الحمار يستعيد مجده... ق ق

نبيل عودة قرأها 584

كان للجمعية الثقافية التي يديرها سامي حمارٌ جميلٌ، رفيع الصوت في نهيقه، لدرجة أن أعضاء الجمعية، كانوا يسمونه تيمّناً بـ"الحمار المثقف"، الأمر الذي جعل "أنوار" زوجة مدير الجمعية ونائبته في إدارتها، تعترض على هذه التسمية، التي تلحق بالمثقفين والمثقفات من أعضاء الجمعية، إهانة مباشرة، إذ ستصبح صفه المثقف أو المثقفة تماثلاً مع صفة يحملها حمار، وهذا أمر لا يرضاه الله، ويشكل وصمة غير مريحة للجمعية وأعضائها، وللصورة التي سترتسم عنهم في الوسط الثقافي، خاصة وان نقاداً غير نبلاء، يوجهون سهاماً سامة ضد الجمعية وإدارتها، ويجب تلاشي موضوع وصف الحمار بالمثقف قبل ان يلحقهم كلام وقعه سيء على الأذن.

تسمية الحمار بالمثقف أشعلت الخلاف بين أنوار وزوجها سامي الذي لم يقتنع بوجهة نظرها الثقافية، لأن الحمار حمار، حتى لو نشأ في جمعية مثقفين أو لقب بالحمار المثقف. والمثقفون والمثقفات من أعضاء الجمعية لا يتشبهون بالحمار، حتى لو تشبه الحمار بهم. فهم لا ينهقون إلا إذا غضبوا وفلتت براغي دماغهم.

 سامي طلب من زوجته العصبية أن تغلق موضوع الحمير من البحث المتكرر في اجتماعات الجمعية، لأن القضايا الثقافية المطروحة أهم من موضوع الحمار، ولكن بغياب ما يبحثه المجتمعون، وشحّت القضايا الثقافية التي يلمّ بها أعضاء الجمعية، كانت مشكلة تسمية الحمار يالمثقف، او سحب هذه التسمية منه، هي الشغل  الشاغل منذ تأسيس الجمعية، ويبدو ان ذكاء الحمار كان شديداً، اذ كان ينهق بقوة أثناء بحث موضوعه وكأنه يقول لهم إن لي رأياً يجب ان تأخذوه بعين الاعتبار.

الزوجة أنوار، والنائبة للرئيس بنفس الوقت، قدّمت مداخلة ثقافية بارعة، ادعت فيها انه رغم اختلاف نهيق الحمار عن نهيق أي عضو من أعضاء الجمعية، فانه من الصعب إقامة الدلائل المشتركة بين نهيق كاتب منضوٍ تحت لواء الجمعية او نهيق الحمار، وان المشكلة هي في التسمية فقط، وليس بالفعل العملي او بالصوت.  فالتشابه غير قائم حقاً، ولكن التسمية مؤذية، والخوف ان تنفتح قريحة ذلك الكاتب، الذي "يصُف الكلمات بجانب بعضها" حسب تعبير أنوار، وينتبه ان الحمار أيضا صار مثقفاً في جمعية سامي وأنوار الثقافية، مما يخلق تشابهاً في الصفات التي يحملها الحمار وغير الحمير في نفس الجمعية، وربما في المستقبل يقوى الخجل فينفض العُقال، ولا يبقى من أعضاء الجمعية الا مديرها ونائبته والحمار ثالثهما. فأية جمعية هذه لا تميّز بين حمار وابن بشر؟ والخوف ان تصبح حالهم بائسة وعرضة للكاتب نفسه الذي يجمع بين كلمات، وتتبهدل ألقابهم.

الحمار حمار ولا يحتاج الى صفة مثقف. هذا هو الحل الأمثل ولينهق محتجاً، فالنظام أقوى من الحمير. ولأنه من ناحية أخرى، من غير المجدي استعمال لقب متشابه بين الحمار والمثقفين من أعضاء الجمعية، حتى لا يلحق الضرر باسم الجمعية، وتصير حال سامي وأنوار مثل القائد بلا عسكر. ولكن ما جعل سامي يصر على رفض مواقف نائبته (في الاجتماع وليس في البيت) أهمية الحمار للجمعية، اذ انه يشكل مصدر دخل لاستمرار نشاطها، وهنا الإشكالية، فهو مصدر الدخل والاستمرار، أي العامل الاقتصادي الحاسم، وبدونه لا تقوم قائمة لرئيس الجمعية او نائبة الرئيس او الرئيس الفخري.. او أي شخصية معتبره وذات لقب كبير في الجمعية الثقافية.

