الشخصية السلطوية

ما الذي نعنيه "بالشخصية السلطوية" ؟

إننا نرى عادة فرقاً واضحاً بين الفرد الذي يريد أن يحكم، يتحكم، أو يمنع الآخرين وبين الفرد الذي ينزع (يميل) إلى الخضوع، إلى الطاعة، أو لأن يتعرض للإذلال. لنستخدم مصطلحاً (تعبيراً) أكثر لطافة إلى حد ما، يمكننا أن نتحدث عن القائد وعن أتباعه. بشكل طبيعي كما قد تكون الاختلافات بين الحاكم والمحكوم – بطرق عدة – علينا أن نقر أيضا أن هذين النوعين، أو ما يمكننا أن نصفهما، هذين الشكلين من الشخصية السلطوية هما بالفعل مرتبطين ببعضهما البعض بقوة.

ما يجمعهما، وما يحدد جوهر الشخصية السلطوية هو عدم القدرة على الاعتماد على النفس، عدم القدرة على أن تكون شخصية مستقلة، أو بكلمات أخرى، غير قادرة أو عاجزة عن تحمل الحرية.

عكس الشخصية السلطوية هو الشخص الناضج: شخص لا يحتاج إلى أن يلتصق بالآخرين لأنه يقبل ويفهم العالم بنشاط، والناس، والأشياء من حوله. ما الذي يعنيه هذا؟ يبقى الأطفال محتاجين لأن يبقوا مرتبطين (ملتصقين) بأحد ما. في أرحام أمهاتهم يكونون – بالمعنى الفيزيائي (المادي) – متحدين مع أمهاتهم. بعد الولادة، ولعدة أشهر وبكثير من الطرق حتى لعدة سنوات، فإنهم يبقون – بالمعنى السيكولوجي النفسي – جزءاً من أمهاتهم. لا يمكن للأطفال أن يوجدوا من دون مساعدة الأم. لكنهم ينمون ويتطورون. يتعلمون المشي، الكلام، وأن يجدوا طريقهم في العالم الذي يصبح عالمهم. يملك الأطفال مهارتين، متأصلتين في الفرد، يمكنهم أن يطوروهما: هما الحب والعقل.

الحب هو رابطة (ارتباط) وشعور الإنسان تجاه العالم بينما يحتفظ هذا الإنسان باستقلاليته وكرامته . الشخص المحب يرتبط مع العالم. إنه لا يخشاه لأن العالم هو منزله. يمكنه أن يفقد نفسه (يضيع نفسه) لأنه متأكد من نفسه.

يعني الحب إدراك العالم كتجربة شعورية. لكن هناك طريقة أخرى للإدراك والفهم هي الفكر. إننا نسمي هذا النوع من الفهم بالعقل. إنه مختلف عن الذكاء. الذكاء هو استخدام العقل لتحقيق أهداف عملية محددة. يستعرض الشمبانزي الذكاء عندما يرى موزة أمام قفصه لكنه لا يستطيع الوصول إليها بواسطة عصا أو اثنين من قفصه، عندها يجمع العصوين معاً ويحصل على الموزة. هذا هو ذكاء الحيوان، الذي هو نفس الذكاء المراوغ الذي نسميه عادة بالفهم عندما نتحدث عن البشر. العقل هو شيء آخر. العقل هو فعالية (نشاط) الدماغ الذي يحاول أن يخترق السطح ليصل إلى لب الأشياء، ليفهم ما يوجد في الواقع خلف هذه الأشياء، ما هي القوى والدوافع التي تفعل – بينما هي غير مرئية – وتحدد تلك المظاهر.

