبة سكائره"، يكتب عليها الشاعر بيتا من الشعر يذلّل العقبتين معا . ويدخل البيت، فيطلّ عليه الشاعر" بقامته الطويلة، بنظارتيه، وبابتسامة الرضى على شفتيه، وعلى الجبين"؛ ثمّ يبدأ الحوار متوثبا، سريعا، حميما، وتنتهي المغامرة باعتبار الزائر من أهل البيت، ودعوته لتكرار الزيارة.

-4-المسرح في كتاب السبعلاني.

"ليلة لبنانية في الجنّة" هي من أجمل ما كتب في الأدب العربيّ حول شعراء لبنان وأغناه. تذكّرك بجحيم دانتي، ورسالة   الغفران  عند أبي العلاء، فيها سطور ملحمية، وحكايات خيالية، وفيها مسرحية غنائية  تحتاج مخرجا يوزّع الأدوار، وملحنا يرافق الشعر بألوان من الموسيقى على أوتار عود شرقي.

 في المشهد الأوّل: انتقال أمين نخلة إلى "هناك": "شبح طويل أبيض، ينحدر من أعالي الجبال، في يده عصاه، وعلى الشفاه تمتمات، وفي أكياسه خبز و خمر وأشعار. وراح يضرب في الصحراء الأبدية، الخرساء، وحده." يا الله ما هذه الروعة!!

وترتفع الستارة، فإذا المشاهد أمام واحدة من المدن العربية القديمة، دمشق، أم بغداد لافرق، فيها مجموعة من الأحياء و الحارات، وأهمّها الحارة اللبنانية الممنوعة إلا على الشعراء . ولدى وصوله، " قام اليه حارسان، وقالا: من الآتي الينا؟ قال شاعر من لبنان، له عندكم أهل وصحب. قالا: يا أهلا بكل شاعر من لبنان، ومرحبا" .

 المشهد الثاني: استقبال الشاعر . وإذ يواكب الحراس الشاعر، مجتازين أحياء "ذات العماد" الحارة المصرية، الحارة السورية، يصرخ مناد: "الآتي من عندنا شاعر من لبنان، أنظروا موكبه أمين نخلة في ذات العماد".

"ومشت في الحيّ ضجّة، ونخوة.

وإذا أشجار كبار، في الجنّة، تميد كما أرز الباروك.

وإذا حوريّات عاريات، يطلعن من هنا، ومن هناك، يواكبن، راقصات، ذلك القادم من لبنان.

وينتهي هذا المشهد بلقاء الوالد بولده، يميل عليه، يشبعه ضمّا وتقبيلا، ويبوّس الأمين يدي أبيه . ولعبت على خدّيهما دمعتان" . وانغلقت الستارة.

لن يقال بأمين نخلة أجمل من هذا الكلام، لا شعرا ولا نثرا، كائن أسطوريّ ينزل من عالم أسطوريّ .

المشهد الثالث تتويج أمين نخلة. ( ترفع الستارة من جديد) لم ينصف الشاعر في وطنه، وهو حيّ، لذلك يسعى زملاؤه الشعراء إلى إنصافه في دنيا الخلود، يجلس الجميع" تحت ظلال خميلة، أكبر الخمائل هناك" ترافقهم حوريات وكؤوس، مدّت على البساط الأخضر وعلى العشية من مواسم عبقر" وتمرّ قافلة الشعراء يعرفهم الأمين بأسمائهم واحدا واحدا، " أحاديثهم أبيات من الشعر ويبدأ الاحتفال: مبايعة أمين نخلة وتتويجه على يد الأخطل الصغير قائلا: " ها أنا باسم شعراء لبنان في  ذات العماد، أبايعك، حاملا اليك التاج والبرد، والمطارف، والسرير..."

وقبّل الأمير أميرا.. وصفق الشعراء طويلا وقاموا إلى الأمير وإلى أبيه مهنّئين.

والشعراء هم إلى جانب الأخطل الصغير، شبلي الملاط، خليل مطران، أبو شبكة، أبو ماضي، المعلوف، لبكي، وعبدالله غانم، وفي زاوية بعيدة جبران. أمّا الذي يعرفهم واحدا واحدا ويروي لهم وعنهم، فهو السبعلاني، الشديد الاعجاب بالشعر العمودي.

أي جمهور هو هذا الجمهور!!

