أدب المفكرين وفكر الأدباء

عطية مسوح قرأها 1,648

أدب المفكرين وفكر الأدباء 

لا نقصد أن يؤلف المفكر والفيلسوف رواية أو قصيدة أو ديوان شعر، برغم حدوث ذلك. ولا نقصد أن يضع الأديب عملاً أدبياً ذا موضوع فلسفي أو فكري برغم حدوث ذلك أيضاً.

ما نقصده هو روح الأدب التي تعيش في الأعمال الفكرية والفلسفية ورائحة الأدب التي تفوح من عباراتها وصياغاتها، والقاعدة الفلسفية التي تقوم عليها الأعمال الأدبية والمنظومة الفكرية التي يتحرك بهديها قلم المبدع وهو يعيد تشكيل المواقع تشكيلاً فنياً.
قارئ العمل الفكري الجاد أو البحث الفلسفي المتقن سيجد بالضرورة أن الكاتب امتلك ناصية اللغة امتلاكاً كافياً، وأن خياله لم يكن على هامش تفكيره وكتابته، بل هو عامل مؤثر فيهما، وعنصر من عناصر عمله، صياغة وأفكاراً. فالخيال في الأعمال الفكرية والفلسفية، وحتى الجوانب التطبيقية لتلك الأعمال، هو محرض العقل ومولد الموضوعات، وهو ما يحث على تجاوز الواقع، هذا التجاوز الذي يُعدُّ غاية كل عمل فكري أو فلسفي أو فني.

 فلا حاجة للخيال في الفكر والفلسفة إذا افترضنا أن دورهما يقتصر على تصوير الواقع، أو تفسيره. ولا غنى عن الخيال، إذا انطلقنا من أن دورهما يتعدّى التصوير والتفسير إلى المساهمة في التغيير.

بعض الوعي قد يكون انعكاساً للواقع، وبعض الفكر قد يكون تصويراً له، لكن ذلك يعني سلبية الفكر وعجزه عن ممارسة أي دور تقدمي تغييري، فهذا الدور يقوم على أن الفكر يستشفُّ ويتنبّأ ويتجاوز، ويفلت من قيود الواقع ليحرض القوى التغييرية على الفعل والتغيير.

وبعض الوعي قد يكون فهماً للواقع ساذجاً وسطحياً، فيسهم في كثير من الأحيان بتكريس الواقع وتجميده. وبعض الوعي قد يكون سلفياً رجعياً، يرى الحلَّ في تقليد الأجداد، والحرص على تراثهم، وفي تقديم الماضي على الحاضر، والبحث في أروقة الماضي أو كتب الأولين عن حلول لمشكلات الواقع، وهذا شكل من أشكال غربة الفكر عن الواقع، والسلبية تجاه قضاياه ومشكلاته.

أما الفكر الإيجابي الفعال، القادر على التأثير والإسهام في التغيير، فهو الفكر الذي يعيش العصر ويستوعب معطياته ويتجاوز الواقع، وفي هذا التجاوز تكمن الروح الإبداعية للفكر، وفيه يبدو الخيال بوصفه حافزاً للتفكير والإبداع.

من هنا يعيش الأدب في العمل الفكري والفلسفي الجاد، فالخيال هو جوهر الأدب، وليس صحيحاً قول من يقول: إن تصوير الواقع هو جوهر الأدب، فقد يكون تصوير الواقع جوهر ما يقوم به كاتب الريبورتاج والمصور الفوتوغرافي، وواضع التقرير الوصفي. أما ما يقوم به الأديب فهو شيء مختلف تماماً، أساسه الخيال وغايته مزج الجميل الممتع بالمفيد الفعال، بل الوصول إلى الفائدة والفاعلية عن طريق الجمال والإمتاع.
أما وجود الفكر في الأدب، فهو من الأمور البديهية، إذ لا أدب بلا محتوى، ولا نص لا يحمل أفكاراً، فكل نص أدبي أو عمل فني هو تجسيد لمضمون اتّحد بشكله، لمضمونٍ اختارَ شكلاً وشكلٍ حملَ مضموناً، وولدا معاً في صورة متكاملة. الفكرة في ذهن الأديب هي فكرة مجردة، لا وجود لها من الناحية الموضوعية، لأنها لم تطرح على الناس، ولا يأتي طرحها على الناس إلا وهي ذات شكل، فلا يمكن لفكرة أن توجد خارج الشكل، كما لا يمكن لشكل أن يكون فارغاً، فهو ليس وعاءً على رفٍّ من رفوف المطبخ، يتناوله الإنسان ويملؤه ويستخدمه، بل هو مولود بما يحمله من أفكار.
هذه الوحدة هي أعلى أشكال الوحدة، والعلاقة المتبادلة فيها هي من أكثر العلاقات تعقيداً، وهي ليست علاقة بين طرفين بمقدار ما هي تجسيد للتمازج والتماهي، فكل طرف موجود في الآخر وليس متحداً معه، أي أنهما ليسا طرفين منفصلين اتّحدا بفعل إرادي من الأديب، بل وُلِدا معاً، يفوح كل منهما من الآخر، ويبوح به.

وإذا كان وجود الفكر في الأدب وجوداً موضوعياً وعضوياً، فهذا يعني أن كل أديب هو مفكر، وكل أديب كبير هو فيلسوف على نحو ما، له فهمه للحياة ومواقفه إزاء مشكلاتها الكبرى.

وإذا كان النقد الأدبي، جزءاً من الأدب، وهذا ما يكاد يتفق عليه النقاد والأدباء في زمننا، فإن علاقة النقد بالفلسفة هي علاقة شديدة الوضوح. فلكل نقد خلفية فلسفية، ولكل ناقد فلسفته، وبغير ذلك يكون نقده نتفاً مبعثرة لا جامع بين أوصالها، ولا تصبّ في غرض النقد الأساسي الذي هو إغناء نظرية الأدب.

ومن هنا، قد نصل إلى إدراك ضعف الكثير من الكتابات النقدية التي تحملها الصحف والمجلات والكتب، وقد نصل إلى السبب الذي يجعلنا نشعر أن الكثير من الشعر أو السرد لا يرقى إلى مستوى الإبداع، كما أن انعدام الخيال والتوثب في الكثير من الكتابات الفكرية والفلسفية، يجعلها نوعاً من التكرار الذي لا إضافة فيه.