الفكر ومصالح التقدم
ما تزال علاقة أفكار المفكرين بمصالحهم، أو بالمصالح عامة علاقة ملتبسة، لم تحسم أمرها دراسات الدارسين وأبحاث الباحثين في تاريخ الفكر الإنساني.
وحين يقول الباحث إن هذه الفكرة أو تلك، بل هذه المدرسة الفكرية أو تلك، تعبر عن مصلحة المجتمع، أو الشعب، أو طبقة ما، فإنه يقول ذلك على سبيل الافتراض أو الاستنتاج، دون أن يستطيع الجزم فيما إذا كان صاحب الفكرة أو النظرية أو المذهب يقصد الغرض ذاته الذي افترضه الباحث أو استنتجه.
كثيراً ما يقال: إن الفكر تعبير عن المصالح، لا المصالح الذاتية للمفكر، بل مصالح فئة أو طبقة. ولكن، كيف نفسر ظهور فلسفة أو مدرسة فكرية تناقض المصالح الشخصية المادية والسياسية لصاحبها؟.
كيف نفسر أن الأغنياء أو المنتمين إلى الطبقة الرأسمالية هم واضعو الأفكار الاشتراكية والنظريات الثورية على امتداد العصر الحديث؟ تلك النظريات التي انتشرت وعظم تأثيرها في القرن العشرين وألهمت الحركات الاشتراكية بأنواعها في كل مكان؟.
لم يكن ماركس وإنجلز، ولم يكن أصحاب النظريات الاشتراكية المعتدلة أو الإصلاحية الذين سبقوا ماركس أو عاصروه أو جاؤوا بعده، من الفئات الفقيرة أو حتى المتوسطة والشعبية. وليس هذا مجرد مصادفة، أو حالة خاصة، فكلهم كانوا من أبناء الفئات الميسورة، أو الغنية والمتنفذة في المجتمع. فكيف يفسر الباحثون هذه المفارقة التي جاوزت حدود الحالات الفردية لتكون ظاهرة حقيقية؟.
قال بعضهم: لقد خان هؤلاء المفكرون طبقاتهم التي انبثقوا منها. ووجد الكثيرون في هذا القول إجابة تفسر الظاهرة وتقنع المتسائلين.
لكن إمعان النظر في هذه الإجابة يبين أنها ساذجة ولا علاقة لها بالعقل! فلماذا تحدث الخيانة؟ ولمَ لا نجد الإبداع إلا عند من يخونون طبقاتهم من كلا الطرفين؟ إذ نجد أن بعض منظري الرأسمالية ومروّجي الفكر التقليدي الرجعي هم مثقفون منبثقون من فئات فقيرة، أو متوسطة.
لماذا يخون هذا المثقف طبقته بينما لا يخونها الآخر؟ وما علاقة العقل والنزعة الإنسانية بتلك الخيانة؟.
أتكون القضية خيانة حقاً، أم أن لها طبيعة أخرى؟.
لمَ لا نقول مثلاً: إن هذا المفكر انطلق من مصلحة المجتمع، ورأى أن هذه المصلحة تقتضي السير في طريق أو اتجاه يتناقض قليلاً أو كثيراً أو كلياً مع مصالح الفئة الاجتماعية التي انبثق منها؟.
لم لا نقول إن نزعته الإنسانية جعلته يرى أوسع مما تقتضيه حدود المصالح الطبقية؟.
لم لا نقر بأن مصلحة المجتمع هي أكبر من مصلحة أية طبقة من طبقاته أو فئة من فئاته؟ بل لم لا نقرّ بأن مصلحة الإنسانية هي أكبر من مصلحة كل شعب؟.
إن المفكرين الذين أدركوا ذلك وضعوا أفكاراً إنسانية تعبر عن التلاقي بين رؤاهم ومصالح الشعوب. وهذه هي الحال بالنسبة للمفكرين المنبثقين من فئات غنية، وهم في الوقت ذاته مؤسسو المذاهب الفكرية الاشتراكية المتنوعة وواضعو نظريات التغيير.
أما الذين ينظِّرون لمزيد من الاستغلال والظلم، ولا سيما أولئك المفكرين والباحثين في الدوائر العلمية والبحثية التابعة للبيت الأبيض أو الإدارات الحاكمة في الدول الرأسمالية الكبرى، فهم موظفون لدى تلك الإدارات، يطرحون من النظريات والأفكار ما يعبر عن مصالحها، وهي مصالح تتناقض مع مصالح البشرية عامة، ومع مصالح الشعوب الفقيرة المستباحة، ومع مصالح الكادحين في كل مكان بطبيعة الحال.
