هل يمكننا تغيير العالم بالفعل?

مازن كم الماز قرأها 2,276

منذ فكرت بالكتابة لأول مرة، وخاصة بعد أن بدأت الكتابة بالفعل، كان السؤال كبيراً جداً أمامي: لماذا أكتب، بل ما هو جدوى كل شيء قد نفعله خارج الالتزام الحرفي والنصي بكل ما يفرض علينا، بكل ما يفرضه علينا رجل الدين والسياسي والمثقف والشرطي وحتى أي شخص وقح يملك ما يكفي من العضلات والنذالة ليصفعك، أذكر هنا ما قاله شاعرنا المعري، أحد أكبر أساتذتي في مادة الحرية، عن أنه كان ينوي أن يفعل ما لم يفعله الأوائل، لكن ها هو المعري مات ومرّت على كلماته قرون طويلة بينما كل شيء انتقده في هذا العالم، وربما حلم بتغييره، ما يزال على حاله....

إذا لم تكن تكتب كمهنة، كمهنة تعتاش منها كما يعتاش العمال من قوة عملهم، إذا كنت تزعم أنك تبحث عن الحقيقة أو شيء منها، عن فسحة من الأمل في هذا العالم، فلماذا تكتب؟ بدأت يومها بالكتابة فقط كجزء من وجودي نفسه، أي بذات الطبيعية التي أتناول فيها الطعام أو أمارس أو أحلم بالجنس وأنام عندما يمكنني النوم، لم أناقش فعل الكتابة تماما كما لم أناقش أي شيء آخر أفعله، ربما كان الأمر على هذا النحو: أنا أكتب إذا أنا موجود، لكن هذا العالم العصي على التغيير، مصدر عذاب الملايين ممن يعيشون فيه، يولدون فيه ويتركونه فقط لضرورة أن تعيش قلة من البشر كما ينبغي، هذا العالم كان أيضا يعذبني، ويستمر بتعذيبي، هل يمكن التخفيف من قسوة وغباء هذا العالم، هل يمكننا يوماً ما أن نعيش كبشر في نهاية المطاف، أم أننا سنفعل كما فعل أستاذنا المعري، نكتب، نثرثر، ثم نمضي، تاركين هذا العالم كما هو، ينام، ينوء بكل ثقله على أجساد الفقراء والمحرومين كما قال غيفارا ذات يوم... اليوم وهذا العالم يبدأ بالتغير من حولنا، يخفف قليلاً من وطأته على أجساد الفقراء والمحرومين بسبب صرخاتهم المرتفعة اليوم بدلاً من أنينهم المكتوم بالأمس، أكتشف كما تكتشفون جميعاً أنه عالم يمكن تغييره، لعلّ المعري كان ينتظر حتى نهاية حياته أن يرى ما نراه اليوم، لكن يمكننا اليوم فقط أن نقول أنه حتى لو لم نر ما يجري اليوم كما كان حال المعري والآلاف، الآلاف من غيره، ممن حلموا ذات يوم بتغيير العالم، يمكننا اليوم أن نقول أن الحلم بتغيير العالم ليس فقط أروع وأعظم حلم على وجه الأرض، أعظم أحلام الإنسان على الإطلاق، بل أنه أحد أهم القوى التي تغير العالم بالفعل، لا يمكن القول أن ما جرى في مصر في 25 يناير كانون الثاني كان فقط نتيجة دعوة على الفيسبوك، تعود الدعوة الأولى إلى أول لحظة تمرد فيها المحرومين على سادتهم، لحظة واحدة في التاريخ اختزلت كل ذلك التاريخ الطويل جدا من الحلم بعالم أفضل، نحن نعرف اليوم أنه سيجيء يوم ما بعد كل هذا القهر الطويل جداً سيصبح فيه الحلم أكثر من مجرد حلم، يوم سيكتب فيه المهمّشون تاريخاً جديداً، سيبدأ عنده التاريخ من جديد...