ثورة تونس, ثورة لا تشبه سواها

بلقيس حميد حسن قرأها 1,861

ثورة تونس, ثورة لا تشبه سواها 

بداية, نبعث من القلب آلاف باقات الورود لشعب تونس البطل, شعب التضحيات والشجاعة الباهرة, نشكر ثورته التي أعادت لنا أملاً كدنا ان نفقده إلى الأبد في الشعوب العربية, بل كدنا ان نقرأ السلام على شعوب تتخبّط بالفقر والجهل والقهر والحرمان رغم ان أغلب رؤسائها وملوكها منشغلون بأمراضهم الجسدية والنفسية وترقيع قلوبهم وتجميل جلودهم وإملاء خزائنهم وحسابات زوجاتهم بالذهب, تاركين الشعوب بمعاناتها.

 ثورة تونس, ثورة لا تشبه سواها

انها ثورة لا يمكننا ان نقارنها بسواها من الثورات التي مرّت بتاريخ تونس او غيرها من البلدان العربية, فرغم انها تشترك مع أغلب الثورات الشعبية في صرخة ألم الشارع المحروم الذي أوقد شعلتها, ورغم انها عفوية لكنها لم تكن ثورة عشوائية, فقد ابتدأت بشرارة التضحيات التي قدّمها فقراء أولهم محمد بو العزيزي الذي أحرق نفسه احتجاجاً على الظلم وغيره من الذين واجهوا رصاص النظام السابق. انها ثورة وطنية وإنسانية بحته, فهي لم تخرّب البنى, ولم تحرق المؤسسات ولم يتسنّ للعشوائيين وفلول النظام البائد الاندساس بها والسيطرة عليها, بل كان الشعب التونسي واعياً لأعمالهم وحذراً من انتشارها, مما حاصر أعمال التخريب ومنع وصولها الى بقية مناطق البلاد, وهكذا حافظ على بقاء الدولة والقانون ليساعد على عدم الانهيار وعدم سيادة الفوضى والخراب. من هنا هي ثورة لا تشبه سواها في العالم العربي الذي اعتاد على فوضى الغوغاء وسيطرتها في انتفاضاته وثوراته غالباً, فقد حاولت العصابات المتآزرة مع النظام السابق تشويه الثورة بالقيام بأعمال التخريب من سلب ونهب للمتاجر وإحراق السيارات وإطلاق الرصاص بشكل عشوائي, لكنها لم تفلح في طبع الثورة بطابعها التخريبي, وظلت العصابات المتشددة بعيدة لم تستطع خطف الثورة من أبنائها الشرفاء.

وهنا نتمنى على الشعب التونسي الانتباه الى نقاط هامة جداً لمستقبل ثورته العظيمة وهي:

·       لابدّ من استرجاع الأموال المسروقة من الشعب وملاحقتها دولياً, كي لا يتسنى لسرّاق الشعب القدامى من أعوان النظام السابق استعمالها ضده بشراء الذمم كما حصل مع سارقي الشعب العراقي وأمواله من الصداميين الذين وظفوها للقيام بأعمال التخريب والقتل والتفجيرات وإحراق المؤسسات والعبث بأمان المواطن وإشاعة القتل المنظّم والاغتيالات ونشر الرعب والإرهاب بالاشتراك مع مجرمي القاعدة الذين توحّدوا معهم حتى اليوم كي يعرقلوا بناء الوطن.

·       الأمر الآخر هو إبعاد المتنفّذين في النظام السابق وإقصاء رموزه وحزبه عن المساهمة في السلطة, فمجرم الماضي لا يمكن ان يكون نبيَّ اليوم مهما أقسم, ومهما ارتدى لباس الفضيلة, لان مصالحه التي ضربت تشده الى ما اعتاد عليه. وبالمقابل لابدّ من فسح المجال ومنح الثقة لناشطي حقوق الإنسان من المناضلين الشرفاء المعروفين أمثال الدكتور "منصف المرزوقي" الشخصية الوطنية التي عانت كثيراً من جور النظام السابق, والذي يعرف معاناة الرجل التي تدمي القلب وما لاقاه من قبله والده من التهميش والعذاب والعيش في المنافي طوال عقود من أجل تونس. وهناك شخصيات جديرة بالثقة من الوطنيين التونسيين الأحرار في داخل تونس وخارجها هم أهلٌ لقيادة البلاد وأكثر صدقاً من الوجوه التي جرّبها الشعب والتي كانت تخدم الدكتاتور المعزول.

·       محاكمة رموز النظام السابق محاكمة عادلة وعلنية كي تؤكد الثورة على مبادىء حقوق الإنسان التي تستطيع بناء نظام يقوم على أساس العدالة الاجتماعية ورفض الظلم الذي قد يرتكب بسبب المبالغة بالمشاعر الوطنية التي تفجّرت أثناء الثورة والتضحيات التي اشعلت فتيلها.

·       تحصين الثورة من اختراق القوى الظلامية لها, في عالم عربي يطغى عليه طابع التعصب الذي انتشرت وكبرت فيه الحركات الاسلامية المتشددة, والتي كثيراً ما تستغِلُّ الفراغ السياسي لتصبغ المجتمع بلون التخلف حيث تجد لها أرضية سهلة لها من الفقر واليأس لدى الجماهير التي تشكل النسبة الغالبة مما يؤثّر على تحقيق طموحات الشعب التونسي ورغبته في حياة حرّة, كريمة جديرة بقول الشابّي وهو أحد أبنائه البررة:

 اذا الشعب يوماً أراد الحياة      فلا بد ان يستجيب القدر.

قد يسخر الشعب التونسي من الخوف على ثورته, اذ هو قد عرف طريقه الصحيح وقدم التضحية بغضب المظلوم, وبمعرفة العارف, وبثقة مالك الحق, وهذه مقومات نجاح لكل ثورة بل هي أسباب لابدّ وان تزول معها كل المخاوف..

ولكن..

أتت مخاوفي من وضع عام في العالم العربي. وهذا أكبر المخاوف التي تجعلني أضع كفّي على القلب وأنتظر ان يخرج الشعب التونسي بقرارات اختيار حكومة وطنية ديمقراطية حقاً وبسرعة قبل ان تنجح الجهات الإجرامية من أعداء تونس لتندسّ بين صفوف أبنائه وتصبح واقعاً لا يمكن تجاوزه, فهناك قوى خارجية تتمنى ان تخلط السياسة بالدين في العالم العربي ليقينها التام بأن هذا الخلط قادر على إنهاء البلدان من الداخل خاصة حينما تلعب على وتر حساس كقضية المرأة ومساواتها مع الرجل حيث القانون التونسي الوحيد الذي يساوي المرأة بالرجل في الحقوق المدنية في العالم العربي, وهذا مكتسب أتمنى ان يحافظ عليه شعب تونس الأبي والرافض للظلم بكل أشكاله, خاصة وقد رأيت اليوم مجموعة من النساء المرتديات الزيَّ الإسلامي جميعاً وهنّ يتظاهرن في تونس وهذا منظر غريب في شوارع تونس مما يزيد مخاوفنا أكثر ان تختطف الثورة من قبل أعداء تونس.

أخيرا, أتمنى ان تنتهي مخاوفنا بانتهاء الأخطار المحدّقة بهذه الثورة الشعبية وان ترسم تونس محلامحها التي تنسجم مع تطلعات شعبها الحر الذي يتوق للانعتاق الأبدي من ربقة الجوع والجهل والتخلف.

19-1-2011

www.balkishassan.com