المرجعية والحياة
قد تكون مشكلة علاقة الإنسان بمرجعياته الفكرية من أكثر المشكلات تعقيداً. وقد تخفي هذا التعقيد عبارات يستخدمها الباحث أو المتحدث أو المحلّل، من نوع: أنا أستند في بحثي وتحليلاتي إلى فلسفة كذا، أو نظرية فلان، فيبدو كأنه أمين لهذه المرجعية، يفهمها بعمق ويستخدم منهجها في كتاباته أو أقواله استخداماً دقيقاً.
وجوهر هذه المشكلة، باعتقادي، هو التوهّم. فالباحث أو المتحدث يوهم القارئ والمستمع بأنه مستند إلى مرجعية فلسفية محددة، يعرف منهجها ويحسن الاستفادة منه، والقارئ والمستمع يحمّلان تلك المرجعية تبعة ما يقرأ ويسمع.
أما الأكبر في هذه المسألة، فهو توهّم الباحث ذاته، الذي يظن نفسه مسترشداً بفلسفة أو منهج ما، بينما قد لا يكون كذلك.
ولعل القارئ المدقق يمكن له أن يجد فروقاً كبيراً بين أبحاث المستندين إلى مرجعية واحدة، لا من حيث النتائج التي يصلون إليها فقط، بل من حيث طريقة التحليل. وهذا يعني أن ثمة فهماً متبايناً لأسس المرجعية ذاتها، يوصل إلى استنتاجات متنوعة أو متناقضة في فهم الظاهرات المدروسة.
ولو دقّقنا في الأمر تدقيقاً أعمق، لوجدنا كل باحث، بل كل من يفكر في الظاهرات الاجتماعية مهما يكن مستواه، يتعامل مع المرجعية كما يفهمها هو، وكما استقرت في ذهنه، وكما صوّرتها له ثقافته وتربيته ومصالحه ودرجة مهارته، وقدرته على التخيل والتجريد والتعميم والتفكيك والتركيب.
أي.. قد لا نكون مخطئين، إذا قلنا إن لكل فرد مرجعيته الخاصة، وإن المرجعيات تعدّد بتعدّد البشر. فمن المتعذر مثلاً أن نجد أشخاصاً يعتنقون ديناً معيناً، ويفهمونه فهماً واحداً، كل واحد له تصوراته عن (الخالق والمدبر). وكل واحد له فهمه لطريقة التعامل مع التعاليم، ولو استطاع باحث ما الدخول إلى أعماق الناس وتلمّس مفاهيمهم بتفاصيلها لا بعمومياتها، لوجد أن لكل شخص دينه ومعتقداته وتصوراته. وينطبق ذلك على المرجعيات الأخرى، غير الدينية. أو ما يعرف بالأيديولوجيات.
ولا أظن هذا التنوع في فهم المرجعية الواحدة والتعامل معها سيئاً، بل إنه مفيد في حصيلته، إذ إنه ينتج الكثير من التصورات، ويكوِّن الكثير من التيارات المعلنة أو غير المعلنة، ويعبر عن حيوية العقل ويقلّل من يباس الأيديولوجيات ويبث فيها شيئاً من الحياة لأن يقرّبها من الواقع ويدمجها بنبض الناس.
أما العوامل التي تسهم في هذا التنوع فهي كثيرة أيضاً، بل قد تكون أكثر مما يتصوره الباحث. لكننا نحاول مقاربة أهمها، علماً بأن درجات الأهمية في هذا المجال غير ثابتة. فقد يكون عامل من العوامل ذا تأثير كبير في تحديد فهم شخص ما لمرجعيته، بينما يكون ذا تأثير هامشي محدود لدى شخص آخر.
من أهم هذه العوامل، باعتقادي، مرونة المرجعية ذاتها. فما من مرجعية يمكن أن تكون جامدة محددة الأبعاد ثابتة في أحكامها. ولو كانت كذلك لما استطاعت أن تعيش وتؤثر في أناس متنوعي المشارب الفكرية والثقافية، والخصائص النفسية. ولا استطاعت أن تتوطّن في بيئات مختلفة.
