مرّة أخرى عن جابر عصفور و"جائزة القذافي"

شاكر فريد حسن قرأها 1,199

مرّة أخرى عن جابر عصفور و"جائزة القذافي"

جابر عصفور،  هذا الأستاذ الاكاديمي،  والناقد المصري الكبير،  والمثقف التنويري التقدمي اليساري، والوزير السابق الذي قدّم استقالته من وزارة الثقافة في حكومة أحمد شفيق الموالية لنظام حسني مبارك القمعي الاستبدادي، بعد ان رأى حجم المعارضة والانتقاد الشديد له بين أوساط المثقفين المصريين والعرب النخبويين..

هذا المثقف تحوّل بين ليلة وعشاها إلى مناصر للشعب الليبي ضد الطغمة الفاشية العائلية والدكتاتورية، واكتشف فجأة أنّ معمر القذافي دكتاتور خطير وسفاح يذبح أبناء شعبه ويقتلهم بالطائرات والصواريخ والدبابات، ولذلك قرر التنازل عن جائزة "القذافي العالمية للآداب"،  دون أن يعيد قيمتها، التي نالها في العام الماضي،  وقيمتها مائة وخمسون ألف يورو،  وكان قد قبلها - كما قال - انسجاماً مع موقفه الداعي إلى الاشتراكية والحرية!.

وهذه الجائزة رفضها في حينه كاتبان عالميان هما: الكاتب الإسباني الشهير خوان غويتسولو الذي كتب مقالاً عن الجائزة قال فيه" إنه يرفضها انسجاماً مع قناعاته ومواقفه المناصرة لقضايا العدل، وأنه يرى في رفضه خطوة في اتجاه البحث الدائم عن التماهي مع مواقفه المناهضة دوماً للأنظمة الاستبدادية، ولا يقبل مالاً من القذافي الذي تولى الحكم بانقلاب عسكري لأكثر من 40 عاماً ".

والثاني هو الكاتب الجنوب الافريقي برايتن بريتنباخ، الذي رفض الجائزة دون توضيح سبب ذلك.

إنّ قبول جابر عصفور لجائزة القذافي وتنازله عنها الآن، وقبوله بمنصب وزارة الثقافة أبّان ثورة الشباب في "ميدان التحرير"، واسقالته منها بعد فترة قصيرة، إن ذلك يظهرالتذبذب الواضح في المواقف والممارسات، ويدل على الحالة المزاجية الشيزوفرينية التي يعيشها عصفور وأمثاله من المثقفين العرب، الذين تخاذلوا أمام المشهد الراهن الذي يحدث ويجري في أوطانهم، فصمتوا وبحّت أصواتهم، ولم يشاركوا في الثورات الشعبية،  وظلوا رهيني الخوف، يراقبون ويتفرجون من بعيد عبر النوافذ، بحذر شديد وبعين انتهازية،  ما يحدث من مواجهات على أرض الواقع، وانهيار الأنظمة الفاسدة الحاكمة، لكي يحافظوا على مكاسبهم الشخصية  ومصالحهم الذاتية الضيقة.

إنّ الرهان ليس على هذه الفئة من المثقفين، الذين يرقصون في كل عرس ومحفل،  يهادنون النظام والمؤسسة، ويضربون بسيف السلطان ويأكلون من خبزه، بل الرهان على المثقفين الثوريين الصادقين والحقيقيين الأحرار، الذين اختاروا الثقافة أفقاً للحرية، وسبيلاً رحباً نحو العزّة والكبرياء والكرامة، ويمارسون دورهم الطليعي في مواجهة قوى البغي والطغيان والاستبداد والفساد، والتفاعل مع شعوبهم المقهورة، ويشاركون في الثورة الملهمة لأجل الإصلاح والتغيير وإرساء قيم التحديث والديمقراطية والحرية والعدالة .

وأخيرا، لا يمكن للثقافة أن تنهض دون أن يكون المثقف نفسه حراً،  صلباً، مستقلاً برأيه، مغرداً خارج السرب، مغامراً، مغايراً، صدامياً، لا يرضخ للإغراءات والإملاءات،  ويرفض التدجين وشراء الذمم وفسادها وبريق النقود ولمعانها.