مجزرة كنيسة القديسين ليلة عيد رأس السنة الميلادية: مجتمع ضعيف.. ونظام قوي
اهتزت جوانب النفس, وتلعثمت الشفاه، وخفق القلب، وتاه العقل، واهتز الوجدان، وارتعشت الأنامل، وطفق الطغيان وسدنته، يخصف على عورات المجتمع بأوراق البردي العتيقة المجلوبة من حواشي الماضي المصري التليد، ليمحو ما دُوِّنَ بها، ويكتب الطغيان قصائده بدماء الأقباط في أعيادهم، التي هي أعياد المصرين جميعاً. شاهدت الجثث والأشلاء البشرية الممزعة مرات عديدة قبل الوفاة، بإرادة كافرة بالديمقراطية والحريات، ولاعنة لمن ينادي بتداول الحكم والسلطة، رأيتها في طوابير الخبز والغاز، وزحام المواصلات، وضآلة الأجور والمرتبات، وغلاء الأسعار المصنوع بفسادات أيادي مجرمي النظام، وضيق السكني، ومضايقات المتأسلمين الضائعين في دروب الفساد والطغيان، وشاهدت الجثث هذه المرة، ولكنها ليست كأي مرة سابقة، لأنها جثث وأشلاء ممزّعة لشهداء، بإرادة كافرة بالإنسان!! أسباب هذه المجزرة البشرية لا يمكن الابتعاد بها عن إرادة النظام الاستبدادي الحاكم ومنظومته الإجرامية المستعينة بأدوات دينية من الجانب الإسلامي الرسمي، والجماعات الدينية، وكذا من الجانب المسيحي الرسمي المتحالف مع هذا النظام رغباً ورهباً!! بمعني آخر: الاستبداد السياسي يستعين بأجنحة دينية وسياسية فاشية تعمل على بقاء منظومة الاستبداد، ولذلك فإن أعداء غالبية التيارات الدينية، والفاشيات السياسية هم أعداء بجدارة للديمقراطيات والحريات، لأنها تنتج في الغالب الأرجح الحقوق المدنية التي تجعل المجتمع متحللاً من وساخات الوصايات السياسية، وقاذورات الوصايات الدينية المقيتة. وكل هذه الوصايات تؤدي إلى إضعاف المجتمع وتهميش دفاعاته المدنية في مواجهة الفاشيات السياسية والدينية، والملاحظ أن المجتمع المصري صار في حالة متردية من الضعف الإنساني الوجودي حتي في الحصول على أبسط الحاجيات الإنسانية التي تؤمن وجوده في المجتمع بعزة وكرامة إنسانية، حيث البنية الإجتماعية أصبحت مهترئة من شدة الضعف. المجتمع القوي نتاج دولة قوية، والمجتمع الضعيف نتاج نظام قوي، والفارق واضح بين مفهوم الدولة، ومفهوم النظام.. الدولة تعمل من خلال مؤسسات خادمة للمجتمع، والنظام يعمل من خلال مجتمع ومؤسسات خادمة للنظام الحاكم فقط، وهذا لا تراه إلا في الأنظمة الديكتاتورية الشمولية التي يتحكم فيها الحاكم الفرد في مصائر الجميع من خلال منظومة الطغيان والاستبداد. وتتكلف هذه المنظومة هبات وعطايا وحوافز داخل إطار المنظومة الاستبدادية عبر الرواتب والمهايا والحوافز والبدلات، وكذا خارج هذه المنظومة عبر الوسائط الدينية الموظفة كخادم مطيع، من الجماعات الدينية على كافة توجهاتها الدعوية السلفية، أو الجهادية حسب المفاهيم الدينية، وكذا عبر القبائل والعشائر الخارجة عن منظومة الدولة، والبعيدة عن الإحصائيات الرسمية، لتكون أذرعَ معاونةً لنظام الطغيان الاستبدادي الذي يعمل ضد المجتمع. وهذا وحده لا يكفي لنظام الاستبداد، لأن الأمر يحتاج إلى قوة عسكرية مسلحة تكون بمكنتها السيطرة على المجتمع، وتحويله إلى مايشبه مجتمع القبيلة والعشيرة ليدين بالولاء رغباً أو رهباً للنظام