المرونة درجات ومستويات، لكنها موجودة في مختلف المرجعيات. وعلى سبيل المثال، ففي الأديان وهي ما يفترض أن تكون الأكثر تصلباً، مرونة قد لا يراها بعض الباحثين، ونحن نجد مثلاً، في النصوص الدينية (في مختلف الأديان) ما يمكن أن يستند إليه الإنسان المتسامح المستعد للتواصل مع غيره، وما يمكن أن يستند إليه التكفيري ذو النزوع الإلغائي.
مرونة الفكر أساس في اتساع دائرة المستندين إليه والمتعاملين معه، وأساس في ظهور التنوع في تحليلاتهم واستنتاجاتهم، وكلما كان الفكر أكثر مرونة كان أكثر قابلية للحياة والتأثير، أي أكثر أهلية لأن يكون مرجعاً.
أما الجانب الآخر للمرونة، فهو مرونة عقل المتعامل مع المرجعية والمسترشد بها. ويتعلق هذا الأمر بالتربية والتكوين النفسي، وبدرجة التنوع الثقافي، والخبرة، واتساع العلاقة مع المسترشدين بمرجعيات أخرى، وهو مرتبط ارتباطاً كبيراً بدرجة النزوع الإنساني للمتعامل مع المرجعية. فالذي يقدم المصلحة الإنسانية العامة على المصالح الطبقية أو القومية أو الدينية، وينظر إلى الإنسان بوصفه كائناً عاقلاً مفكراً جديراً بالاحترام، وينطلق في علاقاته بالآخرين من منطلق احترام أفكارهم وخياراتهم، سيكون أكثر مرونة، وسيعلي العقل على النص، واخضلال الفكر على يباس الأيديولوجية.
وحين أشير إلى درجة التنوع الثقافي، بوصفه أحد مكونات مرونة العقل، فإنني أعبر عن رفض الأحادية الثقافية. ولا أظن أن المرء يعد مثقفاً إذا كانت مصادر ثقافته محدودة أو واحدة. فمن يكتفِ بالكتب الدينية منهلاً ثقافياً له دون الاطلاع على الفلسفات والنظريات الاجتماعية المتنوعة، فسيظل محدود التفكير. ومن يقصر قراءاته على فلسفة معينة، أو أدبيات حزب معين أو تيار فكري واحد فسيظل محدود التفكير أيضاً. فتنوع المصادر الثقافية للشخص ليس مصدر غنى معرفي فقط، بل هو أساس في جنوح المثقف إلى المرونة والقدرة على التفاعل مع الأفكار والتعاطي الحي مع الظاهرات المستجدة.
ويقودنا هذا إلى الحديث عن المستوى المعرفي للشخص المسترشد بمرجعية فكرية معينة. فهذا المستوى ذو دور حاسم في كون الاسترشاد حقيقياً أو زائفاً.
وعلى سبيل المثال، هناك من يقول: أنا ماركسي، ويحاول إيهام الناس بأنه يهتدي بمنهج ماركس، وهو لم يقرأ ماركس أبداً، أو اكتفى بقراءة القليل من نصوصه أو مما كتب عنه، إضافة إلى أنه لم يطلع على أية فلسفة أخرى.
مثل هذا الشخص يمكن أن يكون ماركسياً بالمعنى الأولي للكلمة، أي بمعنى أن خياره العام في هذه الحياة وفي الصراعات الاجتماعية الدائرة في الواقع، هو خيار العدالة والاشتراكية، ويمكن له أن يقف إلى جانب الفئات الاجتماعية الكادحة والفقيرة، وأن يكون في صفوف القوى المناضلة من أجل حقوق الكادحين. لكن هذا الخيار العام، لا يعني أنه ماركسي، وقد يقوده هذا الخيار، وعلى قاعدة الجهل بالماركسية، إلى مواقف فكرية وسياسية خاطئة، وقد يناقض مرجعيته وهو يظن أنه يستلهمها. وكثيراً ما نصادف (ماركسيين) من هذا النوع، يُلحقون الأذى بفلسفة ماركس حين يصفونها بأنها أيديولوجية الطبقة العاملة أو يلصقون بها ممارسات حركات سياسية أعلنت تبنيها إياها. فهم، بمثل ذلك، يُلغون الطابع الفلسفي والإنساني للماركسية بوصفها فلسفة للحرية ولتحرير الإنسان، ويجعلونها مجرد فكر سياسي لأحزاب وحركات لا تحسن التعامل معه.