والأمر الذي  يتردد سامي من طرحه، حتى لا يعلق وتنتف شواربه، هو  ان ما يقوم به الحمار تعجز عن القيام بمثله مائة أنوار...

سامي يخرج كل صباح باكراً، يبحث عن كل ما يمكن أن يباع، من هنا قطع حديد أو نحاس أو ألمونيوم من هناك بعض الحطب، من حاويات القمامة بعض القناني الفارغة، ويعود آخر يومه مرهق، وأحياناً كثيرة، ينسى أنه مثقف، وليس مجرد مسؤول عن جمعية وحمار وتمويل نشاطات. وللأسف  يتهامس البعض أنه لم يسجل في سيرته الذاتية إلى جانب ألقابه الثقافية المتعددة أنه حّمار أيضاً. ولكن أنوار عنيدة منذ عرفها، لا تتوقف عن الشكاوي والإلحاح لأن تنزع صفة المثقف عن حمار الجمعية. حتى الحمار بات يرتعد غضباً كلما سمع صوتها وكأنه لشدة مفهوميته قد استوعب من يقف الى جانبه، ومن يقف ضده. فهي تصرّ بالحاح انه من غير المعقول أن يكون زوجها سامي محسوباً على المثقفين ويسوس حماراً، هذه إهانة لهذا الجنس النادر من المثقفين  الذين تستقبلهم الجمعية على الرحب والسعة، ويضر بمستقبل الجمعية، وبناء على طلب أنوار عقدت الجمعية اجتماعات كثيرة للتداول بصفة الحمار. هل هو مثقف لأنه تابع لجمعية المثقفين؟ أم هو مثقف لأن صوته لطيف حين ينهق، وليس كأصوات الحمير المزعجة؟ أم هو مثقف  مما تعلمه من تكرار السمع في الندوات والأمسيات التي يستمع إليها مضطراً وهو يلتهم العلف ويتجشّأ مثل المثقفين المعجبين بقصص أنوار وكتاباتها عن النبلاء؟! ورغم كل الأسئلة الفلسفية حول مدى ثقافة الحمار، لم يجرؤ أحد ان يمتحنه بقضايا الثقافة، خوفاً ان يظهر الحمار متقدما ثقافيا عن ممتحنيه.

في إحدى الندوات، خرجت أنوار عن الموضوع، وغافلت رئيسها في الجمعية وعبدها في البيت، وطرحت موضوع الحمار، وهل يصح أن تحمله الجمعية لقباً لا طاقة له به؟! إلا يعتبر  لصق صفة  المثقف بالحمار، إهانة لأبناء جنسه من الحمير، التي تخدم الشعوب ويخدم فرد من جنسها جمعية الثقافة؟!

سامي حاول إسكات زوجته خوفاً من أن يسمع الحمار احتجاجها، فيغضب ويعلن تمرده وإصراره على إسقاط النظام، ويطالب بترحيل سامي وأنوار، فالحمار، مهما كان حماراً، لا يمكن ان يقبل سحب اللقب الذي اعتاده مقرونا باسمه. يكفي انه مستغَلٌّ ومهان كل نهاره وليله، فهل يبلغ الجحود بأنوار ان تحرمه من لقب لا يسمن ولا يغني؟

وهذا ما حذر منه سامي. قال:

الويل من رد فعل الحمار على استمرار النقّ حول ألقابه المحترمة والاستهتار بها فهو أبو صابر، وابن شنة وابن دلام وابو زياد، والجورف والعرد والعكموس، والكسعوم، والمكراف، والنخة، والكباص، والعلج، والقيدار، والجلعد، والأخطب، والصعل، والصلصل، والمصلصل، والهمهيم، والدبل، والنهاز، والكندر، والكندير، والكنادر، والقلح، والقلد، والمغض والمجلح، والمحلاج وهناك أسماء أخرى تجعل المثقفين من أعضاء جمعية الثقافة، بشعرون بالغيرة من الحمار وكثرة ألقابه في لغة العرب، ولولا قيمته الاستراتيجية للشعوب العربية لما أطلقوا عليه كل هذه الأسماء والألقاب، بينما هم بالكاد يضيفون لأسمائهم لقب كاتب او شاعر، فهل يضير الحمار أن يحمل لقباً جديداً بعد كل هذه الألقاب التي حملها إياه البشر؟!