الحاكم، ويتوقف استمرار منظومة الاستبداد على هذه القوة العسكرية المسلحة بأعداد تضمن السيطرة على المجتمع، وتهميشه!! كل هذه الأمور أمور ضاغطة على أعصاب المجتمع الضعيف، والذي أصبحت أعصابه متوترة وذهنيته مشتتة بين أروقة المطالب الاجتماعية المزدحمة بالمطالب الأولية الحياتية والتي تشمل السكن، والطعام والشراب وفواتير العلاج والأمراض، على أبسط التقديرات، ومن ثم أصبح أكل العيش هو الهم الوحيد لهذا المجتمع الضعيف، وهذا أصبح صعب المنال!! الذي يدلل على ما سبق في الشقّ الأخير الخاص بالجانب العسكري أن النظام المصري يوظف في الدولة المصرية ما يقترب من ستة ملايين موظف رسمي، بجانب مليون موظف خارجين عن هذا العدد، ويختص بهم قطاع الأعمال الخاص، بمعني أن عدد 6 مليون موظف يوجد من ضمنهم مليون وسبعمائة ألف موظف لدى قوات الأمن فقط، بتكلفة ميزانية قدرها 190 مليار جنيه مصري، فمعنى ذلك أن كل مجموعة من المواطنين لا يتعدى عددهم أصابع اليدين، يراقبهم فرد أمن، ويحصي عليهم تحركاتهم وسكناتهم وصحوهم ومنامهم!! أليس هذا يضعف المجتمع، ويقوي النظام الحاكم!! الأقباط من نفس هذا المجتمع، وهم يمثلون فصيلاً هاماً وحيوي في المجتمع المصري، ومعهم باقي الأقليات الدينية الممتزجة في المجتمع المصري، والتي يندر معها أن تظهر هويتها الدينية في أي شأن من الشئون العامة أو الدينية، لدرجة يصعب معها التفرقة بين مسيحي ومسلم سواء في الزي أو الشكل أو طريقة التعامل اليومية. ولكن تظهر المضايقات من بعض المرضي النفسيين، والجهلة والأغبياء من أنصاف الآدميين، كما يعلو معدل البغضاء والكراهية لدرجة تصل إلى الرفض التام من غالبية أعضاء الجماعات الدينية، الدعوية منها والقتالية، مع أنه لا فارق بينهما سوى في الدرجة، إلا أن الألوان تتفاوت.. الأزمة الكبرى تجدها في أركان الدولة ومؤسساتها العامة، وخاصة المؤسسات الدينية، فهي تعمل على مدار الساعة للتحريض على الكراهية وإظهار البغضاء للأقباط، وهذا واضح من خطباء المنابر في أيام الجمع والمناسبات الدينية، ومن المناهج الدينية، وكذلك تراخيص بناء المساجد والزويا الممنوحة بلا أي ضمانات، وتعقيد بناء أو ترميم أي كنيسة أو دار عبادة دينية!! النظام الاستبدادي الطغياني، يستمدُّ قوته من استخدامه للأقليات الدينية درعَ حماية له كضمانة لاستمراره وبقائه في الحكم والسلطة الاستبدادية، المعتصمة على الدوام بمقولة حماية الأقليات الدينية من الإرهابيين والتطرف الديني، في حين أن الإرهاب والتطرف هما صنيعة الأنظمة الاستبدادية التي يتم توظيفهما لمصلحة الاستبداد. أنظمة الاستبداد تجعل من الأقليات الدينية على الدوام جسد ضعيف منهك لا يقوى على القيام بواجباته الإجتماعية المعطلة بإرادة النظام الطغياني، ومن ثم ابتعاد الأقليات الدينية عن ممارسة حقوقها السياسية، وتستمر العزلة الإجتماعية بتوابعها السياسية لترتكن الأقليات الدينية إلى دور العبادة الدينية، وتبدأ الوصايات الدينية مغموسة بوصايات سياسية واقعة على رأس المؤسسة الدينية، التي أصبحت الملاذ الوحيد للأقليات، ولكن داخل المؤسسة فقط، ومن هنا كان استخدام روؤس المؤسسات الدينية درعاً أعلى لحماية الطغيان