كلمات ثائر - الفصل الأول - الوضع اليوم - بيتر كروبوتكين*

ترجمة مازن كم الباز قرأها 697

من الواضح أننا نتقدم بسرعة نحو الثورة، نحو نهوض ثوري سيبدأ في بلد ما وسينتشر، كما في عام 1848، إلى كل البلدان المجاورة، وعندما ستهز المجتمع القائم حتى جذوره، فإنها ستفتح أيضا ينابيع الحياة.

لإثبات رؤيتنا هذه، لا نحتاج لأن نستدعي شهادة مؤرخ ألماني شهير (1)، أو فيلسوف إيطالي معروف (2)، اللذين درسا تاريخنا المعاصر بعمق، لنصل إلى استنتاج أن ثورة كبرى حتمية نحو نهاية هذا القرن. علينا فقط أن نراقب المشهد الذي يمتد أمام أعيننا في العشرين سنة الماضية، وعلينا فقط أن نراقب ما يجري حولنا.

عندما نفعل هذا، فإننا سنميز حقيقتين أساسيتين تصدران من الأعماق الغامضة لهذه الصورة: استيقاظ الشعوب، على عكس الفشل الأخلاقي والفكري للطبقات الحاكمة، والمحاولات العنيفة لكن العاجزة للأغنياء لإيقاف هذا الاستيقاظ.

نعم، استيقاظ الشعوب!

في الجو الخانق للمصنع كما في ظلمة مطبخ مطعم ما، تحت سقف مخزن القمح كما في الممرات الضيقة الممتدة للمنجم، يتشكل عالم جديد في هذه الأيام. بين هذه الجماهير التي تعيش في الظل، التي احتقرتها البرجوازية بقدر ما كانت تخشاها، لكن التي من بينها ثارت دائما الروح التي ألهمت كبار المصلحين، تطرح أكثر مشاكل الاقتصاد الاجتماعي والتنظيم السياسي صعوبة واحدة تلو الأخرى، تناقش، وتعطى حلولا جديدة يمليها الإحساس بالعدالة. تنفذ هذه النقاشات إلى قلب علة المجتمع. توقظ آمالا جديدة، وتكشف عن أفكار جديدة.

تتمازج الآراء وتختلف إلى ما لا نهاية، لكن تياران من الأفكار يبدوان أكثر فأكثر وضوحا وسط هذا الضجيج من الأصوات: إلغاء الملكية الفردية والشيوعية، وإلغاء الدولة، واستبدالها بالكومونة الحرة، والاتحاد الأممي للعمال. يلتقي كلا الطريقين في هدف واحد: المساواة. ليس تلك المعادلة (الصيغة) المنافقة للمساواة، التي تكتبها البرجوازية على راياتها وقوانينها في سبيل استعباد أسهل للمنتجين، بل المساواة الحقيقية: أن يشترك الجميع في الأرض ورأس المال والعمل.

من غير المجدي أن تسعى الطبقات الحاكمة لخنق هذه المطامح والرغبات باعتقال الناس ومنع كتاباتهم. الأفكار الجديدة تنفذ إلى عقول الناس **، تستحوذ على قلوبهم بنفس الطريقة التي استحوذت فيها أسطورة الأراضي الغنية والحرة في الشرق على قلوب الأقنان عندما اندفعوا إلى صفوف الصليبيين. قد تنام الفكرة لبعض الوقت، إذا منعت من البروز إلى السطح، قد تختبأ داخل التربة، لكن هذا سيؤدي فقط إلى أن تنبعث من جديد أقوى مما كانت عليه. عليك فقط أن تنظر إلى الاستيقاظ الحالي الجديد للاشتراكية في فرنسا، الانبعاث الثاني في فترة قصيرة من 15 عاما. عندما تأتي الموجة فإنها ترتفع حتى أعلى فقط بعد فترة قصيرة. وما أن تبدأ المحاولة الأولى لوضع الأفكار الجديدة موضع التنفيذ، فإنها ستقف في مواجهة كل واحد في كل بساطتها، بكل إشراقها. إذا نجحت محاولة واحدة فقط من هذه المحاولات (كما جرى في ثورة أكتوبر في الماضي، وكما جرى اليوم في مصر وتونس – المترجم)، عندها سيمنح الوعي بقوتها الخاصة الشعوب قوة دافعة بطولية.

لا يمكن لهذه اللحظة أن تتأخر طويلا. كل شيء يقربنا من النقطة التي يصل فيها الفقر نفسه، الذي يجبر غير المحظوظين على التفكير، إلى نقطة البطالة المفروضة، عندما سينتزع الإنسان، الذي بدأ بالتفكير بالفعل، من معمله ويلقى إلى الشارع، عندما سيتوصل بسرعة لمعرفة فساد وعجز الطبقات الحاكمة.

