كتاب "نشوء فكرة الألوهة" – مقاربة تاريخية فكرية

الدكتور بشار خليف قرأها 1,524

جاء في كلمة الناشر:

إن مجال علم الإنسان والبحث الانثروبولوجي أحد أهم المجالات العلمية التي قلما حظيت بالاهتمام من قبل المفكرين والباحثين العرب. والمكتبة العربية ليست فقيرة بالتأليف فقط، وإنما في مجال الترجمة والنقل لهذه العلوم الهامة جداً. وغني عن القول أن دراسة الإنسان وتكوينه وصيرورة تطوره؛ أحد أهم مجالات البحث التي يمكنها أن تساهم مساهمة حقيقية في تقدم المجتمعات واستشراف المستقبل.

إن منطقة المشرق العربي تعد من أغنى المناطق بآثار الإنسان القديم والحضارات القديمة، بل هي باعتراف غالبية العلماء المهد الأول للحضارة وبؤرة نشوء المجتمعات الأولى. هذا التاريخ الإنساني يمثل إرثا غنياً لدراسة هذه الحضارات، وهو بالتالي حفرٌ في معرفة مكونات مجتمعاتنا الثقافية، وميكانزمات نهوضها، وتكوينها الجمعي. لذلك يكتسب هذا البحث من الدكتور بشار خليف أهميته في كيفية فهم الألوهة من خلال قراءة تاريخ هذه الحضارات وأثر التطور الحضاري والمادي على التطور الديني ولاسيما من الناحية الطقوسية والإعتقادية.

وذلك عبرالاستقراء التاريخي وتفسير الأدلة والوثائق التاريخية. فإن كان الدين ظاهرة اجتماعية بامتياز فإن عالم الألوهة تبدى جلياً في ذلك التفاعل بين الأرض والسماء، بين الذات الكبرى والذات الصغرى.

دراسة جديرة بالتوقف عندها كونها لا تخرج من ثنايا الفكر الاستشراقي بقدر ما تقدم أفكاراً جديدة تضيء على ماهية عالم الألوهة وتمظهراته وفق ناظمين، الأول في الاجتماع البشري وحركته عبر التاريخ والثاني في تطور البنية الدماغية للإنسان.

 كتاب "نشوء فكرة الألوهة" – مقاربة تاريخية فكرية

المقدمة بقلم المؤلف:

لعله السؤال يطرح نفسه، إذا كانت الألوهة هي العلة الأولى فكيف لنا أن نناقش في نشوئها؟ وكيف لنا أن نقارب هذا العالم السامي العالي طالما أننا كائنات أرضية يفصلنا عن عالم السماء ما يفصل؟ وهل يمكن للعقل الإنساني أن يصل إلى الحقيقة في اكتناه الألوهة؟.

هي جملة من الأسئلة المشروعة تحتاج إلى أجوبة منطقية موضوعية علمية، في وقت أمست الخرافة المجتمعية بعقليتها البسيطة تتحكم عبر رداء الدين بحركة العقل وطموحاته.

فإن كان العقل/الدماغ الإنساني قد أدرك روح الألوهة غير أنه لم يستطع إدراك الألوهة ذاتها وبقي يحاول ويحاول حتى زادت سماكة تلافيفه ولم يصل إلى نتيجة واضحة.

إذن عالم الألوهة عالم غير مدرك,غير محسوس، غير أننا نستطيع وفق مسيرة العقل الإنساني وتطوره أن ندرك أبعاد ما وصلنا إليه في محاولة لملامسة تجليات الألوهة وتمظهراتها في الكون وفي الإنسان.

وإن كانت العقائد البشرية الأولى التي صاغها الدماغ البشري قد طوبت المقام العالي في السماء وأسبغت عليه مجمل قيم الحق والخير، فإن الأديان السماوية ما لبثت أن أكدت صدقية ما وصل إليه الدماغ البشري في مجال الألوهة وهذا يعني أن العقل/ الدماغ البشري بإمكانه أن يكون الشرع الأعلى طالما تأمل وافترض وفكر واستنتج.

وفي دخولنا إلى عالم الدماغ البشري ومقاربتنا لأقسامه التي اختصت ببحثنا هذا فإننا نجد أن ثمة قسمين دماغيين يتنازعان الأضداد على المستوى البشري.

