جماليات مصرية
كل ثورة ضد الاحتلال أو الاستبداد أو الظلم والفساد والاستغلال، هي فعل جميل. جميل بذاته، بفكرته وغاياته، بشهامة القائمين به وشجاعتهم وغيريتهم. أما ثورة شباب مصر فلها جمالها الخاص.
كل الثورات، أو معظمها، كان يرسم خططها ويحدّد موعد انطلاقتها الذي لا يتقدم أو يتأخر، سياسيون محترفون، قادة أحزاب وقوى تغييرية، تدرس الواقع وتطلق شعارات ثورية تجتذب إليها قطاعات الشباب الفعال المندفع الظامئ إلى التغيير، فتلتقي حماسة الشباب مع ما يرسمه القادة الثوريون ويريدونه. أما ثورة مصر فانتهجت الطريق معاكساً، شباب ظن الكبار أن عقود الترهّل والفساد والإفساد قتلت نوازع التحرر لديهم، وجعلت عقولهم لا تنشغل بأمور الوطن والمجتمع، هبّوا إلى تغيير واقع وطنهم ومجتمعهم، لم تجمع بينهم خطط سياسية (مدروسة بدقة)، ولم يتصل بهم (قادتهم غير التاريخيين) إلا عبر الشبكة العنكبوتية، وجدوا لأنفسهم ملتقى يحمل اسم التحرير، واعتصموا غير متسلحين إلا بحناجرهم وإرادتهم، فاجتذبوا إليهم الكبار من مناضلين ومفكرين ليحدث خلاف ما كان يحدث، شباب يقودون الكبار، شباب يبادرون وكبار يتجاوبون.
لعل الفكر السياسي العربي وعلم الاجتماع السياسي العربي يدرسان هذه السمة التي أعطت ثورة مصر الجديدة نكهتها المختلفة وجمالها الساحر.
لا شيء يأتي من فراغ، هذا صحيح، والثورة لم تنفجر بلا مقدمات وممهدات ودوافع، هيأت قاعدة نفسية لفعل تغييري كبير، قد تتمثل بتراكم الوعي، وتراكم أشكال التعبير عن رفض ما هو قائم، وضيق الصدور بالفساد الذي أكل الأخضر واليابس، إنها تعبير عن تراكم في وعي الأجيال، وتأثر بالعصر الذي عمّق المفاهيم والقيم الديمقراطية، ونمّى روح التمرد على الظلم. لكن الثورة برغم ذلك كله، لم تصنعها القوى السياسية المعروفة، بل تجاوبت معها وأسهمت في نشاطها.
ثورة مصر صاغت جماليات جديدة لفعل الثورة الجميل أصلاً. من أهم جمالياتها أن الثورة ولّدت الشعارات هذه المرة، لا الشعارات هي التي كانت محور الثورة.
على امتداد ثمانية عشر يوماً، ولا نعرف إلى متى سيستمر ذلك، كانت الشعارات تولد من رحم الثورة، وفق ما يقتضيه الموقف الواقعي والحاجة الواقعية. كان التغيير شعاراً هاماً، وحين وقف المستبد موقف المتمسك المستهين بالشباب وثورتهم، تطور شعار التغيير ليأخذ محتويات جديدة.
الثورة ولّدت شعاراتها المتنامية، من رفض التجديد لحسني مبارك، إلى تعديلات دستورية، إلى إلغاء حالة الطوارئ ووقف العمل بالأحكام العرفية، إلى... إسقاط أخطبوط النظام، برأسه وأذرعه وقوانينه ومحتواه السياسي والاقتصادي.
وفي خضم الثورة، وردّاً على كل محاولة للتزييف، ولد شعار "لا نريد دولة دينية، ولا دولة عسكرية، بل دولة مدنية"، فعبر الثائرون عن قرارهم بألا تستلب إرادتهم من جديد.
ومن جماليات ثورة مصر، أن الحركة ولّدت تنظيماً، لا التنظيم هو الذي ولّد حركة، فشباب مصر، بعد أن جمعهم ميدان التحرير، وميادين أخرى، نظموا حركتهم تنظيماً ميدانياً غير مسبَّق، اليوم سنفعل كذا، وغداً كذا.. فالقيادة انبثقت من الواقع الحي، من الحركة ذاتها، والتنظيم ثمرة الحركة، ثمرة الواقع واحتياجاته.
من جماليات ثورة مصر، أن الثوار لم يطلقوا رصاصة، ولم يرموا حجراً، ولم يفقدوا إشراق الوجوه وعفوية الابتسامة والضحكة، وهم يواجهون نظاماً متمسكاً بثوابت لا وطنية ونهج لا شعبي، إنهم تجاوزوا (محنة) البلطجية تجاوزاً حضارياً، حزنوا على شهدائهم، لكنهم لم يضيعوا في متاهات الحزن، ولم يطشْ حجرهم، بل أدركوا أن ما يفعله الطاغية هو إيذان بقرب نهايته.
من جماليات تلك الثورة مشاهدها الحضارية الجديدة على التجربة العربية، أطفال يرفعهم آباؤهم، يهتفون فيردّد الكبار هتافاتهم. بلطجية مضحكون، يعودون إلى القرون الوسطى في استخدام الخيول والجمال، إنه العقل القروسطي ذاته، جوهر النظام الذي أنزلهم إلى الميدان، لا يعبر عنه إلا الجمل، التخلف ليس في العقل والممارسة فقط، بل في الوسيلة أيضاً، جمل هائج يوجه إلى ثائر أعزل! يالخصوصية المشهد في القرن الحادي والعشرين، ويا... لجَماله وجِماله!
ما أجمل مشهد الثوار ينظفون ميدان التحرير، يغسلونه بماء النيل، وما غسله إلا رمز لغسل الوطن من الفاسدين، أصدقاء إسرائيل وأعداء الشعب.
ما أجمل مشهد شباب يعرضون قطعاً من ثياب زملائهم الشهداء، مضرجة بدمائهم!
ما أجمل هذه المفارقة مبارك وسليمان ألقيا خطباً تضليلية، فاصطنع كل منهما نبرة مذيع محترف، واتخذ وقفة ديكية، وتكلم بفصحى مكسّرة رافعاً وناصباً على هواه كما كان يفعل بالناس رفعاً ونصباً وجراً، لا يهمّه ذلك بمقدار ما يهمّه أن يبدو مذيعاً بهيَّ الطلعة عريض الصوت، وشباب ليس بينهم سياسي محترف ولا لغوي متخصّص، ولا مخادع مضلّل، وكل من تحدث منهم كان يبزّ الخطباء بكلام بسيط موجز دقيق عميق صادق!.
على امتداد أيام الثورة كنا فرحين، لم يحدث ذلك في أية ثورة أخرى. ففي الثورة تتوتر الأعصاب، ويملك القلق النفوس، وفي أيام مصر الجميلة كنا نضحك من القلب فما يبدو من هُزال وغباء لدى حاكم مستبد مستقوٍ بالولايات المتحدة، وحاشية منتفعة، كان أكبر مما يتوقع المتوقعون.
ما أكثر جماليات هذه الثورة!
ما أجملكِ يا مصر، يا أم الدنيا!
أنت محروسة، لا خوف عليك.. لا خوف.
عطية مسُّوح– أديب ومفكّر سوري