من ابن رشد حتى أريغوني... الأيدي واحدة ..!

شاكر فريد حسن قرأها 1,281

من ابن رشد حتى أريغوني... الأيدي واحدة ..!

لا تزال جريمتا قتل المتضامن الإيطالي فيتيريو أريغوني في غزة، وقبله الممثل المسرحي التقدمي جوليانو خميس في مخيم جنين تتفاعلان وتهزان الشارع الفلسطيني والعربي، وتلقيان بظلالهما على مسرح الأحداث المتسارعة. فكلا الجريمتين بعيدتان عن شيم شعبنا، وأخلاقنا، وقيمنا، ومبادئنا الانسانية وعن روح الإسلام الحقيقي المتنور والمتسامح وتعاليم ديننا الإسلامي الحنيف، التي تدعو إلى نبذ العنف والفرقة والرحمة والتسامح،  وتشوهان صورة شعبنا الفلسطيني، وتضران بنضاله الوطني والتحرري العادل، ولهما أثر سلبي مدمّر على التضامن العالمي الحر، تضامن قوى العدل والحرية والسلام والديمقراطية.  وأيضاَ تخدمان في نهاية المطاف الاحتلال البغيض، الذي يسعى إلى تشويه صورة شعبنا ويدمغه بالارهاب وأنه لا يستحق الحياة والوجود.

وفي الحقيقة والواقع، أن من يقف خلف هاتين الجريمتين السافلتين، هي القوى السلفية المتطرفة والجماعات التكفيرية المتأسلمة الغارقة في وحل الجهل والتخلف والتعصب والشعوذة والغيبية، والمتسترة بعباءة الدين، وتستغل المشاعر الدينية لتحقيق مصالحها وأهدافها وغاياتها، والتي لا تفقه أو تعرف من الإسلام سوى إطلاق اللحية وحف الشارب وارتداء الجلباية..!

وهذه القوى هي قوى متعصبة ومتشددة، فكرياً ودينياً واجتماعياً وثقافياً، تعادي التطور والتقدم والعقل والثقافة والحضارة والتنوير والابداع الحر، وتلجأ إلى لغة العنف وكاتم الصوت وممارسة القتل والاغتيال والارهاب الفكري بهدف فرض هيمنتها وسيطرتها ونشر فكرها المتخلف المتحجر والمنغلق، بدلاً من لغة الاقناع والحوار الحضاري والجدل الفكري العقلاني، الحجة مقابل الحجة، والبرهان مقابل البرهان .

إن جريمتي قتل أريغوني وخميس وغيرها من الجرائم، التي اقترفتها هذه الأيدي الجبانة الآثمة، إن دلت على شيء فعلى إفلاس  القوى الظلامية، فكرياً وإنسانياً، وعجزها عن إقناع الجماهير والخصوم السياسيين والفكريين بحجتها ومنطقها وفكرها المتطرف، البعيد كل البعد عن قيم ومبادئ وتعاليم الإسلامي الثوري والمتنوِّر. وهذه الأيدي هي نفسها التي احرقت كتب الفليلسوف العربي ابن رشد الأندلسي، وحكمت بالاعدام على (الفتوحات المكية) لابن العربي و(الف ليلة وليلة)، وحجبت كتاب عميد الأدب العربي طه حسن (في الشعر الجاهلي)، وحرقت المسارح في مصر وسواها من أقطار عربية، وأباحت دم المثقفين العلمانيين والعقلانيين النهضويين، الذين يمارسون دورهم التنويري التعبوي ونقد الفكر الديني، ويشيعون ثقافة الاستنارة والتقدم والعقل، التي تخدم الحضارة والمعاصرة وتسمو بهما إلى فضاء المعرفة.