لقد أعطيت هذا الوصف عن الفرد الناضج، أعني الفرد المحب والعاقل (أو العقلاني) لأعطي تعريفا (أو تحديدا) لجوهر الشخصية السلطوية. الشخصية السلطوية هي شخصية لم تنضج بعد، لا يمكنها أن تحب ولا أن تستخدم العقل. بالنتيجة، فإنها تحتاج لأن تشعر برابطة، لا تتطلب لا الحب ولا العقل – وهي تجدها في علاقة التبعية، في شعور الفرد تجاه الآخرين، ليس بالحفاظ على هويته، بل برفض وتدمير هويته. الشخصية السلطوية تحتاج إلى شخص آخر لتتحد به لأنه لا يمكنها أن تتحمل وحدتها وخوفها.

لكننا نصل هنا إلى حدود ما يجمع بين كلا هذين الشكلين من الشخصية السلطوية – الحاكم والمحكوم.

السلطوي المنفعل، أو بكلمة أخرى، الشخصية المازوخية والخاضعة تهدف – بشكل غير واعي على الأقل – إلى أن تصبح جزءا من وحدة أكبر، جزيء صغير، ذرة، صغيرة على الأقل، من هذا الشخص "العظيم"، هذه المؤسسة "العظيمة"، أو هذه الفكرة "العظيمة". الشخص، المؤسسة، أو الفكرة قد تكون بالفعل هامة، قوية، أو أن تكون فقط مضخمة بشكل لا يصدق من قبل الأفراد الذين يعتقدون بها. ما هو ضروري، هو أن يقتنع الفرد – بطريقة خاضعة (أو مستسلمة) – أن قائد"ه"، حزبـ"ـه"، دولتـ"ـه"، أو فكرتـ"ـه"، كلية القوة ومتفوقة، أنه هو نفسه قوي وعظيم، لأنه فقط جزء من شيء "أعظم". تناقض هذا الشكل المنفعل للشخصية السلطوية هو: أن الشخص يقلل (يخفض) من أهمية نفسه بحيث يمكنه – كجزء من شيء أعظم – أن يصبح عظيما هو نفسه. يريد الفرد أن يتلقى الأوامر، بحيث لا يضطر ليتخذ القرارات وأن يتحمل المسؤولية بنفسه. هذا الشخص المازوخي الذي يبحث عن التبعية هو في أعماقه يحمل على شكل رعب (يصاب بالذعر من) – غالبا بشكل غير واع فقط – شعورا بالدونية، العجز، الوحدة. لهذا، فإنه يبحث عن "قائد"، سلطة عليا، ليشعر بالأمان والحماية من خلال المشاركة فيها وليتغلب على دونيته. بشكل غير واعي، يشعر بعجزه ويحتاج إلى القائد ليسيطر على هذا الشعور. هذا الفرد المازوخي والمستسلم، الذي يخشى الحرية ويهرب إلى عبادة الأصنام، هو الشخص الذي تقوم عليه النظام السلطوية – النازية والستالينية.

أكثر صعوبة من فهم الشخصية السلطوية المنفعلة، المازوخية، هو فهم الشخصية السلطوية الفاعلة، السادية. بالنسبة لأتباعه فإنه يبدو واثقا من نفسه وقويا لكنه أيضا خائف ووحيد تماما كما هي الشخصية المازوخية. بينما يشعر المازوخي أنه قوي لأنه جزء صغير من شيء أعظم، يشعر السادي بالقوة لأن الآخرين ينضمون إليه – الكثير من الآخرين إن كان ذلك ممكنا، فإنه يفترسهم، كما قد يمكننا أن نقول. الشخصية السلطوية السادية هي معتمدة على المحكوم بقدر ما أن الشخصية السلطوية المازوخية معتمدة على الحاكم. لكن المظهر قد يكون خادعاً. طالما كان ممسكا بالسلطة، يبدو القائد – لنفسه وللآخرين – قوياً وقادراً. يصبح عجزه واضحاً فقط عندما يفقد سلطته، عندما لا يعود بإمكانه ان يفترس الآخرين أو أن يبتلعهم، عندما يكون عليه أن يكون لوحده (أن يعتمد على نفسه).