والإبقاء عليه، وهذا يتم بمباركة المؤسسات الدينية للاستبداد ممثلاً في شخص الحاكم الذي صار أمام الجميع وكأنه إله يصدرأوامره وكأنها وحي من السماء للجميع، ومن يرفض هذه الأوامر يصير في عداد الكافرين بالحاكم الإله/ الصنم، أو الإله الصنم/ الحاكم.. هذا يستمر مع كافة رموز المؤسسات الدينية الرسمية، المسيحية منها، والإسلامية، إلا أن الأخيرة تدين بديانة الحاكم.. وهذا هو الفارق..!! ليستمر نظام الطغيان والاستبداد في مسيرة فساده، يستخدم العناصر والرموز الدينية في إدارة الفتن الطائفية، والصراع من أجل الله، ومن أجل الجنة المؤجلة للآخرة حسب المعتقدات الدينية، ويتم استثمار هذا الصراع الآخروي لضياع الحقوق الدنيوية، وكأن الحاكم الطاغية المستبد، قد تحول من دوره الوظيفي لصيانة وحفاظ وتوزيع الثروات، بميزان الدستور والقانون، حسب النظرية البسيطة المتعلقة بتوزيع الحقوق والواجبات، ليقوم بدلاً من هذا الدور بدور وظيفي آخر هو العناية بالإيمان الديني الذي يؤهل المجتمع للدخول في استثمار مضمون آخروي، متمثلاً في جنة الآخرة، هروباً من تبعات جنة الدنيا، والتي تعني البحث عن الوسائل والأساليب السياسية لتحقيق مجتمع الرفاهة والعدالة الإجتماعية، بمنظومة تحافظ على الإنسان، مجرداً من أي عنصر إلا عنصر المواطنة وفقط!! وهذا الدور الوظيفي للحاكم الطاغية، يستميل رجال وفقهاء الدين أياً كان هذا الدين.. وهذه جملة أسباب تجعل المجتمع ضعيفاً والنظام الحاكم قوياً، ولكن الذي يظل ضعيفاً ومستهدفاً من الطغيان والاستبداد، كافة الأقليات الدينية، ولذلك فإن المستفيد الوحيد حصرياً من جريمة مجزرة كنيسة القديسين بالأسكندرية ليلة عيد الميلاد، هو النظام المصري حصرياً، وبلا منازع، والخاسر الوحيد بلا مناع حصرياً هو المجتمع المصري بمسلميه، ومسيحييه وكافة الموجودين على أرض مصر، والذي نأمل أن تغيب عنه المفردات اللغوية الضاغطة بتعبيراتها الدينية، لتقول هذا مسيحي، وهذا مسلم، وهذا بهائي، وهذا نوبي، او شيعي، أو حتى من عبدة الأصنام من أصحاب الديانات الوثنية الأرضية، ولكن هذا لا يتم إلا بتغييب دور مثلث الاستبداد والطغيان والفساد، ذلك المثلث الحاكم في مصر بجدارة وامتياز غير مسبوق. وأي حديث يذهب بإلقاء اللائمة الإجرامية في حادث مجزرة كنيسة القديسين على تنظيم القاعدة، والموساد، وأقباط المهجر، هو حديث هراء، وكذب، وهارب من المسؤلية، لأن المسؤولية واقعة على عاتق النظام السياسي القوي، في مواجهة المجتمع الضعيف، وإلا ماذا يعني أن عدد أفراد الأجهزة الأمنية يزيد عن (1,7), مليون وسبعمائة ألف فرد، بميزانية تخص الأجهزة الأمنية تقدر بـ 190 مليار جنيه مصري سنوياً ، وكل عام في ازدياد..!!. البديل الوحيد هو تفعيل الحريات الإجتماعية، ومعها الحريات السياسية، لتنتج مجتمعاً يقوم على أسس ومبادىء الديمقراطية لإنتاج دولة المواطَنة القائمة على أساس الحق والواجب، وهذه هي المسؤولية الحقيقية بأبعادها الإنسانية السامية، وهذه مسؤولية تؤدي في النهاية إلى رحيل نظام قائم على أضلاع ثالوث الاستبداد المنتج للطغيان المؤدي لصناعة كافة منتجات الفساد.
تصبحون على وطن!!
mahmoudelzohery@yahoo.com