و في هذه الأثناء، ما الذي تحققه هذه الطبقات الحاكمة ؟

بينما تنتج العلوم الطبيعية شعورا قويا (حماسة) تذكر المرء بالقرن الأخير عندما كانت الثورة الفرنسية تقترب وعندما فتح المخترعون الشجعان آفاقا جديدة كل يوم لنضال الإنسانية ضد قوى الطبيعة المعادية، فإن العلم الاجتماعي – وهو اختراع برجوازي – يبقى صامتا وقانعا بالعمل وقفا لنظرياته البالية (التي تجاوزها العصر).

لكن لعل الطبقات الحاكمة تحقق التقدم في الأمور العملية ؟ لكن الواقع بعيد جدا عن ذلك. إنها تستمر في التركيز بعناد على التلويح براياتها البالية، على الدفاع عن الفردانية الأنانية، والمنافسة بين الإنسان والإنسان وبين الشعب والشعب، وعلى السلطة الكلية للدولة المركزية.

إنهم ينتقلون من الحمائية (نظام حماية المنتجات المحلية) إلى التجارة الحرة، ومن التجارة الحرة إلى الحمائية، من الرجعية (المحافظة) إلى الليبرالية ومن الليبرالية إلى الرجعية، ومن الإلحاد إلى الخرافة ومن الخرافة إلى الإلحاد، دائما خائفة، دائما تنظر باتجاه الماضي، وحتى غير قادرة على معرفة أن أي شيء لن يدوم إلى الأبد. كل شيء حققته الطبقات الحاكمة كان في الواقع يتناقض مع ما وعدت به. لقد وعدت بأن تضمن لنا حرية العمل لكنهم جعلونا عبيدا للمصنع، للمالك، لمراقب العمال. أخذوا على عاتقهم مسؤولية تنظيم الصناعة، لكي يضمنوا سعادتنا (رفاهنا)، لكنهم أعطونا أزمات لا نهاية لها مع كل ما أدت إليه من فقر، لقد وعدونا بالتعليم لكننا في النهاية اضطررنا للخضوع (أو لنختزل إلى) للمهمة المستحيلة بتعليم أنفسنا، وعدونا بالحرية السياسية، لكنهم قادونا من رجعية إلى أخرى، وعدونا بالسلام، لكنهم أعطونا حروبا لا تنتهي. لقد فشلوا في كل ما وعدوا به.

لكن الناس قد تعبوا من هذا كله، وبدؤوا يسألون بعضهم البعض إلى أين انتهوا، بعد أن تركوا أنفسهم خاضعين ومحكومين كل هذه الفترة من قبل البرجوازية. يمكن أن نشاهد جواب هذا السؤال في الوضع الاقتصادي الذي يؤثر على أوروبا اليوم. الأزمات التي تنتج الكوارث أصبحت مزمنة. أزمة القطن، الأزمة في صناعة المعادن، أزمة صناعة الساعات، كل هذه الأزمات تحدث اليوم في نفس الوقت وتصبح دائمة.

في هذه اللحظة، يمكن للمرء أن يعد عدة ملايين من البشر دون عمل في أوروبا، عشرات الآلاف ينتقلون من مدينة إلى أخرى، يتسولون كي يعيشوا أو يخلون بالأمن مهددين ومطالبين بالعمل أو الخبز! كما كان فلاحو عام 1787 يهيمون بالآلاف على الطرقات دون أن يجدوا في الأرض الخصبة لبلادهم، التي كانت الأرستقراطية تستولي عليها، قطعة أرض ليزرعوها أو معزقة ليستخدموها، فإن العمال اليوم ينتظرون بأيدي عاطلة عن العمل لأنهم لا يستطيعون الحصول على المواد والأدوات اللازمة للإنتاج لأنها في أيدي قلة من الكسالى.

تترك صناعات كبرى لتموت، مدن كبرى مثل شيفيلد تتحول إلى أماكن غير مأهولة. هناك فقر في انكلترا، لأن "الاقتصاديون" قد طبقوا مبادئهم هناك بشكل دقيق، لكن هناك أيضا فقر في الألزاس وجوع في إسبانيا وإيطاليا. البطالة موجودة في كل مكان، ومع البطالة، يصبح الاحتياج البسيط فقر حقيقي، يكبر الأطفال المصابون بفقر الدم والنساء 5 سنوات في شتاء واحد، يكتسح المرض صفوف العمال بأعداد هائلة! هذا ما حققناه تحت حكم الرأسماليين.