عندما أتحدث عن السادية كجزء فاعل من الشخصية السلطوية، قد يتفاجئ الكثيرون لأن السادية تفهم عادة كميل (نزوع) للتعذيب والتسبب بالألم. لكن الواقع أن هذه ليست هي المسألة (أو القضية) في السادية. الأشكال المختلفة للسادية التي يمكننا مراقبتها توجد جذورها في التعطش (السعي)، للتسيد والتحكم بشخص آخر، لجعله مادة (شيئا، مفعول به) عاجزة لإرادة الشخص، ليصبح حاكمه، لأن يتصرف به بما يراه مناسبا ومن دون أية قيود. الإذلال والاستعباد هي فقط وسائل لهذا الغرض، وأكثر الوسائل راديكالية هي جعله يعاني، طالما أنه لا توجد سلطة أعظم فوق الشخص من جعله يعاني، من أن تفرض عليه أن يتحمل الآلام دون مقاومة.

حقيقة أن كلا هذين الشكلين من الشخصية السلطوية يمكن تعقبهما حتى نقطة واحدة أخيرة مشتركة – هي النزوع أو الميل إلى التبعية – تظهر لماذا يستطيع المرء أن يجد مكونات (عناصر) سادية ومازوخية في الكثير من الشخصيات السلطوية. عادة ما يختلف هو الغايات فقط. لقد سمعنا جميعا عن طاغية العائلة، الذي يعامل زوجته وأطفاله بطريقة سادية لكن عندما يواجه من هم أعلى منه في المكتب يصبح موظفاً خاضعاً. أو لنسمِّ مثالاً معروفاً بشكل أفضل: هتلر. لقد تحكمت به الرغبة في أن يحكم الجميع، الشعب الألماني وأخيرا العالم، أن يجعل منهم أشياء (مواد، مفعولات بها) عاجزة لإرادته. ومع ذلك نفس هذا الرجل كان معتمداً بشدة، معتمداً على تصفيق الجماهير، وعلى مواقفة مستشاريه، وعلى ما كان يسميه سلطة أعلى للطبيعة، والتاريخ والقدر. لقد استخدم صيغا دينية مزيفة ليعبر عن هذه الأفكار عندما قال على سبيل المثال: "تقف السماء فوق الشعب، حيث يمكن للمرء لحسن الحظ أن يخدع الإنسان، لكن ليس السماء". لكن السلطة التي أثارت إعجاب هتلر أكثر من التاريخ، والإله أو القدر كانت الطبيعة. عكس الميل (النزوع) في السنوات الـ 400 الأخيرة للسيطرة على الطبيعة، أصر هتلر على أن المرء يمكنه ويجب عليه السيطرة على الإنسان لكن ليس الطبيعة أبداً. فيه نجد هذا المزيج الوصفي للنوازع (الميول) السادية والمازوخية للشخصية السلطوية : فالطبيعة هي السلطة الأعظم التي علينا أن نخضع لها، لكن الإنسان الحي هناك لكي نهيمن عليه.

لكن لا يمكننا أن نغلق موضوع الشخصية السلطوية دون أن نتحدث عن مشكلة هي السبب لكثير من المفاهيم الخاطئة (سوء الفهم). عندما يكون وعي السلطة مازوخياً وممارستها سادياً، هل يعني هذا أن كل سلطة تحتوي على شيء ما مُرضٍ؟ يعجز هذا السؤال عن أن يجري تمييزاً هاماً جداً بين السلطة العقلانية وغير العقلانية. السلطة العقلانية هي إدراك (أو وعي) السلطة على أساس تقييم جدارتها (1). عندما يدرك طالب ما سلطة أستاذه بأنه يعرف أكثر منه، فهذه عندها تقييم معقول (عقلاني) لجدارتها. نفس الشيء عندما كمسافر على سفينة أدرك سلطة القبطان في اتخاذ القرارات الصحيحة والضرورية عندما نكون في خطر. لا تقوم السلطة العقلانية على استبعاد عقلي وملكتي النقدية بل تفترضهما عوضاً عن ذلك كشرط مسبق. لا يجعل هذا مني صغيراً ومن السلطة عظيمة بل يسمح للسلطة بأن تكون متفوقة عندما وطالما امتلكت الجدارة.

