عشر سنوات على رحيله: جورج نجيب خليل "كنار الجليل"

شاكر فريد حسن قرأها 1,752

عشر سنوات على رحيله: جورج نجيب خليل "كنار الجليل"

قبل عشر سنوات غادرنا الشاعر جورج نجيب خليل إلى عالم الخلود، تاركاً وراءه مسيرة حياة حافلة بالعطاء الأدبي.

وجورج من أوائل المبدعين العرب الفلسطينيين المقيمين في وطنهم، الذين سجلوا حضوراً أدبياً فاعلاً في الحركة الثقافية في حدود العام 1948. إنّه كنار الجليل وعندليب الشعر الذي سحرته بلاده فحاك من خيوط الشمس أجمل العبارات وأعذب الكلمات والالحان ونسج أحلى العباءات لصبايا الوطن الفاتنات. كان شاعراً متمرّساً ومربياً عظيماً وإنسانياً حتى المجازفة، فارعاً بالعذوبة والرقة والطيبة.

عُرِف جورج نجيب خليل ببساطته وعشقه للغة العربية ويُعْتَبَرُ متبحّراً في علومها، وكان بمثابة موسوعة أدبية ولغوية ومشاركاً فعالاً في شؤون لغتنا والحفاظ عليها. كما كان من الضالعين في علم العروض ومن أنصار وأتباع القصيدة العمودية الفراهيدية، الموزونة المقفاة.

جاء جورج نجيب خليل إلى الدنيا في قرية "عبلين" سنة 1932 وتعلّم في مدرستها وأنهى الثانوية في مدرسة صفد، وعمل في سلك التدريس إلى أن تقاعد عن العمل سنة 1983 بسبب حالته الصحية، وفي أواخر كانون الثاني من العام 2001 قضى نحبه.

هو من مؤسسي رابطة الكتاب وسكرتيرها الأول، وقد أصدر مجلة "الرسالة" في فترات متباعدة ومن ثم مجلة "مشاوير" التي ساهمت في نشر الأدب الإنساني وتوقفت عن الصدور لأسباب مالية.

كما أنّه أول من أصدر ديوان شعر باللغة العربية بعد النكبة بعنوان "ورد وقتاد".

نشر جورج نجيب خليل نتاجه الشعري والأدبي في مجلة "الفجر" التي كان يحررها الشاعر الراحل راشد حسين، وفي "اليوم" و"الأنباء" و"الشرق" و"مشاوير" و"الاتحاد" و"الصنارة" وغيرها من الصحف والمجلات.

من أعماله الأدبية: "ورد وقتاد - من حقل الحياة - الشعر العربي في خدمة السلام- دموع لا تجف- حضارة الكلمة- المؤودة" وغيرها.

قصائد جورج نجيب خليل مختلفة الأبعاد والمضامين، جاءت في خضم الأحداث والمناسبات السياسية والوطنية والاجتماعية، واهتمت بالموضوعات الأكثر إلحاحاً وبروزاً. وقد نظم شعراً صادقاً عن الوطن والمرأة والحب والأرض والطبيعة والجمال والإنسان والخيام ومجزرة الخليل وملكة الجمال دينامور، وغنى لحيفا ويافا وعكا والقدس وغزة. وأيضاً رثى كبار المطربين العرب أم كلثوم وفريد الأطرش وعبد الحليم حافظ ومحمد عبد الوهاب.. وممّا قاله في العندليب الأسمر:

غاب عبد الحليم في ميعة العمر      وغصن الشباب منه رطيب

وهو من أطرب الملايين حتى        كان من فنّه لكلٍّ نصيب

إن شدا للغرام لحناً رخاء            راح يسري في كلّ عرق دبيب

 أو شدا للأوطان فجرب بركاناً         فملء الفضاء منه لهيب

    نبرات جليته ذات جرس             عبقري، تجنبت منه ما يعيب

                فهي شهد مقطر ذو صفاء          وهي نفح معطر وطيوب

                كم شجتنا انغام (قارئة الفنجان)     يحلو سماعها ويطيب

كيف ننسى مواقف البلبل الصداح    أو تستكين منا الجنوب

وجورج في شعره كان مخلصاً كلّ الاخلاص وصادقاً كل الصدق في التعبير عن أحاسيسه الوطنية وتعلّقه بتراب وطنه، وحبّه لبيته وحارته وعلاقاته الاجتماعية والأدبية، وحنينه إلى ذكريات الطفولة والصبا بين حقول الزيتون والبرتقال والصبار.

وبالرغم من أن جورج لم يكن شاعراً مقاوماً وسياسياً بالمفهوم الثوري إلاّ أنه كتب أشعاراً كثيرة في الوطنية والقومية والعروبة، بعيداً عن الشعارات والخطابية والتقريرية، وكان داعية للسلام والتعايش والمصالحة التاريخية والمحبة بين الشعوب قاطبة.. وممّا قاله:

لا أرتضي الذل حتى لو أبيح دمي     فعزتي هي إنجيلي وقرآني

أسطورة الذل تصميمي يحطّمها       ومركب المجد يرسو عند شطآني

في حياته كان جورج يتألّم ويتأسى لما آلت إليه أوضاع الأمة العربية وما حّ بلبنان وما أصاب أهله من خلاف وشقاق.. فيرثي بيروت، شطآنها وواحاتها قائلاً:

بيروت يا زهرة الشرق التي ذبلت    وساد ربعها شؤم وترجاف

وجورج كان يجيد الوصف والغزل، والغزليات تحتل مكان الصدارة في دواوينه، ومن قوله في الغزل:

والقدّ حلو سكرنا من تأوّده   كأنه شمعة في دير نساك

فليس أحلى من التعذيب تبعثه   حسناء ذات جبين ضاحك باك

وقوله أيضاً:

ماذا جنيت لأشقى يا ملوِّعتي    هل الغرام بتعذيبي وتغريمي

تمزّقت كبدي من جور فاتنتي    فمن يوحّدني من بعد تقسيمي

جورج نجيب خليل شاعر رصين، ذكي، شفاف، لم يؤلّف الشعر فحسب، بل سكب روحه في نصوص لا أجمل ولا أروع، وسيبقى بشعره وروحه وسيرته وإنسانيته حياً في أعماقنا ووجداننا وذاكرتنا.