خطاب لم يرسل
يطير قلبي إليك في كل وقت.. وأنا نائم يطير قلبي إليك، وأنا أسير، وأنا أصحو، يطير قلبي إليك.. وأراه أمام عيني.. يحلق في الهواء ويحترق في الطريق إليك.. أراه.. ولا أستطيع أن أمدَّ يدي لأطفئ الحريق، أو أصد عنه اللهب. يطير قلبي إليك، لا يتوب، ولا يتعلم أبداً أن التحليق نحوك سيحرق جناحيه وعظامه، وأن الطيران إليك سيسقطه محترقاً مثل نجم أبيض، لا يتعلم قلبي، ولا يفهم، ولا يتّعظ، ويفلت دوماً من صدري إليك، أناشده أن يتمهل، أن يقف، أن يعقل، لكنه يندفع بعنف، كأنك أنفاسه، وكأنك خفقه، وحياته، وكأنه ما وُجد إلا من أجل أن يطير نحوك.
السماء للمطر، والنهر للخضرة، والشمس للنّماء، وقلبي لك. أعطيك ظهري، فيجرجرني ويعطيك وجهي، ويريك عيني، وشفتي، وأنا في حلقة النار. ألعنه، فيبتسم كالطفل، ويقول: لأجل خاطري دعني أطير مرة أخرى، مرة أخيرة. أسبّه، وأمسك به بين قبضتي، أريد أن أسحقه، فيتطلع إلي من بين أصابعي، ويسألني: أتعاقبني لأني عشقت؟ عاقبني لو تسمّم دمي بكراهية، لكن تسحقني لأنني عشقت؟. أطلقه، أحرره، فيتأملني لحظة، بعينين تطلبان المغفرة، مثل طفل أذنب، ويستدير، ويطير إليك، وأراه في الهواء مندفعا بفرحة محترقاً من شوقه. أسأل الله أن يخلصني من هذا القلب الطائر، القلب الذي لا يسكن إلا المسافات التي تفصلني عنك، أقول: يارب لا تجعل حياتي مشاهدة لقلب يحترق، دعه ثابتاً بين ضلوعي، دعه راسخاً في صدري، فينظر إلي الرب قائلاً: هذا قلبك، لأنه يطير، هذا قلبك لأنه يحترق، هذا قلبك لأنه يحب، هذا قلبك لأنه يعذبك، هذا قلبك لأنه يعرف ما تريده أنت، هذا قلبك، لا تنكره، واطلب له السماح. أقول له: يارب إنه يحترق ألف مرة، وألف مرة أرى جناحيه مندلعتين في اللهب، عينيه تذوبان من نار العشق، خلصني منه، أو خلصه مني. يبتسم الرب برحمة متمتماً: لم يبق إلا القليل، فاصبر، وعش هذا الحريق، وتحمله، إنه مفتاح الفردوس التي ينتفض فيها كل شعور بالحب. أحني رأسي، وأركع على ركبتي وأضم قبضتي متوسلاً: يارب تعبت من قلب يطير طول الوقت، فاجعله قطعة مني، وليس قطعة من المسافات اللاهبة، يارب، أفلتني من فردوس عينيها، وفردوس صوتها، أفلتني، ونجني، وامنحني الجحيم، ربما يختنق الخفق هناك، وينطفىء الشوق. يارب امنحني الجحيم. ويصمت الرب متفكراً لكن لا يقول شيئاً.
7 مارس 2011