السلطة اللاعقلانية مختلفة. إنها تقوم على الخضوع (الاستسلام) العاطفي لشخصي تجاه شخص آخر: أنا أعتقد أنه على حق، ليس لأنه جدير، إذا تحدثنا بشكل موضوعي، ولا لأني أدرك جدارته تلك بشكل عقلاني. في روابط السلطة اللاعقلانية، يوجد خضوع مازوخي بأن أجعل نفسي صغيراً والسلطة عظيمة. عليّ أن أجعلها عظيمة، بحيث أستطيع – كأحد جزيئاتها – أيضا أن أكون عظيماً. السلطة العقلانية تميل (تنزع) إلى ان تنفي نفسها، لأنني كلما فهمت أكثر كلما نقصت المسافة بيني وبين السلطة. السلطة اللاعقلانية تميل إلى أن تعمق وتطيل من ذاتها. كلما كنت أنا أكثر تبعية (اعتماداً) ولفترة أطول كلما أصبحت أكثر ضعفاً وزادت حاجتي للالتصاق (الارتباط) بالسلطة اللاعقلانية والخضوع.

كل الحركات الديكتاتورية الكبرى لزماننا كانت (وما تزال) تقوم على السلطة اللاعقلانية. كانت قواها الدافعة هي شعور الفرد الخاضع بالعجز، والخوف وو الإعجاب ب"القائد". كل الثقافات الكبرى والمنتجة (المثمرة) قامت على وجود سلطة عقلانية: على الشعب الذي يستطيع أن يجمع المهام المعطاة (المحددة) بشكل عقلي (ذكي) واجتماعي ولذلك لا يحتاج لأن يلجأ للرغبات اللاعقلانية.

لكني لا أريد أن أنهي دون أن أشدد على أن هدف الفرد يجب أن يكون هو سلطته الخاصة، أي أن يمتلك وعياً في المسائل الأخلاقية، واقتناعاً في مسائل الفكر، وصدقاً في الأمور العاطفية. لكن الفرد يمكنه فقط أن يملك مثل هذه السلطة الداخلية إذا كان ناضجاً بما فيه الكفاية ليفهم العالم بعقل وحب. تطور هذه الخصائص هي أساس سلطة المرء الخاصة ولذلك هي الأساس للديمقراطية السياسية.

نقلا عن www.marxists.org/archive/fromm/index.htm

إيريك فروم (1900 – 1980) من مفكري مدرسة فرانكفورت الماركسية، أمريكي من أصل ألماني، اهتم بالتحليل النفسي

1) انتقد الكثيرون، بينهم ميخائيل باكونين، الدعوة لسلطة (أو لديكتاتورية) التخصصيين أو الأخصائيين، واعتبروا دورهم استشارياً لسلطة شعبية ديمقراطية حقاً تقوم على مؤسسات المجالس أو اللجان الشعبية أو العمالية، وفي سياق الثورة الروسية جرى صراع هام بين المعارضة العمالية وبين لينين وتروتسكي وسائر القيادة البلشفية في هذا الخصوص، بين عامي 1920 – 1921، انتهى بانتصار خط القيادة البلشفية وتجريم المعارضة العمالية وحلها وبالتالي فرض إدارة الرجل الواحد (الأخصائي) على المعامل كبديل عن لجان المعامل التي كانت قد تشكلت قبل وأثناء ثورة أكتوبر، نعرف جيداً ما الذي حدث بعد ذلك، اندمج هؤلاء المدراء (التخصصيون) مع أعلى درجة في قيادة الحزب وشكلوا طبقية البيروقراطية الدولتية الحزبية الأمنية العسكرية الحاكمة في الاتحاد السوفيتي يومها – المترجم