العرب والمؤامرات - هل من دور عربي في مواجهتها؟!

نبيل عودة قرأها 1,584

العرب والمؤامرات - هل من دور عربي في مواجهتها؟! 

فوجئت من أطراف عدة- تطرح في حوارها حول قضيتي السودان ولبنان، موضوع المؤامرة "الاستعمارية الصهيونية" لدرجة أن أحد المتحاورين اتهمني بأني "استغفل القراء" لأن حديثي كان منصبّاً على الموضوعين بتفاعل كل موضوع مع بيئته الخاصة، ولم أجد ضرورة أن أورد في مقالي وفي كل جملة أكتبها، التأكيد، كما يريد البعض،على الدور الأمريكي والصهيوني والأوروبي...

يبدو لي أن وعي العديد من المثقفين العرب، لما يجري في الأوطان العربية، لا يعتمد على القوى الفاعلة في الساحة العربية، بل يجب أن نذكِّرهم دوماً بأن هناك أصابع معادية، ربما تحرك الواقع العربي عبر الخيطان، وكأننا في مسرح للدمى، إلى جانب وجود قناعة مطلقة، بوجود عنصر المؤامرة.

هذا الرأي، وبهذا الشكل من الوعي المتشكل يعني أمراً واحداً، إن القوى الناشطة على الساحة العربية، كلها دمى تتحرك حسب رغبة قوى متآمرة، وأن الناشط الفرد أو المجموعة، هي بالتالي تطبق سياسة التآمر بدون وعي أو بوعي.

كتب لي قارئ مثقف أحترمه واختلف مع وجهة نظرة:" قرأت لك مقالين عن جنوب السودان ولبنان، ولم تذكر كلمة عن الدور الأمريكي أو الدور الأوروبي في لبنان أو السودان. هل تستغفلنا حضرة الأستاذ؟" اعترف أني شعرت بالألم، ليس لأني لم أذكر الأدوار الأمريكية والأوروبية ويبدو أنه نسي الإسرائيلية أيضاً، إنما لأني أتحدث عن واقع نحن أوجدناه بأيدينا، ولم نغيره بعد الاستقلال. وان إرادتنا كدول مستقلة وشعوب متحررة الوعي والمصير، لا دور لها الا بكونها الدمى في مسرح الدمى للسياسة الدولية والدول المتآمرة.

بل كثفنا كل ما يقودنا إلى المزيد من الانشقاق والنزاع، هذا في حالة السودان مثلا، ومن الواضح أو دولاً لها مصالح إستراتيجية لا تتلاءم مع تطلعات الشعوب العربية، وتفعل ما يحلو لها ونحن مجرد ظاهرة صوتية بلا قدرة على الفعل. وهناك حقيقة مؤلمة، ان الأنظمة العربية لا تبدو قلقة ولا يبدو ان لها مصالح أو تطلعات سوى ما صار من بديهيات السياسات العربية: الحفاظ على الكرسي وتوريثه، وتكريس كل جهود الأمن لضمان استمرار الحال.

أرى ان تعرض العالم العربي لمؤامرات دول عديدة هي بديهية سياسية، وعدم ذكرى لها ليس لعدم رؤيتي خطرها، إنما أتحدث عن فشل أنظمة كانت تملك أن لا تصل بالوضع السياسي السوداني مثلا، كنموذج للواقع العربي، وبالوضع الاجتماعي والاقتصادي السوداني، وبالوضع التنموي والتعليمي والنهضوي إلى باب مغلق لا يترك مجالاً إلا العداء والتنافر، هنا تدخل الأدوار التي لا تريد الخير لشعوبنا.

ما أصرح به منذ حملت القلم قبل خمسة عقود أن نصحو لما يراد لنا، أن نبني مجتمعنا نظيفاً متعاضداً متطوراً. إن نبني الإنسان العربي المعتز بوطنه وبمجتمعه الذي يكفل له الحياة الحرة الكريمة والأمن والرفاهية.

كل هذا غير وارد بحساب الأنظمة. فلماذا نطرح الأدوار المعادية، قبل ان يصبح لنا دورا وارادة...؟ ما الفائدة من تكرار أننا عرضة للتآمر؟! ماذا فعلنا لإفشال المؤامرات؟!

الم يتعرض النظام الناصري في مصر للمؤامرات؟  ألم يُفشل عبد الناصر مؤامراتهم؟ هل أفشلها بالأمنيات ام بالصراع ؟ هل أفشلها بالحفاظ على التخلف ام بالبناء والتحدي؟ هل أفشلها بالاستسلام ام بقلب الواقع السياسي داخل مصر وفي العالم العربي ودوليا؟

ألم يكسر احتكار السلاح ويسلح الجيش المصري بصفقة السلاح التشيكية ؟  ألم يؤمم قناة السويس ويصد أشرس عدوان امبريالي ثلاثي (اسرائيلي، فرنسي وبريطاني) على مصر والمصير العربي؟  ألم يبني السد العالي تحدّيا للبنك الدولي الذي رفض تمويل المشروع؟  ألم ينشئ منظمة دول عدم الانحيار وقيادتها موجداً واقعاً سياسياً دوليًا جديداً ؟  ألم يبنِ اول وحدة عربية في التاريخ العربي الحديث ضد رغبة الاستعمار والصهيونية ويساهم بتحطيم حلف بغداد الاستعماري، تأثراً بالوحدة والنهج الثوري لنظامه؟

هل توقفت المؤامرات ضد نظامه؟ كل نظام لا يتلاءم مع مصالح دول كبرى او اسرائيل، يتعرض للمؤامرات وللعدوان.. امريكا اللاتينية من كوبا الى تشيلي والى بنما وصولا الى فنزويلا تاريخ حافل بالمؤامرات والعدوان اليانكي.. تشيلي وبنما وغيرهما سقطوا، أما حيث اليقظة والاستعداد، في دول مثل كوبا وفنزويلا فقد أفشلت المؤامرات.