مثل هذا التعامل مع (المرجعية الماركسية)، القائم على مستوى معرفي متدنٍّ، لا يدخل في إطار التنوع الذي تحدثنا عنه، بل يعد تعاملاً ساذجاً وسطحياً.
ولعل من المفيد أن نذكّر بأن ثقافة الماركسي لا ترتقي إلا بالاطلاع على الفلسفات الأخرى، ولا سيما فلسفات العصر الحديث، التي جاءت متزامنة مع فلسفة ماركس، فتميُّز منهج ماركس، لا يمكن أن يتبين إلا بالمقارنة مع المناهج الفلسفية الأخرى.
قد يقال: لا بأس بالتنوع في مصادر الثقافة، ولكن الماركسي ينبغي أن يسترشد بمنهج ماركس وأفكاره دون التأثر بالمصادر الأخرى، أي أن تكون مرجعيته ماركسية بحتة.
هذا التخوف من التأثر بالمصادر الأخرى هو أساس الجمود والسطحية. فالماركسية ليست نهاية الفكر الإنساني من جهة، وماركس ذاته، أبدع أفكاره وبلور منهجه من خلال تفاعله مع الثقافة الإنسانية عامة، مستفيداً من مناهج الفلسفات والمذاهب السابقة والمعاصرة له. فالماركسية لم تأتِ من فراغ، وهي حلقة من حلقات تطور الفكر الإنساني وتيار من تيارات فلسفة الحرية، يعدّها الماركسيون أكثر الحلقات والتيارات صحة، وهذا حقهم، ولكن نفي وجود أي صواب في الفلسفات الأخرى، وأية فائدة من الاطلاع عليها، والإفادة من جوانب الصحة فيها، هو موقف متزمت يشبه موقف من يتعصَّب لدينه.
أما النزعة النقدية في الماركسية، وهي نزعة أصيلة فيها، فهي كفيلة بتدقيق نصوصها، والتخلي عن بعضها، وابتكار نصوص جديدة تستلهم منهج ماركس ومعطيات الحياة الحديثة، ومنجزات الفكر الإنساني.
ومن عوامل التنوع في استنتاجات المسترشدين بمرجعية واحدة، وجود من يسخّرون مرجعياتهم لمصالحهم الشخصية، فيغدو التمسك بالمرجعية ستاراً يحجب السعي وراء المنفعة، وكثيراً ما نجد هذا لدى من يُظهرون التدين الشديد، مفسرين الدين وفقاً لمصالحهم، ولدى سياسيين يمتطون المرجعيات الفكرية للوصول إلى أهداف خاصة.
مثل هذا التعامل مع المرجعية يلغي المرجعية ذاتها، فما من فسلفة أو فكر نشأ مفصلاً على قد مصالح شخص أو أشخاص. كل فكر جاء في سياق تاريخي معين، وعبَّر عن مصالح فئات اجتماعية محددة، غالباً ما تكون فئات جديدة صاعدة في سلم الحياة الاجتماعية.
وأخيراً، إذا انطلقنا من أن الحياة أغنى من كل المرجعيات، وأنها لا تتوقف عن التبدل والتطور، فإن الفكرة التي نرى ضرورة تأكيدها، هي أن كل المرجعيات الفكرية تكون مفيدة بمقدار ما تكون في خدمة الحياة، وهذا يجعلنا نستحضر مشكلة قديمة جديدة: أيهما في خدمة الآخر؟ سؤال طرحه الكثيرون: الحياة في خدمة الدين أم الدين في خدمة الحياة؟ الحياة لإثبات المرجعيات أم المرجعيات لتحسين حياة الناس ودفعهم باتجاه الحرية والعدالة؟ أتكون المرجعية مقدسة لديك، أم يكون هدف الإنسان في السعادة والحرية هو المقدس؟ لا يزال السؤال قائماً منذ زمن بعيد، ولا تزال الإجابات متنوعة، وستبقى.