النّضارة

عطية مسوح قرأها 1,739

النّضارة 

كثيرة هي الجوانب التي تحتاج إلى دراسة عميقة في الثورات المعاصرة، ثورات القرن الحادي والعشرين، ومن أهمها ثورتا تونس ومصر، ولا سيما ثورة مصر.
وإذا كان بعض هذه الجوانب يتعلق بالوسائل التي تعتمدها الثورة، وبعضها يتعلق بشعاراتها والطيف الواسع للقوى المشاركة فيها، فإن بين هذه الجوانب، بل لعله من أهمها، جانب يتعلق بدور الشباب في أي تغيير سياسي واجتماعي تقدمي.

وليس إدراك دور الشباب كشفاً جديداً مستخلصاً من ثورة مصر. فعبر التاريخ كانت الحركات الثورية حركات شبابية. لا بسبب الطاقة البدنية للشباب، بل بسبب طاقاتهم العصبية والروحية والعقلية والنفسية. فالتوثب والتمرد وانطلاق العقل وانفتاحه وتوقد الروح وسلامة الجملة العصبية وغيرها، ميزات يمتلكها الشباب، وهي من الخصائص التي تضعف مع الزمن، بمعنى أن التقدم في السن يمارس عليها تأثيراً سلبياً كبيراً، لا تعوّضه الخبرة أو زيادة المعرفة التي يحصّلها الإنسان من خلال تجاربه وعمره.

وثمة دلائل كثيرة تؤكد أن الخبرة لا يمكن أن تحلّ محلّ الخصائص التي يتحلّى بها الشباب، منها أن الخبرة التي كانت تنتقل، حتى أمدٍ قريب، عبر الصلة اليومية بين الشباب والكبار، أو عبر القراءة والثقافة الورقية، صارت تنتقل عبر وسائل أخرى، حديثة، يبرع الشباب في استخدامها والإفادة منها، بينما يقف (الكبار) عاجزين أو شبه عاجزين عن التعامل معها. ومنها أن الشاب يستطيع أن يحصل على المعلومات بغزارة تفوق ما كان متوفراً للأجيال السابقة. ففي ساعات قليلة يقضيها المرء مع شبكة المعلومات العالمية الحديثة، متنقلاً بين المواقع، باحثاً عن معلومة معينة، يستطيع أن يحصل على ما يمكن أن يحصل عليه خلال أيام، وهو ينتقل من كتاب إلى آخر، ومن صفحة إلى أخرى، ولعلّ هذا ما يجعل الكبار الذين لا يحسنون التعامل مع شبكة المعلومات، عاجزين أو شبه عاجزين عن مواكبة الحياة العلمية والثقافية والسياسية، وعن تطور المفاهيم والقيم.

ومع ذلك كله، فليس هذا ما أقصده بحديثي عن دور الشباب، بل أقصد بالتحديد أن أعيد الانتباه إلى الفكرة التي ذكرتها، وهي أن الحركات الثورية عبر التاريخ كانت حركات شباب، يقودها الشباب ويضعون برامجها وخططها، ولم تكن لتنمو أو تثمر لولا هذه الخاصة فيها.

الشاب في العشرينيات والثلاثينيات من عمره يكون في أعلى درجات الإبداع، لقد ثبت ذلك علمياً، وأكدته الحياة الفكرية والثقافية والسياسية، كما أكده النشاط الثوري (التغييري) عبر العصور. ولا غرابة في ذلك، فكل عمل إبداعي يحتاج، إضافة إلى الموهبة، إلى الجرأة، وإلى شيء من روح المغامرة والفضول ونزعة الاكتشاف والتجريب. ولولا ذلك لما كان الإبداع إبداعاً ولما كان تقدمياً.

والعودة إلى الماضي، بعيده وقريبه، تدل على ذلك. فمعظم الشعراء والأدباء والفنانين التشكيليين أبدعوا خيرة ما أبدعوه وهم في العشرينيات أو الثلاثينيات من أعمارهم. (ولا تلغي بعض الحالات الشاذة هذه الفكرة بل تؤكدها). وكبار الفلاسفة هم كذلك. ولعل قراءنا يعرفون أن ماركس وإنجلز كانا في العشرينيات من عمريهما حين وضعا أوائل الكتب التي حملت إبداعهما الأساسي الذي قام عليه بناؤهما الفكري كاملاً وأنهما كانا منظّريْ عصبة الشيوعيين ووضعا لها منطلقها الفكري والسياسي (البيان الشيوعي) عام1847، أي كان عمر ماركس تسعاً وعشرين سنة وعمر إنجلز سبعاً وعشرين. أما لينين وقادة الشيوعيين الروس فقد أسسوا وعملوا ونظّروا وانتشرت حركتهم وهم في العشرينيات والثلاثينيات من أعمارهم.