فمقابل القسم الحوفي/الطرفي/ في الدماغ والذي اختص بالتدين والعاطفة والغيرية نجد أن القسم الزواحفي اختص بالعدوانية وسلوكياتها وبالطقوسية بمعناها الواسع، وتجاه ذلك، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هل البشرية في تاريخها هي حصيلة صراع بين قسم طرفي وقسم زواحفي؟ وهل أن تطور الإدراك الإنساني عبر تطور القشرة الدماغية هو الذي تكفّل بإحباط نشاط القسم الزواحفي؟.

وإذا ما وسعنا الدائرة قليلاً، هل أن القسم الطرفي قد سعى نحو قيم الألوهة الخيرة مقابل سعي القسم الزواحفي لممارسة وظائف الشيطان؟.

هل نحن أمام صراع دماغي إنساني بين الله والشيطان, بين الحق والخير من جهة والفساد والشر من جهة أخرى؟، والحكَم في ذلك هو القشرة الدماغية سيدة الإدراك الإنساني.

وعلى كل ذلك كان قدرنا أن نناقش في هذا الكتاب مجمل الأفكار والتصورات والعقائد التي واكبت النشاط الفكري الإنساني المقترن بتطور البنية الدماغية.

ولم تكن الأفكار التي تمت مناقشتها سوى الوثائق التي كتبها الأقدمون في سعيهم نحو الحق والخير والسلام الاجتماعي الداخلي والتوازن النفسي الجمعي، ومحاولة إيجاد توازن بين عالم السماء وعالم الأرض.

ونحب أن نشير إلى جملة من الملاحظات في مستهل بحثنا:

أولها:

 أننا ووصولاً للغاية المنشودة في الموضوعية حاولنا التجرد قدر الإمكان من قناعاتنا وانتماءنا الديني كي لا نصادر عقل القارئ ونوصله إلى حقيقة نحن أبعد ما نكون عنها.

فقد استعرضنا وناقشنا واستنتجنا بعلمية وموضوعية صارمة بعيداً عن أي عاطفة مائلة لمعتقد أو دين وصولاً لما نظن أنه توازن فكري لا يصادر أفكار القارئ، وجلّ غايتنا أن ينبع السؤال لا الجواب,الشك لا اليقين, في جدل دائم وتفاعل فكري يوصل إلى الحقيقة وليس عبر استلاب القارئ وعقله.

يحضرنا هنا قول المؤرخ الفرنسي جان بوترو حيث يقول: "المؤرخ لا يتدخل مباشرة في المعتقدات ويكتفي بإنشاء المعطيات الحقيقية والقابلة للمعرفة التي تقوم عليها المعتقدات,وذلك بالوسائل نفسها التي يستخدمها قاضي التحقيق, وللغاية نفسها التي يرمي إليها.

وباعتبار أن الإيمان وسرعة التصديق كثيراً ما يتوافقان فإنه يحدث أن ينفض المؤرخ عرضاً عن المعطيات التي يقوم عليها الإيمان جميع الرواسب التي راكمتها عليها سهو لة التصديق.

إلا أنه لا شأن له بهذا الإيمان أن يشترك به أو يتجاهله أو يحاربه فإنه لا يفعل ذلك فقط بصفته مؤرخاً.

المؤرخ يزود الجميع بالمجمل المساحي للماضي الحقيقي وكل امرئ من بعده يتملى في هذا الماضي مثلما يريد" (1)

ثانيها:

إن الحقائق التاريخية المستندة إلى علم الآثار هي شأن علمي لا يقبل النقض لكنه يقبل المناقشة.

وبالمقابل فإن المرويات والأدبيات الدينية ربما حفلت بشتى الأخبار والحكايا والقصص التي لم يثبتها علم الآثار ولا علم التاريخ، وبالتالي فنحن لا نميل إلى إنكارها بقدر ما نميل إلى تحييدها حتى يأتي البرهان العلمي عليها في وقت ما عبر لقى أثرية أو نص وما إلى ذلك.. الخ.