المشهد الرابع والأخير: تهنئة أمير الشعراء أحمد شوقي.  "يطل موكب الأمير، يتهادى فيه كسالك في العاج أومتعثر في المرمر" . وهنا يتجلّى حسن الضيافة اللبنانية، فالقادم أسطوري هو أيضا، " قصّت عليه الحور شذورا من غدائرها، خلعتها عليه لباسا" . وإذا   مارون عبّود   تغمزه  وشوشة من الأخطل، تمسك عليه لسانه، يخفّ الشعراء لاستقبال شوقي الذي " مال على الأمين مرحّبا، وقبّله قبلتين...فقبّل الأمين يديه" .

وتنتهي المسرحية برقصة مصرية، تؤدّيهاالحوريات لشوقي على أنغام يا "جارة الوادي". ويقف الجميع منشدين: "كلّنا للوطن"، وتسدل الستارة.

-5- السيرة الذاتية

اذا حدثك روى فأمتع، وإذا جادلك روى فأقنع، وان استرجع الماضي أو رجع به الخيال، لجأ إلى السرد أسلوبا شيّقا؛ فهو الراوي وهو موضوع الرواية، يبرز حضوره في كلّ صفحة، وفي كلّ عبارة .. فهل لهذه الأسباب يمكن اعتبار كتابه هذا سيرة ذاتية.

اعترافات روسو (les Confessions     ( هوأوّل كتاب في هذا النوع، كتبه جان جاك روسو الأديب والمفكر الكبير، في القرن الثامن عشر، يروي فيه قصّة حياته، منذ تاريخ ولادته حتى تاريخ إنجازه الكتاب. ثم تلاه شاتوبريان في القرن التاسع عشر، فكتب مذكّرات من خلف القبر ( Mémoires d’outre-tombe)، وان أوحى عنوان الكتاب الأوّل رغبة كاتبه في تنقية وجدانه من شوائب الإثم، فيذكر أدٌقّ  التفاصيل وأكثرها حميمية، فإنّ في  عنوان الكتاب الثاني، صوتا قادما الينا من وراء القبر من دنيا الخلود ويبتعد شاتو بريان عن ذكر مواطن الضعف مستعينا بجمال الأسلوب، جازما أن كلّ ما هو جميل هو حقيقيّ " والحقيقة تكمن في الجمال". وقد اعتبرالنقاد أن اعترافات روسو بمثابة مرافعة كبيرة صاغها محام بارع، ليدافع فيها عن نفسه، من هول مؤامرة كبيرة حاك خيوطها ثلة من رجال الدين والفلاسفة، ورجال الدولة. فأين السبعلاني من هذا وذاك؟

 وبغض النظر عن الأسئلة التي تطرحها طبيعة هذا النوع من الأدب، وحول حقيقة ما يروي المؤلّف، وصعوبة الموضوعية في محاسبة الذات وذاكرة الماضي، فإنّ السبعلاني يشدّد في مقدمة كتابه على صدق ما يروي، والصدق هوأن تقول ما تعتقده صحيحا: "كتبت رسائل، ومقالات هذا الكتاب في أزمنة متباعدة، كان الحب جامعها الأوّل! وكان الصدق."

وإن كان يشبه روسو باتهام بعض رجال الدين والدنيا بالمؤامرة التي استهدفته وعائلته، الا أنّه أقرب إلى شاتو بريان في عزوفه عن ذكر كلّ ما يلّوث سمعته، كما يربأ بنفسه عن  استخدام الألفاظ النابية بحق خصومه، وهو يعرفهم، ويترك للتاريخ أن يقول كلمته .وهو أخيرا انتقائي المذهب، حريص على سمعته، يشيد من مذكراته صرحا للخلود.

وتتمحور سيرته الذاتية حول محورين مهمّين: المدرسة والنقابة .

