يا للوردة المسكينة!
-1-
ألمح سيدة أربعينية تسحب كلبها الصغير بشريط أزرق طويل يلف رقبته الضائعة بين ثنايا شعر أبيض كث. تدنو السيدة من وردة ملقاة على درب كونكريتي ضيق يشق الحديقة العامة. تلتقط بحنو الوردة المدهوسة وهي تمسح دموعها.
يا للوردة المسكينة!
لم يكن هذا المشهد على خشبة المسرح، بل رأيته بأم عيني في الحديقة العامة التي أذهب إليها كل يوم. توقف رجل عن هرولته، يعتمر طاقية رياضية ويعلّق قميصه في حزام سرواله القصير. لم يستغرب المشهد وكأنّ المرأة تصرّفت بشكل طبيعي، بل تعاطف معها وقدّم مواساته. جلس يمسّد كلبها بعد أن تركه يشم ظهر يده. أتّفق معها بأن هناك من هم قساة القلوب فعلا في مجتمعنا، حيث تسوِّل لهم أنفسهم بقطف الورود ورميها بكل وحشية على الطريق.
حرّك راحة يده اليمنى بوداعة على رأس الكلب. تمنى لها قضاء ما تبقى من يومها بكل متعة، بلا مشاهد مزرية.
كنت جالسا على كرسيي المتحرك أرقب المشهد وأقرأ الجريدة اليومية التي احتلت معظم صفحاتها تقارير الأزمة الاقتصادية المرتقبة. توقع بعض الاقتصاديين أن تفلس الكثير من الشركات مما يعرِّض آلاف العمال لفقدان وظائفهم، ويرفع مستوى البطالة عالياً.
وَضَعت الوردة على الحشيش تحت إحدى الأشجار، كأنها تبعد فتات خبز عن الطريق لئلا تدوسها أقدام المارة. كنت أتوقع منها، لإفراط رقتها، أن تحفر حفرة صغيرة ثم تدفن جثة الوردة.
مرّت من أمامي بشعرها الأحمر المنساب على كتفيها. تلف جيدها سلسلة فضية يتدلى منها قلب حب. انتَبهتْ لتعابير وجهي المتعاطفة معها، فَتحسّرتْ: "أليست تلك وحشية؟".
طبعاً، قلت لها. مضيفاً: "...رغم هذا فاليوم يبقى جميلا!".
أيّدتني. قالت إنها محظوظة لأنها لا تعمل اليوم. قلت متباهيا: "يعني أنا الأكثر حظا كوني لا أعمل إطلاقا". عدّلت نظاراتها الطبية، أوشكت على قول( وكيف يعمل كسيح مسن مثلك؟!) لكنها قالت: "لو ربحت جائزة اليانصيب سأهجر العمل اللعين".
- أين تعملين؟
- في شركة لبيع السيارات.
همّت بالذهاب متمنية لي قضاء وقتا طيبا. سألتها عن اسمها.
- كاثي. أراك لا حقا.
-2-
قرأت في الصحيفة خبرا عن طرد الكثير من الناس من بيوتهم لعدم تسديدهم الأقساط الشهرية للمصارف، بعد فقدانهم لوظائفهم. منهم من له القدرة على دفع إيجارات شقق صغيرة، منهم من أضطر لمزاحمة المتسولين للمبيت مؤقتا في المباني المحدودة المخصصة لهم، منهم من افترش الحدائق العامة.
يا لأصحاب البيوت المساكين!
-3-
لم تستطع الحكومة ضخ كميّات إضافية من الغذاء إلى مصارف الغذاء المجانية لاستيعاب حشود المحتاجين. فزادت أعداد الشحاذين، ومعدلات الجريمة، خصوصا جرائم نهب المحلات التجارية والأسواق. قد يقتل المواطن لمجرد حمله رطلا من اللحم.
يا للشعب المسكين!
-4-
صارت الحيوانات الأليفة عبئا على أصحابها الذين لم يستمروا بوظائفهم، فسلموها إلى مؤسسات الرفق بالحيوان. سرعان ما ضجت تلك المؤسسات بشتى أنواع الحيوانات، كلاب، قطط، أرانب، طيور، فئران، أفاعي، سلاحف، سحالي الخ. أغلقت أبوابها بعد حين وراحت الحيوانات تعيش بلا طعام في الشوارع والحدائق العامة. غصت المدينة بكل أنواع الفضلات.
يا للمدينة المسكينة!
-5-
تمكنّت لجان قتل الحيوانات السائبة من قتل عشرات الكلاب، مئات القطط، عدد لا يحصى من الأرانب، ما يقارب الثلاثين من السلاحف الصغيرة، حشد غفير من الفئران البيضاء الخ.
يا للحيوانات المسكينة!
-6-
زادت جرائم قتل أصحاب العمل ثم انتحار القاتل الذي يكون عادة من العمال المطرودين. أضحت كظاهرة تعاني منها المدينة، يقبل المطرود من عمله على قتل رئيسه فزملائه، ثم ينتحر.
يا للعمال المساكين!
-7-
تحولق بعض الرجال والنساء حول نار أشعلوها في الحديقة العامة، على بعد أمتار مني. يتداولون قنينة خمر كبيرة فيما بينهم. بعد أن يرتشف أحدهم منها يمسح فمه بكمّه الوسخ بطريقة مقززة. تتوسطهم كاثي ممسكة بصليب خشبي ومعلقة آخرا في رقبتها. بدت كئيبة ومنهارة، غير مصدقة أنها فقدت كل شيء لتعيش في حديقة عامة مع العشرات. يرعبها أحيانا أنها تحولت مثل الباقين الذين يلوكون كلماتهم بالقذارة قبل قذفها على مسامع الآخرين ككومة نفايات، كأنهم يتغوطون من أفواههم.
يا لكاثي المسكينة!
-8-
تركت كاثي حقيبتها السوداء المهترئة والمحتوية على بعض الأطعمة، قرب شجرة صفصاف كبيرة، هي بقعتها المخصصة لها. فيما كانت تجالس رفاقها حول النار لمحت قطة سوداء كبيرة تعبث بحقيبتها. بحركة سريعة صوبت الصليب الذي بيدها ناحية القطة ورمته فورا.
سمعتُ طنين الضربة مثل مطرقة نزلت على رأس القطة. طفرت مفزوعة. اتجهت بلا وعي صوب شجرة كبيرة مرتطمة بها. تباطأت حركتها محاولة إيجاد منفذ للهرب. ركضت باتجاه النار فعالجتها كاثي بضربة من قدمها الأيمن. طارت القطة عاليا مثل كرة. حطت على شجرة الورد. استقرت هناك وسال دمها على أغصان الشجرة اليابسة، الخالية من أي وردة.
يا للقطة المسكينة!
-9-
تطايرت النفايات وتحركت الأشجار بتأثير ريح شمالية تنذر بزوبعة وشيكة. هذا متوقع كما يقول أهل هذا البلد: "لا تثق بثلاث دبليوهات: المرأة woman، العمل work،الطقس weather". تحتمت علي العودة مبكرا إلى بيتي. رتبت الجريدة كما منحني إياها صاحب المتجر مجانا، إشفاقا علي، ورميتها كعادتي في أقرب قمامة.
يا للصحف اللعينة!
قاص عراقي مقيم في كندا
maitham20@yahoo.aom