إنهم لم ينطلقوا من مصلحة إنسانية عامة، هي أكبر من مصلحة هذه الدولة أو تلك، ولا من مصلحة مجتمع هي أكبر من مصالح كل طبقة فيه، بل تناسوا ذلك كله، وتصرفوا كموظفين تابعين لإدارة معينة، يخدمونها وفق ما تقتضيه مصالحها، وبقدر ما تؤهلهم لذلك مواهبهم ومؤهلاتهم.
هذه هي حال هنتنغتون وفوكوياما مثلاً، وهما أبرز من عمل في دوائر البيت الأبيض في الثلث الأخير من القرن العشرين. أما ما أنتجه هذا المفكران فلا يمكن أن يصنف في عداد الفلسفات الكبرى في العصر الحديث، فهو لا يعدو التنظير لنهج سياسي محدد تنهجه الإدارة الأمريكية، نهج بسط السيطرة وإخضاع العالم لمصالح طبقتها المتسلطة أو فئاتها الاجتماعية المتنفذة.
إن الفيلسوف أو المفكر ذا النزوع الإنساني، يطرح أفكاره انطلاقاً من دوافعه الإنسانية، غير آبه بمصالحه الشخصية، بل متجاوزاً مصلحة أية طبقة أو فئة أو إدارة أو قيادة، إنه يدرك ضرورات التغيير، ويتلمس مصلحة المجتمع، فيعبر عنها تعبيراً ينم عن قدراته الفكرية ومواهبه ووجهات نظره الخاصة. وقد تتعدد وجهات النظر الثورية التغييرية، وقد يجد الباحث أو المتابع أنها كلها تحمل أهدافاً نبيلة، وجوانب صواب فكري، وقد يجد أنها، كلها أيضاً تحمل نقاط ضعف بنسب مختلفة.
وقد يجب الباحث المدقق أن الزمن تجاوز بعض ما تتضمنه الفلسفات والنظريات التغييرية، وأن بعضها صار جزءاً من تراث البشرية الذي يضيء ويهدي، ولكنه لا يكفي لتفسير كل الظاهرات الاجتماعية الجديدة، ولا مفر من البحث الجاد للوصول إلى أفكار أخرى أكثر انسجاماً مع مقتضيات التغييري التقدمي.
وإذا كانت الماركسية، كما ذكرنا في مقالات سابقة، فلسفة نقدية إنسانية، فإن منهجها النقدي قادر على التعامل مع نصوصها ونظرياتها الجزئية تعاملاً نقدياً، ينفي منها ما يفيد نفيه، ويبتكر نصوصاً ونظريات ماركسية جديدة قادرة على تفسير العالم الراهن من أجل الإسهام في التغيير التقدمي.
لقد أدرك ماركس ضرورات التغيير في زمنه، انطلاقاً من نزعته الإنسانية وعقله النقدي، ووجد أن التغيير التقدمي يقتضي تحرير الكادحين من الاستغلال الرأسمالي، لذلك وضع هذا التحرير هدفاً مرحلياً لا بد من تحقيقه كي ينفسح المجال واسعاً أمام التقدم الاجتماعي الذي هو أهم من مصالح أية طبقة أو فئة.
وبالتالي، فإن ماركس وإنجلز وأمثالهما ليسوا خائنين لطبقتهم كما يقال، بل هم مفكرون إنسانيون عقلانيون، أدركوا مصالح البشرية فتجاوزوا حدود طبقتهم، أو طبقاتهم، وحدود كل طبقة أخرى، وعملوا من أجل التقدم الإنساني.
مثل هذه النظرة إلى ماركس وأمثاله من الفلاسفة الكبار، تضع أفكارهم في مكانها الطبيعي، بوصفها حلقة من حلقات الفكر الإنساني المعبر عن مصالح البشرية في مزيد من التقدم الذي لا سقف له والحرية التي هي طموح الإنسان في كل زمان ومكان.
أما ما تضمنته فلسفة ماركس من تأكيد دور الطبقة العاملة، وضرورة الثورة الاشتراكية التي تحررها، فهو يأتي في سياق نزعته الإنسانية، ورؤيته للسبيل الصحيح لدفع التقدم الاجتماعي، أي تقدم البشرية إلى الأمام. أي إنه لم يعبر عن مصالح طبقة ما، أو مصالح ذاتية معينة مباشرة أو غير مباشرة، بل عبر عن مصلحة إنسانية عامة تناقضها مصالح الطبقات والفئات المتسلطة.
على هذا النحو من الاتساع يمكن أن نفهم علاقة الفكر بالمصالح، وليس على نحو ضيق محدود.