و يحدثوننا عن زيادة الإنتاج المفرطة! زيادة الإنتاج المفرطة ؟ عندما لا يمتلك عامل المنجم الذي يكوم جبالا من الفحم ما يدفعه ليوقد النار في منزله في عز الشتاء ؟ عندما لا يستطيع النساج الذي ينتج أميالا من القماش شراء قمصان لأطفاله بملابسهم البالية ؟ عندما يعيش عامل البناء الذي يبني القصور في حظيرة (أو سقيفة)، وعندما لا تملك الخياطة التي تنسج أجمل الملابس لمتاجر الملابس الأنيقة إلا شال بالي لتحمي نفسها في كل الأحوال الجوية ؟

هل هذا ما يسمونه تنظيم الصناعة ؟ يمكن للمرء أن يسميه عوضا عن ذلك بالتحالف السري للرأسماليين لإخضاع (تدجين) العمال بواسطة الجوع.

قالوا لنا أن رأس المال، أن نتاج عمل كل الإنسانية الذي تراكم في أيدي قلة، يهرب من الزراعة والصناعة بسبب نقص الثقة. لكن أين يجد موقعه، بعد أن غادر خزائن الأشياء الثمينة تلك ؟

في الواقع، إنه يملك عدة وجهات مفيدة. يمكنه أن يذهب لكي يجهز الحريم للسلطان، يمكنه أن يمد الحروب، أن يدعم الروس ضد الأتراك، وفي نفس الوقت الأتراك ضد الروس. أو عوضا عن ذلك أن يستخدم لإقامة شركة مساهمة، لا لينتج أي شيء، بل فقط لينتهي بعد سنتين إلى إفلاس فضائحي ما أن ينسحب الأشخاص المهمين ماديا، آخذين معهم الملايين كمكافأة على "فكرتهم" هذه. أو أيضا أن يستخدم رأس المال ليشيد سككا حديدية لا فائدة منها، في غوثارد، في اليابان، أو عبر الصحراء، في حال قام آل روتشيلد بتمويلها، لكي يجني المهندسون والمتعاقدون عدة ملايين لكل منهم.

لكن قبل أي شيء يمكن لرأس المال أن ينغمس في المضاربة، اللعبة الكبرى لتبادل الأسهم. يقامر الرأسماليون على زيادات مصطنعة في سعر القمح أو القطن، إنهم يقامرون اعتمادا على السياسة، على ارتفاع الأسعار التي تثيرها شائعة ما أو إصلاح ما أو ملاحظة دبلوماسية ما يتم تسريبها، وفي الأغلب – نحن نشاهد هذا كل يوم – ينخرط موظفو الحكومة أنفسهم في هذه المضاربات.

المضاربة تقتل الصناعة – لهذا يسمونها الإدارة الذكية للبزنس! لهذا السبب يقول لنا الرأسماليون أنه علينا أن ندعمهم!

باختصار، إن الفوضى الاقتصادية في ذروتها اليوم. لكن لا يمكن لهذه الفوضى أن تستمر إلى ما نهاية. لقد تعب الناس من الأزمات التي يستثيرها طمع الطبقات الحاكمة، إنهم يريدون أن يعيشوا من العمل، لكن لا أن يعانوا لسنوات من الفقر، أن يحصوا على شيء من المتعة لكن ليس من الإحسان المهين، ليس في سبيل عامين أو ثلاثة من العمل المضني، المضمون أحيانا، لكن الذي يدفع مقابله دائما أجر ضئيل.

أصبح العامل مدرك لعجز الطبقات الحاكمة، عجزها عن فهم آماله هو، عجزها عن إدارة الصناعة، عجزها عن تنظيم الإنتاج والتبادل.

سيعلن الناس قريبا عن خلع (عزل) البرجوازية. سيأخذون الأمور في أيديهم ما أن تأتي اللحظة المناسبة.

ولا يمكن لتلك اللحظة أن تكون بعيدة، طالما أن الصعوبات الشديدة التي تنخر في الصناعة سوف تؤدي إليها، وأن قدومها سيعجل به انهيار الدولة، انهيار دخل في أيامنا هذه مرحلته التمهيدية النهائية.

* بيتر كروبوتكين: يعتبر أهم منظري اللاسلطوية (الأناركية) الشيوعية، لا سلطوي روسي عاش بين 1842 و1921.

** الناس، هكذا ترجمت كلمة People والتي قد تعني الشعب أيضا، خاصة وأن استخدام لفظ الشعب كان دارجا عند كتابة الكتاب لكني فضلت ترجمتها بالناس