سقوط الدكتاتور وانتصار الثورة

شاكر فريد حسن قرأها 284

سقوط الدكتاتور وانتصار الثورة

وأخيراً انتصرت إرادة الشعب المصري العظيم بعد 18 يوماً من الثورة الشعبية الماجدة، التي أشعلها شباب 25 يناير، وأسقط بفعلها المرابطون في ميدان التحرير نظام حسني مبارك الديكتاتوري، رمز طغمة الفساد والاستبداد والطغيان، الذي حكم هذا الشعب بالحديد والنار وبعسف قوانين الطوارئ الجائرة لأكثر من ثلاثين عاماً. هذا النظام الذي لم يكن نظاماً قمعياً باتجاه شعب مصر فحسب، وإنما كان نظاماً قمعياً لكل قوى التحرر والرفض والمعارضة والممانعة والثورية بالمنطقة العربية.

لقد انتفضت الجماهير الشعبية المصرية وثارت لأنها ترفض الذل والقهر والظلم والجور والفساد، وترفض الجوع والفقر والبطالة، انتفضت على نظام قمعي استبدادي فاسد، انتهك كرامة وحقوق الانسان المصري وحرمه من الحريات الديمقراطية، وحوّل مصر لمزرعة إقطاعية يورثها لأفراد عائلته. ثارت من أجل الكرامة والحرية والعزّة القومية ورغبة في تغيير الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية وتحقيق الإصلاحات الجذرية العميقة في المجتمع المصري .

إنّ هذه الانتفاضة /الثورة /الملحمة التي سطّرها أبناء الشعب المصري، بعمّاله وفلاّحيه وكادحيه ومثقفيه، وشبابه وكهوله ونسائه وأطفاله، بمسلميه ومسيحييه، هذه الانتفاضة الثورية أعادتنا إلى الحياة مجدداً، وزرعت فينا الأمل الذي كدنا نفتقده، أعادتنا إلى الزمن الثوري الجميل، زمن الثورات والبطولات الجماعية، ونقلتنا من حالة اليأس والاحباط والعجز إلى حالة التفاؤل بغد عربي مشرق ومستقبل جديد في مصر والمنطقة العربية. لقد خاب أمل وخسر كلّ من راهن على موت الشعوب العربية وصمتها، فهذه الشعوب هي صانعة التاريخ، وصانعة الملاحم والثورات والانتصارات، إنّها لا ولن تموت، تمهل ولا تهمل، والنظام السياسي العربي الفاسد هو إلى زوال. ولا ريب أن سقوط النظام في مصر ومن قبله في تونس الخضراء، هو تعبير عن قوة وإرادة هذه الشعوب، التي توحّدت وعرفت كيف تثور ومتى تنتفض جماعياً، ودافعت ببطولة فائقة ومدهشة، وبسالة وشجاعة متناهية، في وجه البطش والعسف والطغيان، وضد الفقر والفساد بكل أشكاله، وحققت النصر في النهاية. وما هاتين التجربيتين الرائدتين في التاريخ الحديث، في تونس ومصر، سوى تأكيد واضح وساطع على القدرات الكامنة لدى الشعوب المسحوقة المضطهدة، التي ترزح تحت نير العذاب والاستبداد، وتعاني الذل والمهانة وسحق كرامة الإنسان وسلب الحريات الفردية والعامة.

إنّ ما يميز هذه الثورة هو أنّها اعتمدت على الشباب، أمل المستقبل والعنصر الفاعل الأساسي للتغير، الذي  أسقط الطاغية وغيّر وجه ومستقبل مصر، ودفع الإصلاحات الشاملة في طريقها الصحيح.

زد على ذلك اللحمة الأخوية الوطنية بين المسلمين والمسيحيين، وعناق الهلال والصليب، التي تجلّت في أبهى صورها في ميدان التحرير.

لقد صمد الشعب المصري البطل وكسب معركة التغيير، ونجح في إزاحة النظام الديكتاتوري وتغييب مبارك عن المشهد السياسي المصري والعربي، وأعاد الهيبة والكرامة لمصر، قلب العروبة النابض، التي جرّدها مبارك من عروبتها وشوّه هويتها القومية. ولا نختلف إذا قلت أن ما تحقق في هذه الثورة البيضاء هو إنجاز تاريخي هام ونقطة تحوّل استراتيجي في المنطقة، تنهي مرحلة فيها الكثير من الإذلال والسقوط والانهزام والاستسلام، وسيكون لها انعكاسات وأبعاد كبيرة على مجمل التغيّرات والتطورات السياسية والاجتماعية والعملية السلمية في المنطقة، واستعادة وجه مصر المشرق المضيء ودورها الرائد، وكذلك استعادة كرامتها التي امتهنت بعد رحيل وغياب القائد الوطني المصري خالد الذكر جمال عبد الناصر.

فشكراً لشعب مصر الذي فجّر الثورة وأسقط الفرعون، وهنيئاً لهذا الشعب الذي قال بصوت واحد وموحد: لا للذل والهوان والركوع، ونعم للعزّة والكرامة والإباء والشموخ. وهنيئاً للشعوب العربية قاطبة بانتصار هذه الثورة غير المسبوقة في التاريخ الحديث وفي العالم العربي، التي ستعيد مصر كدولة عظيمة ومحورية لها مكانتها ودورها الرائد الطليعي في إرساء مرحلة جديدة وعهد جديد، وتأسيس مشروع عربي قومي، الثورة التي أثبتت أن الشمس لن تتوقف عن السطوع، فقد سقطت قلاع الطغيان وديكتاتوريات الخوف بلا رجعة..

والسؤال: من هو القادم بعد تونس ومصر؟