لم تكن هنالك ضرورة للتاكيد في كل موقف ان الأيادي المعادية تقوم بالتخريب.. السؤال ماذا فعلت الأنظمة العربية في مواجهة المؤامرات؟

نحن، أولاً، عرضة لقصورنا الذاتي، عرضة لعجزنا، عرضة لتخلفنا العلمي والتكنولوجي، عرضة لعدم تطوير مرافقنا الاقتصادية، عرضة لزيادة الأمية وارتفاع الفقر واتساع البطالة، عرضة لنقص غرف التدريس للتلاميذ، عرضة لغياب روح نهضوية تنويرية في أنظمتنا وقمعها من مجتمعاتنا،عرضة لتآكل صحوتنا القومية بسبب الواقع العربي المريض. انا لا أستغفل أحداً، ولم أنشا على ثقافة الاستغفال لأحد. ولا اقول رايي ليصفق لي القراء، بل أطرح ما اراه عقلانيا، حتى لو لم يتناسب مع مشاعري، ومع رغباتي، ومع المشاعر الإنسانية الطاهرة للكثير من القراء.

صحيح أني لست مواطناً في الدول العربية عربياً، وأعيش نكبة شعبي منذ سنة عقود، ولا أرى أن العالم العربي (وبالأساس الأنظمة) يستوعب المضمون السياسي والاستراتيجي لما جرى مع الشعب الفلسطيني، خاصة منذ غياب عبد الناصر.. وللأسف العالم العربي لا يعمل على خلق توازن في الواقع الشرق أوسطي الذي يميل ضده بقوة هائلة، رغم انه يملك كل مسببات وعناصر انجاز توازن استراتيجي يتجاوز الدور الإسرائيلي أو الأمريكي أو أي دور دخيل آخر.

أين الدور العربي في السودان؟! كيف أهملت الحرب الأهلية التي استمرت 30 عاماً؟!  ألم تكن التطورات واضحة أنها تقود الى تحطم وحدة السودان؟!

لست مع انفصال الجنوب، الغني بالثروات غير المستغلة مع الأسف، والغني بالأرض الزراعية الخصبة غير المستغلة أيضا الا بجزء صغير منها، وواضح أن الأصابع المشبوهة المعادية للعرب رأتها فرصة ذهبية لتعميق الضياع العربي. وبنفس الوقت أقول بوضوح، لو كنت جنوبياً في السودان لما اخترت غير الانفصال.

هل تذكرون ما أطلقت علية اسرائيل اسم "عملية موشيه"(موسى) عندما جلبت مهاجرين يهوداً من أثيوبيا عبر أراضي السودان وأوصلتهم الى اسرائيل؟ ان دولة تحترم نفسها لا يمكن ان تكون غائبة عما يجري فوق اراضيها. ودولة سليمة المعايير يجب معاقبة مسؤولي النظام فيها. هنا لم تكن فقط مؤامرة انما تصرف باراضي دولة مستقلة، للأسف غائبة وتغط في سبات قاتل، ولكنها تجلد بوحشية في ساحة عامة صبية في ال 16 من عمرها لأنها ارتدت البنطال!!

البنطال يهدد أمن السودان.. والمؤامرات على وحدته لا تقلق نظام الجلد!!

القصور هو مميزنا أولاً. وفي السياسة لا يوجد شيء اسمه فراغ. الفراغ يمتلئ بسرعة في واقعنا الشرق أوسطي، هناك قوة وحيدة تحتل الفراغ دوماً. للأسف ليست قوة عربية.

واقع لبنان لا يقل مأساوية عن جنوب السودان. ولكن قوانين اللعبة تختلف وقد أعود للموضوع في مناسبة أخرى، غير أني لا بد أن أضيف أن تفكيرنا ينصب على فكر المؤامرة. لا عزيزي ليس هذا ما يميز أزمة لبنان.

إنما النخب الطائفية الفاسدة، والتحريض الطائفي وزجُّ بسطاء الناس في المحارق العقائدية للمذاهب. لبنان يحتاج الى قبر القانون الطائفي في المناصب والانتخابات.

توجد مؤامرات، ولكن الظن أن المؤامرات هي، ما أوصلت لبنان إلى ما هو عليه اليوم، هو أوتوبيا، هناك أيدي لا تفكر إلا بمصالحها، وتدفع قوى لبنانية الى تصرفات لا تخدم لبنان، ولا احدد جانب معين فقط.

للأسف معظم الأيدي التي تغوص في قضايا العالم العربي، ليست ايديَ عربية....

ولعل الدرس التونسي يفتح آفاقاً جديدة لنا جميعا!!

نبيل عودة – رئيس تحرير المساء (www.almsaa.net)

nabiloudeh@gmail.com