ألمدرسة: باع والده أملاكه وأمّه " أساورها الذهب" ليؤمنا له قسط مدرسة الفرير في طرابلس، وتلعب هذه المدرسة  دورا كبيرا في حياة النقيب وكذلك في أدبه . أمضى فيها أكثر من أربعين سنة، طالبا ومعلما، حتّى اقترن اسمه بتاريخها، وظل ّ وفيّا لها بعد أن صرفته، يحنّ اليها كما المهاجر إلى وطنه، ولا ينسى، وهو ابن الوفاء، فضل أهلها عليه. يقول في "رسالة حبّ إلى معلمي الأخ فيليكس" (ج2 ص101):" وأنا أكتب اليك الآن، تمرّ في ذاكرتي مدرسة الفرير،طرابلس، بناء تاريخيا، وملاعب، وأشجارا كبار... ويمرّ كما أنت إخوة كبار(ألبير ديزانج) فرانسوا، جورج،،أندريه،،جوزيف، غابرييل .... وتضّوي بي الذاكرة، فأراهم واحدا واحدا...وتكبر بهم المدرسة الجامعة، وتكبر أشجار الملعب، ونكبر نحن على أيديهم، وعلى إيمانهم بالله والانسان... شكرا يا معلمي على دمعتين طاهرتين لمعتا تحت نظارتيك... وتلميذ الأمس راح يبكي في أحراج المدرسة." ثم ينهي رسالته، وهي من أروع رسائل الوفاء: " إنّي أكتب إلى هذا الثوب الجميل، لأنّي أحنّ إلى رائحة خبزه وملحه، أحنّ إلى رائحة العفّة والفقر والطاعة. "

ذكرت هذا الاستشهاد الطويل لأقول: إنّ النقيب لم يتهم يوما مدرسة الفرير، أي هؤلاء الذين ذكرهم، بمؤامرة صرفه. والبرهان على ذلك أسباب الصرف التي ذكرها في رسالته إلى الدكتور ميشال عاصي في (ج1، ص20) ويحصرها باثنين: شرح قصيدة (فم) لأمين نخلة، ونشر قصيدة "المعلّم الأجير"، وهذان السببان التافهان اديا إلى قرار صرفه، والأدهى أنّ طبيعة الصرف جاءت صرفا تأديبيا، أغلقت على أثرها في وجه أبواب المدارس الكاثوليكية، فشردّت عيلته. وهو يشبّه هذه الهجمة "بعاصفة من الذئاب السود " هاجمت "خيمته الصغيرة" وألقي عليه "الحرم الكبير" فتحوّل إلى "بيّاع ألف باء، يعرض كشّته..." متنقلا من مدرسة إلى مدرسة، كانت النتائج المادية كارثية عليه، يذكر معظمها في رسالته إلى الرئيس الحص(ج2، ص27)، انهم استطاعوا أن يشرّدوه، لكنهم ما استطاعوا أن ينالوا من كرامته، ظلّ مرفوع الرأس عالي الجبين، يطعم أولاده "حبّ الله والشمس والحرية" كما ظلّ هو يحلّق "في الجبال العالية، حيث الله والشمس والثلج" (ميشال عاصي ج1-ص20).

النقابي الكبير: لم يعرف تاريخ نقابة المعلمين، في لبنان، نقيبا بحجم السبعلاني، أعطاها من روحه ومن طموحه، عصف بها فقلب الأصنام، وطرد تجار الهيكل، ونفض عنها غبار اللامبالاة والاهمال والكسل، وجعل من المعلّمين قضية، فحورب، ورشق بكلّ أنواع التهم، إلا أنّ المعلّم دعمه إلى أن تغيّرت الأحوال، بعد أحداث هزّت البلد أكثر من خمس عشرة سنة، وأسقط في العهد الجديد على يد الأحزاب التي أسقطت البلد والنقابة.

     لذلك تحتلّ النقابة مساحات واسعة من حياته وكتبه، اذ يكاد لا تمرّ صفحة الا وللنقابة فيها ذكر: في رسائله إلى المعلّمين، رفاق النضال، وإلى السياسيين من رؤساء ووزراء، ونوّاب، فالأدباء والصحفيين والمحامين.

     وإن أردنا أن نوجز مسيرته النقابية، وهذا أمر شديد الصعوبة، نقول: انطلق من مدرسة الفرير معلّما مجهولا في صفوف النقابة، وبسرعة قياسية استطاع أن يتسلّم مقادير أمورها، يساعده في تحقيق هذا الأمر ذكاؤه، وإخلاصه، وحنكته من جهة، والتفاف معلّمي الشمال حوله  بإيمان بلغ حدّ القبلية - كما يقول في أكثر من مكان- وفرض نفسه بتجرّده، حتى الزهد، عن المال" قدمي على المال الذليل". (ورفض   السبعلاني ان   تدفع  له  النقابة  ثمن  البنزين  لتنقلاته  طوال  ثلاثين  سنة   بين  الشمال  وبيروت  وذلك   ليبقى  الصوت  قوياً). هذه هي البطولة . وبطموحه، وعشقه للحريّة والديمقراطية، قاد أطول الإضرابات وأخطرها، وحقق للمعلّمين الكثير من القوانين، وأطلق على حركته هذه اسم "الثورة البيضاء" .