ولم تكن الحركات السياسية الناهضة في بلداننا العربية لتشذ عن ذلك. فالحركات التقدمية العربية الحديثة كان الشباب على رأسها، ولم تكن لتنهض وتفعل ما فعلت لولا ذلك. لقد تأسست الأحزاب الشيوعية العربية على أيدي شباب متنورين متحفزين طامحين، (يوسف يزبك، فؤاد الشمالي، أرتين مادويان.. ثم خالد بكداش الذي كان أميناً عاماً وهو في الخامسة والعشرين، وكذلك في فلسطين ومصر وغيرهما)، وبدأ أنطون سعادة بالعمل لتأسيس الحزب السوري القومي الاجتماعي ووضع أسس نظريته وهو في العشرينيات من عمره أيضاً، وكذلك مؤسسو حزب البعث العربي (حزب البعث العربي الاشتراكي فيما بعد)، بل إن إحدى الحركات الرافدة لهذا الحزب كان اسمها حركة الشباب، أما الحركات الثورية الأخرى، التي كان لها تأثيرها الواقعي، كحركات الضباط الأحرار، وما شابهها في عدد من البلدان العربية، فهي حركات شباب أيضاً.

لكن ما حدث بعد ذلك كان مأسوياً. فقد ظل المؤسسون على رأس حركاتهم، متشبثين بمواقعهم القيادية، وبصنمية أفكارهم، وهم يشيخون ويشيخون. وكيلا تتزعزع مواقعهم كانوا يحيطون أنفسهم بأعداد من الموالين والمريدين، وينظرون بريبة إلى الشباب الصاعد في حركاتهم ذاتها، وربما كان بعضهم حسن النية مقتنعاً بأنه الأكثر نضجاً ومعرفة، وبأن الشباب لا يصلون إلى مستواه، وأن حلولهم محلّه يشكل خطراً على الحركة. أدى ذلك، وعبر آليات معينة، إلى إحباط الشباب، وإضعاف نزعتهم الإبداعية، فشاخ القائمون على هذه الحركات، وشاخت حركاتهم معهم، فأصبحتَ تجد شخصاً في الثمانين على رأس (حركة ثورية)، ومناضلاً في الخامسة والسبعين أو الثمانين، لا يحسِنُ مخاطبة الشباب ولا يتفهم نزعاتهم وطموحاتهم، ولكنه (يقودهم).

وساهم هذا الأمر في شيخوخة الحركات ذاتها، إذ إن الشباب هم الأقدر على تجديد الحركة وبث الحياة في أوصالها، لأنهم الأقدر على إدراك الجديد والتطلع إليه.
إن بقاء الرجل في مكان الإداري أو القيادي فترة طويلة قد يؤدي إلى الجمود والترهّل، فهو يعطي ما يستطيع إعطاءه في السنوات الأولى من وجوده في مكانه، ولا بدّ لاستمرار التطور من روح جديدة وأفكار جديدة وأساليب أخرى، لا تتوفر لديه، وكم سيكون شهماً ونافعاً حين يمهّد الطريق لغيره كي يحل محله!

لا تنهض حركة سياسية أو اجتماعية لا يقف الشباب على رأسها، ولا يتدفق إبداع فكري أو ثقافي من عقول ضعفت نضارتها (يبدو لي أن لنضارة العقل علاقة ما بنضارة الوجه!) واشتد ارتباطها بالتقاليد، وإن كانت (تقاليد ثورية)، فالماضي للماضي، أما الواقع فله مقتضياته، وأما المستقبل، فلا يأتي حسناً إلا إذا صنعه شباب طامحون، ينظرون إلى الأمام، لا إلى الخلف، ولا يبحثون في زوايا التاريخ ولا ينقّبون في الماضي، ولا لدى السلف عن حلول لقضايا معاصرة، وعن مستقبل أفضل.