و على هذا فقد يلاحظ القارئ مثلاً أن ثمة أنبياء ورسلاً ذكروا في الكتب الدينية ولكن على صعيد الواقع التاريخي لم نجد أثراً يدل عليهم وهنا تجاوزنا هذا الأمر لانعدام الوثائق والقرائن حول ذلك ونعود للقول: ليس إنكاراً لها بل انتظاراً لما يسعفنا به علم الآثار من أدلة.

ثالثها:

 في مجال التسميات الواردة في كتابنا ولاسيما أسماء الرموز المعتقدية المشرقية وسواها فنحن نعلم أن فك وترجمة النصوص المسمارية وغيرها تم عبر العلماء الغربيين، وهذا ما أدى إلى ابتعاد المسميات عن فحواها وروحيتها المشرقية وهذا يتطلب من مراكز البحث العلمي العربي ولاسيما في المشرق العربي من تدارك هذا الأمر والسعي إلى قراءة جديدة للنصوص تتناسب وروحية المشرق العربي ولهجاته وكتاباته طالما أن الأكدية هي جدة اللغة العربية.

لكل هذا نأمل من الباحثين اللغويين أخذ هذا الأمر بعين الاعتبار حين ورود أسماء قد تبدو غريبة عما يمكن أن تظهر عليه, لحين إيجاد دراسات لغوية جادة للهجاتنا القديمة.

رابعها :

إن المجال الجغرافي التاريخي لهذه الدراسة ركّز على المنطقة الممتدة من جبال زاغروس نزولاً حتى جنوب شبه الجزيرة العربية، بمعنى أنه شمل الهلال الخصيب بجناحيه الرافدي والشامي وشبه الجزيرة العربية بمافيها اليمن.

والحقيقة أن البحث في مفهوم نشوء الألوهة يدفع الباحث بشكل علمي وموضوعي وتلقائي إلى هذه المنطقة لأنها مهد الديانات السماوية أولاً،ومهد للحضارات الأولى في التاريخ الإنساني ولاسيما منطقة الهلال الخصيب.

ثم أن المدقق في طبيعة مفهوم الألوهة يستطيع أن يدرك دونما عناء أن ثمة خطاً ذهنياً واحداً بدأ منذ ظهور الإنسان واستمر صعداً حتى تبلور في الأديان السماوية، فالذهنية الاعتقادية لما قبل الديانات السماوية، لاتناقض في جوهرها تلك الديانات، لا بل تشكل الأرضية الذهنية - الثقافية لها، فليس ثمة قطيعة بين القبل والبعد كما درجت معظم الأدبيات الدينية على ترويجه، ولعل ثنائية، الوثنية التوحيد، تحتاج إلى إعادة نظر استناداً إلى قراءة جديدة للموروث الاعتقادي المشرقي.

أيضاً، ينبغي الانتباه إلى أن اختلاف البيئات الطبيعية وبالتالي البيئات الإجتماعية، يفرز اختلافاً في المفاهيم بين الديانات، فما ينطبق على البيئات الزراعية يختلف عما ينطبق على البيئات الصحراوية، والعكس كذلك.

وبعد:

لابد لي من تقديم الشكر والتقدير للأستاذ الدكتور محمد شحرور الذي دفعنا للبحث في هذا المجال المعرفي المهم.

كما نتقدم بالشكر الجزيل والتقدير للصديق الأستاذ الدكتور محمد محفل الذي تفضل مشكوراً بمراجعة الكتاب وتدقيقه والذي أثنى على محتواه.

كما أتقدم بالشكر لثلة من الأصدقاء الباحثين والمهتمين الذين واكبوا عملي في هذا الكتاب.

أخيراً.. "لا تقل إن الله في قلبي ولكن قل أنا في قلب الله".

اسم الكتاب: نشوء فكرة الألوهة

مقاربة تاريخية فكرية

المؤلف: د. بشار خليف

مراجعة وتدقيق: د. محمد محفل.

عدد الصفحات: 327.

القياس: 17 ـ 24سم.

الطبعة الأولى: 2011.

السعر: 300 ل.س.

يطلب من المكتبة الوطنية: دمشق ـ جسر فكتوريا، هاتف 2248560

للاستعلام : sindbad@scs-net.org

odat-h@scs-net.org