يجلس بقربي
اعتاد أن يرتاد هذه المقهى منذ مدة طويلة، عرفته لأن مدة ارتيادي لها هي نفس مدته، المهم هو من الزبائن الذين ظل انطباعهم راسخا بذاكرتي، ربما أنا كذلك في ذاكرته. أعرفه بملامح وجهه ذات المحيا الواجم على نفس لا تطيق الكلام، وتنبهر بصمت مطبق على الشفاه. يجلس في نفس الكرسي، الذي اعتاده دائما، علاقة نفسية غير مبررة بالمكان الذي يستحيل التخلص منه، بعد أن ننسج معه علاقات سرية وحميمية لا تفهم بمنطق الأشياء والذوات، إذ كلما حاولنا تحليلها لا نستقر على رأي، ولا نفهم لماذا يحدث ذلك! بالفعل الكرسي لا يعني شيئا سوى الجلوس.
بعد أن يتفحص وجوه الجالسين، والغائبين منهم، يخرج نظارته من جيب معطفه البني ذو الفرو اللامع، يطلب من النادل قهوة سوداء، ويرجوه بإشارة ميمية أن يمده بجريدة. هو بقربي تماما، كما أنني بقربه، ربما مصادفة أن أجلس بقربه. يرتشف قهوته. يدخن سيجارة. يبدأ في تصفح الجريدة. يطالعها بتأني، لا يقلب الصفحة إلا بعد مضي وقت طويل، أخال أنه يحفظها ليستظهرها عن قلب. أحس بالملل. أنظر إلى التلفاز المبثوث في الحائط، لا تشاهده باعتباط. أنظر إليه مرة أخرى يشعل سيجارة ثانية، وينفث دخانها في الهواء، يقلب الصفحة الموالية يقرأ العناوين، مع همهمة لا أدري محتواها. يرتشف قهوته ويضيف إليها قطعة سكر، فجأة يمسك بالجريدة ويضعها مطوية على المنضدة، هاتفه يرن. يتلقى مكالمة. بعد صمت وإنصات متمعن يصرخ، وهو يزيل نظارته، ويقول بشكل مسموع: "اسمعي لن آتي إلى المنزل، لم أعد أطيقه. بهذه الكلمات ختم مكالمته، وأقفل الخط بعنف، تبدّلت قسمات وجهه التي يعلوها الغضب نرفزة مستفزة، هكذا تسير الأمور في بعض الأحيان، الكلام يوقظ الأحاسيس الدفينة، والمواجع التي تولد كبيرة وتصير صغيرة، وتذوب في دواخلنا. يعود للجريدة مجددا، يقلب الصفحة تلو الأخرى، وبدون تركيز. لم يعد يقرأ كما كان يفعل سابقا، عرفت أن الغضب يسرّع من وتيرة الزمن، ويجعل الأشياء أقل إحساسا وبدون لون وطعم، ليحيلها إلى التفاهة أو ما شابه ذلك.
بعد مدة، يخرج صاحبي مذكّرة صغيرة من جيب معطفه، يفتحها، يدوِّن عليها بعض الأرقام التي صادفها في صفحة من صفحات الجريدة. ثبتت على الصفحة، فالفضول دفعني لأعرف أهمية تلك الأرقام، خاصة وأنها على صفحة الإعلانات والإشهار. يغلق مذكرته، يعيدها إلى جيبه، يطوي الجريدة ويضعها جانبا.
من عادتي أني لا أطالع الصحف إلا لماما، أو إجبارا، ربما هي عادة، أو قل ملل تام. طلبت منه مناولتي إياها. إن كان قد فرغ منها. وضعها أمامي في أدب، وشكرته، وأردف قائلا : - لا جديد فيها نفس الأخبار والأحداث والوقائع، لكن رغم ذلك طالعها لتزحية الوقت.
لا أعرف سبب هذا الفضول، الذي يشتعل في دواخلي، لم يكن غرضي معرفة ما تعطيه الصحيفة، فهي مسبقا أشبعتنا، كما نفسه التلفاز الموجود أمامي، بحرب العراق وأفغانستان والصومال، وصراع الأشقاء في فلسطين، فعلا هي مليئة بأحداث النصب والاغتصاب، ووقائع ردهات المحاكم، والكلمات المسهمة الخاطئة، والرياضة إن غطتها. أردت فقط معرفة ما دون هذا السيد الجالس بقربي. فأنا أدرك الصفحة وعددها، لعله شك ارتيابي قد اعتراني. قلت لو ذهبت مباشرة إلى الصفحة المقصودة، سيعرف ما ألوي عليه. لذلك تظاهرت بتقليب الصفحات، حتى وصلت إلى صفحة الإشهار. لأفاجأ بما وجدت. إعلانين فقط لا ثالث لهما. غطيا هذه الصفحة، ودللا بعنوانين كبيرين مغريين ومنمقين بألوان مثيرة تجدلي حب المشاهدة والتطلع. مع أرقام هاتفية في الجانب، لإحدى الشركات التي تبيع أعشاب طبية للعجز الجنسي، وأخرى خاصة بأحد الفلكيين الذين يطلعونك على برجك ومستقبلك الغامض.
اهتمام نادر، أن تقلب الجريدة، ولا تجد ما يثيرك فيها، ويلبي شبقك المعرفي سوى ما عجز الآخرون على الحصول عليه. أقنوم خاص بلذة الحياة والمتعة، التي فرت من أناملنا ذات صباح، ونحن نستفيق من على السرير، لننظر في المرآة، وندرك هل أصبحنا نحن أم غيرنا، ونرتب أشياءنا ونخرج مطاردين الآمال، لعلنا نجدها في قهوة فنجان، وجريدة لا تبوح بأسرارها.