       وإذ يتذكّر أيام قاد "ثورته البيضاء" وإلى جانبه جوزيف حالوت يكتب اليه في رسالته (ج2، ص108)، "ومن مدرسة الفرير من طرابلس، كانت الثورة البيضاء، على النقابة المزرعة، المالكة سعيدة.. الله يا جوزيف على معلّمي الشمال، الله على تلك الوحدة، والعصبية الحلوة التي حملتهم  من طرابلس إلى بيروت لتأديب مجلس.. أو لقيادة مسيرات دخلت تاريخ العاصمة ".

"يا أهلي الطيبين يا من حملتم على أكتافكم الحرية. والديمقراطية، يا ملحمة النضال التاريخيّ، سلام الله عليكم، وعلى تاريخ لكم كبير".

         إلا انّ المؤامرة عليه وعلى النقابة كانت كبيرة، كبا الفارس عن جواده مرّتين: مرّة يوم صرف من الخدمة، ومرّة يوم تألّبت عليه كلّ الأحزاب، لأنّه رفض الدخول في البازارات السياسية والطائفية، فأسقطته في انتخابات النقابة 1992، وسقطت معه النقابة.

      في كتاب "رسالات حب كثار" تفاصيل كثيرة ارتبطت بحياة الكاتب الشخصية، إلا أنّه لا يرويها متتالية بل يلقيها مبعثرة، هنا وهناك، وماذكرته منها كان ضروريا، لتفسير مواقفه، ومبادئه وملامح شخصيته.

وفي آخر كلّ من الكتابين بعض قصائد رثاء رائعة، يقطر الحزن بين أحرفها ليصل شغاف القلب دون نواح أو ابتزال، قصائد رثاء، بل مناجاة  تشبه الصلاة وترتدي عباءة الأسى العميق . ولكنني لم أقاربها لإيماني انّها تستحق دراسة خاصّة بها حتى تستوفي حقّها، النابع من أهميتها المتفجرة منها، ولأهمية هذا الفن الأدبي على صعيد الأدب العربي.

  وأخيرا للنقيب الأديب أن يعنون كتابه كما يشاء، وهذا شأنه، إلا أنّ هذا العنوان لا يحيط بكل جوانب الكتاب، فهو ليس مجموعة رسائل فقط، وليس فيه رسالة عشق كما يوحي العنوان، إنّه مجموعة من الأنواع الأدبية المتنوعة في كتاب واحد، فيه الرسالة والمقالة، القصة والمسرحية، والسيرة الذاتية، ولكل نوع من هذه الأنواع اسلوب يختلف عن الآخر: في الرسالة يخاطب المسؤولين  لا الزعماء، دون تزلّف شعورا منه بالمسؤولية، ويخاطب الأدباء والشعراء واحدا منهم، كما يخاطب الأصحاب والأصدقاء برقة ومحبّة ووفاء. في القصّة يمسك عليك أنفاسك، ويضحكك ويبكيك في آن معا، أمّا المسرحية فوسيلة اعتزاز شاعر بصحبه الشعراء، يحفظ عنهم شعرهم، ويرويه، بطلاوة الشاعر، وسحر الراوي، والمقالة مسرحه لإبداء الرأي والنقد، في الفكر والأدب والشعر، وفي السيرة الذاتية حنين إلى الماضي، ووفاء، وشوق مضن لا يغرق في فنون البلاغة والبيان والمألوف من الصور، تتجلى قدرته الأدبية في جمع ألوان الأدب المتعددة في لوحة فنية متكاملة، تزدان بذاتية  وجدانية، وخاصية طريفة، توقع أعماله بتناغم لا تشذ فيه نغمة.

لقد حققت "رسالات حب كثار" الغاية المنشودة من الأديب، في ارتقاء العاطفة وصفاء الوجدان والانغماس في عمل أدبيّ نقيّ.

"رسالات حب كثار"، عمل أدبي يستحٌق أن تزدان به خزانة الأدب العربي في مطلع هذا العصر.