عزازيل الذي يأتيك منك وفيك
"من أين أبدأ تدويني؟... البدايات متداخلة ومحتشدة برأسي ولعل البدايات كما قال أستاذنا القديم سوريانوس ما هي إلا محض أوهام نعتقدها، فالبداية والنهاية إنما تكونان في الخط المستقيم ولا خطوط مستقيمة إلا في أوهامنا. فكل شيء دائري يعود إلى ما منه بدأ ويتداخل مع ما به اتصل".
اعذروني... بدأت بمقطع صغير كهذا لسببين أولهما، ولا أخفيكم، لجذبك أنت الذي تقرأ هذه الكلمات وثانيهما لحقيقة ما حصل معي وأنا أحاول خربشة شيء ما مما فاضت به نفسي عندما كنت استمتع مع يوسف زيدان في روايته عزازيل، فقد كدت أعجز حتى عن الخربشة اتجاهها. وأقول خربشة ولست قاصداً بهذا المعنى التقليل من قيمة هذه الرواية بل بالعكس للتدليل على أهميتها بما أن الخربشة تعبير سهل عن النفس قد تصدر عن الطفل حتى.
فمن أين أبدأ تدويني حقاً؟ أأبدأ من الأسلوب السردي المشوق الذي خطه زيدان لأن هذه الرواية قد امتلكت بحق أسلوباً سردياً متميزاً، وامتلأت بحشد كبير من الصور المعبرة التي لا تملك أمامها من سلاح سوى إغماض العينين والعيش فيها، وهذا برأيي الشخصي ساعد العمل كثيراً للابتعاد عن مخاطر التحول إلى عمل تاريخي وجعل الصفة الروائية طاغية وملتصقة به.
واذا ابتعدنا قليلاً عن التحليل الفني للعمل واتجهنا نحو وجهة النظر التاريخية للكاتب نكون قد وقفنا إزاء كاتب قال كلمته ومضى دون أي تردد أو خوف من بيئته الشرقية العربية عموماً والدينية خصوصاً. وأحب أن أتطرّق إلى شيء خطر في رأسي عندما بدأت بالدخول في عالم "عزازيل" يوسف زيدان وهو رواية "شيفرة دافنشي" لصاحبها دان براون، و"الحروب الصليبية كما رآها العرب" للكاتب أمين معلوف، وعندما توقفت قليلاً لأسأل نفسي عن السبب الذي جعلني أتذكر هذين العملين وجعلني أقع في المقارنة التي لا مناص من الوقوع فيها كما أعتقد، وجدت أن الجواب ربما يكمن في أن هذه الأعمال تحمل طابعاً متناغماً سواء كان على صعيد الأسلوب السردي أو المعرفي أو حتى من حيث الموضوع كونهم يحملون وجهة نظر عقائدية تاريخية. ناهيك عن أن رواية "عزازيل" ورواية " شيفرة دافنشي" حاولتا على الأخص النبش في مناطق وفترات كانت محرمة وبعضها ما يزال محرما إلى الآن. ومما أكد لي وجود هذا التناغم أيضاً هو طريقة تقسيم العمل إلى فصول أو كما رأيتها إلى مراحل تطور تاريخية للأحداث والحقائق حملتها شخوص العمل، وعنونتها بما يناسبها. هل فرض الموضوع هذا الشيء؟ وهل يمكننا اعتبار أن هذا الأسلوب في كتابة العمل الروائي الذي يتطرق إلى تاريخ أصبح منهجاً خاصاً بهذا النوع من الأعمال الروائية التاريخية؟
أعود الآن لعزازيل يوسف زيدان لأسرد ما كان يصيبني أثناء قراءتها:
"أدخل فصلاً جديداً... أقرأه... يقترب من نهايته ثم ينتهي... أحاول التوقف قليلاً عن القراءة فيغريني عنوان الفصل أو الحدث الذي يليه فأسلم نفسي مستسلماً ... تتكرر هذه المعادلة أبداً".
الآن أرجو أن لا أكون قد أطلت عليكم خوفاً من تحقيق ما لن تحققه "عزازيل" من ضجر، ولأترك لكم نصيباً من شيء قد تقولونه عندما تقرأون هذا العمل. ولكن ماذا أفعل إذا كان عزازيلي الخاص هو من يحرضني على المتابعة على غرار عزازيل الأب "هيبا"،, وأنا لا أملك أمام وسوسته الجميلة سوى أن أتمنى العدوى بعزازيل آخر على شاكلته فأوفَق بذلك إلى شيء أهم وأمتع في المرة المقبلة.