وهي الأيدي التي اطلقت الرصاص على الروائي المصري والعربي الكبير نجيب محفوظ، واعتبرت روايته (أولاد حارتنا) زندقة، ووضعت حداً لعطاءات ومنجزات الدكتور حسين مروة، المفكر والفيلسوف والمثقف الثوري التقدمي والشيخ الطاعن في السن، ابن التاسعة والسبعين، الذي عاش عمره على الأدب والفكر والفلسفة والنقد والبحث والجدال والاغتراف من معين التراث العربي الاسلامي، فاغتالته بكاتم الصوت أمام زوجته العجوز.

وهي التي مزّقت جسد المفكر السجالي والباحث العميق حسن حمدان (مهدي عامل)، واسكتت قلم فرج فودة  شهيد العلمانية وحرية الفكر، الذي كان من أبرز مفكري التيار العلماني في مصر، ومن ذوي الميول اليسارية والفكر الفلسفي المستنير، وصاحب مشروع (فصل الدين عن الدولة)، والذي خاض المعارك السجالية والحرب الفكرية العنيفة والشرسة ضد قوى الجهل والتخلف والتكفير والتعصب الديني، وكرّس كتاباته للدفاع عن حرية الفكر والعقيدة وحقوق الأقليات في مصر.

وهي التي فرقت بين الراحل نصر حامد أبو زيد وزوجته الدكتورة ابتهال يونس في المحكمة، واضطرته للنزوح والهجرة من وطنه الأم، وأشعلت الحرب الشعواء ضد الكاتبة والطبيبة نوال السعداوي بسبب أفكارها التحررية، وأمرت بمصادرة رواية (وليمة لأعشاب البحر) للروائي حيدر حيدر، وحاكمت الفنان اللبناني الملتزم مارسيل خليفة على خلفية غنائه وتلحينه لقصيدة الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش ( أنا يوسف يا أبي).

وهي التي منعت عرض كونسيرت (نعنع يا نعنع) للفنانة الفلسطينية الملتزمة امل مرقص في كفر قرع، وأحرقت لوحات الفنانة التشكيلية الفلسطينية المقيمة في طمرة الجليلية ماريا قعدان، وأتلفت كتاب (قول يا طير) التراثي الفلسطيني لمؤلفيه د. شريف كناعنة وابراهيم مهوي أستاذ الادب العربي المعاصر، واعتدت على الأعراس وفرضت الحجاب على طالبات الجامعات في قطاع غزة، ونفذت الاعتداء الغاشم على مقر ونادي الحزب الشيوعي في أم الفحم .

ومن نافلة القول، أن هذه القوى الظلامية والسلفية بمثابة كارثة تحجب النور، وتدمر العقل والثقافة والإنسان، وتهدم النسيج الاجتماعي، وتهدد مجتمعاتنا ومستقبل حياتنا. إنها تخلط بين العلم والإيمان، وتستثمر الدين للدفاع عن مصالحها وأهدافها وترى في الوهم والتفكك العقلي أساساً لبقائها وديمومتها . وهي تريد لشعوبنا ومجتمعاتنا العربية أن تظل غارقة في عتمات وظلمات الجهل والتخلف والشعوذة والخرافة والفتح بالفنجان والمندل. كما إنها تشكل عائقاً أمام تطوّر وتقدم مجتمعاتنا، وتشوه صورة الإسلام، دين العقل والثورة، الذي يؤيد حرية الرأي ويدافع عنها، ويحض على الرحمة والتعاون والعدل والغفران، ونبذ العنف والقتل، وإغاثة الفقراء والضعفاء والمحتاجين.

وأخيراً من واجب الأوساط الفكرية والنخب المثقفة في مجتمعنا الفلسطيني والعربي، فضح وتعرية وكشف حقيقة وألاعيب هذه القوى المتخلفة والمتطرفة، التي تواجه الكلمة بالرصاص والقلم بالسلاح، والعمل على محاربتها ومواجهتا واجتثاث أفكارها وجذورها من مجتمعاتنا فهي كارثة حقيقية تهدد وجودنا وبقاءنا.