في التصويت قرر أعضاء الجمعية أن ما منح للحمار من ألقاب لا يمكن استردادها، لأنه بعد فحص هذه الإشكالية في القانون، تبين ان الحمار اذا توجه للمحكمة الوطنية العليا ستنصفه وتعيد له ما صار يعتبر صفة ملازمة له في الجمعية الثقافية. لذا يقترح سامي اتخاذ قرار يقول ان الجمعية فخورة بوجود حمار مثقف في جمعيتهم، وأن اللقب يساهم في تشجيع الحمار على الخدمة بصبر والتزام، وتخيلوا أن يرفض غداً نقل بعض الحديد للبيع، من أين ستجد الجمعية أثمان القهوة والشاي، وبعض الضروريات لجيبة أنوار؟!

ولكن أنوار لم تقتنع وحولت نقدها ونقها على الحمار، إلى زوجها سامي متجاوزة صلاحياته بصفته الرجل صاحب القول الفصل.

وضعت أنوار خطة جهنمية لجعل زوجها العنيد يقبل أخير بوجهة نظرها.

كانت تتأخر عن إعداد وجبات الطعام، فيعود المسكين مرهقاً ولا يجد أمامه إلا كسرة خبز بدون ادام، حتى بات يحسد الحمار على شعيره.

حتى الماء صار مشكلة، فالسيدة أنوار تغلق قاطع المياه وتخبئه حتى لا يستحم زوجها بعد يوم شاق. ولكن المياه للحمار لا تنقطع، فصار سامي يشاطر حماره ماء الشرب، فهو حمار لطيف وجميل ونظيف.

حتى كانت واقعة لا تنسى، كان يتأهب للخروج بحماره في يوم عمل جديد، فالتقط رغيف خبز طيب الرائحة دون أن تلحظه زوجته، ولكن عندما اكتشفت أنوار نقصان رغيف واحد، خرجت عن أطوارها، واندفعت نحو زوجها والحمار صارخة غاضبة، وأمام صمت زوجها، لم يصبر أبو صابر، فأطلق العنان لقدميه الخلفيتان بضربة معلم أصابت رأس أنوار، فخرت مضرجة بدمائها. فحمد سامي ربه سرا، وقبَّل الحمار من شفتيه.

 في الجنازة الكبيرة، وبعد انتهاء خطابات وقصائد الرثاء، لاحظ الشيخ أن النساء يقتربن من سامي ويوشوشنه، وهو يهز رأسه موافقاً. ولاحظ أيضا أن الرجال أيضا يقتربون منه ويوشوشونه فيهز رأسه رافضاً. وتكرر ذلك في خيمة التعازي أيضاً.

الشيخ لم يفهم لماذا يقول برأسه "أجل" لكل السيدات المثقفات، ويهز برأسه "لا" لكل الرجال المثقفين من أعضاء الجمعية.

هذه الحركة الغريبة التي يرقبها سيدنا الشيخ منذ يوم الدفن وصولاً إلى أيام التعازي، أخبرته أن في الأمر سراً، ولا بد أن يكشفه. وتمنى من الله ان لا تكون وراء هذه الحركات فضيحة أخلاقية.

يعد انتهاء أيام العزاء اختلى شيخنا الجليل بالسيد سامي. وبعد المقدمات والمواعظ عن الأخلاق والسيرة الحسنة فاتحه في الموضوع:

-               يا أبني لاحظت أن جميع عضوات الجمعية تحدثن معك اثناء الأجر وأثناء العزاء، وأنك هززت رأسك موافقاً، ولم تهز رأسك رافضاً لأي منهن، ولكني لاحظت أن جميع الرجال أعضاء الجمعية، أيضاً تحدثوا إليك ولكنك هززت رأسك رافضا بقوة، فهل تفسر لي يا سامي سر ما رأيت؟

قال سامي:

-                يا سيدي الشيخ الموضوع بسيط، النساء جئن إلي ليقلن كم كانت السيدة أنوار، زوجة صالحة وإنسانة طيبة، طباخة ممتازة، واديبة عالمية، ومثقفة كبيرة سنشعر بنقصانها، وأجبت أجل هذا صحيح. شكراً.

وتوقف سامي. حثه الشيخ:

-               وماذا مع الرجال الذي هززت لهم رأسك بالرفض.

-               آه يا سيدي الشيخ، الرجال كان يسألون إذا كان الحمار للبيع!!.

nabiloudeh@gmail.com