بين عقليتين

عطية مسوح قرأها 1,628

 بين عقليتين

(أضعنا فرص الفوز فخسرنا)

ليست هذه نكتة، أو مثالاً للكلام غير المفيد، بل هو عنوان مادة تصدّرت الصفحة التاسعة (الرياضية) من جريدة (الثورة) يوم الأربعاء 3 تشرين الثاني الجاري.

سبب خسارتنا إذاً هو أننا لم نَفُزْ! كان معلمو المدارس الذين درسنا على أيديهم يضربون لنا الأمثلة للكلام غير المفيد، بكلام منظوم من نوع
الليلُ ليـــلٌ والنهارُ نهـارُ    والأرضُ فيها الماءُ والأشجارُ

أو
كأننـا والمـاءُ من حـولنـا     قـومٌ جلـوسٌ حـولَهم مـاءُ

وإذا كان في هذين البيتين، وما يشبههما نوع من خفّة الظّل التي يبتسم لها القارئ، فإن تعليل الخسارة بعدم الفوز في عنوان المادة الصحفية المذكورة يخلو تماماً من خفة الظل، بل جاء جاداً ومعبراً عن المرارة، لأن منتخب الناشئين الوطني لكرة القدم، خسر مباراة حساسة وخرج من (بطولة كأس آسيا) كما جاء في المادة المذكورة.

دفعني العنوان إلى قراءة المادة، ربما لأتلمّس (المنطق) والتحليل اللذين أوصلا الكاتب إلى هذا الاستنتاج العميق! كانت المادة تعليقاً لكل من مدرّبَيْ الفريقين، وسأنقل، حرفياً، ما قالاه.

قال مدرب فريقنا: (لعبنا بصورة جيدة، وكان عندنا فكرة مبدئية صحيحة عن المنتخب الأوزبكي، ولكننا لم ننجح في تحقيق الفوز، كانت هذه هي مشيئة الله ألا نتأهل للدور قبل النهائي. عندما سجلنا هدف التعادل أتيحت لنا المزيد من الفرص للتسجيل، وإضافة الهدف الثاني، ولكن لسوء الحظ كان الفوز من نصيب أوزبكستان).

وقال مدرب الفريق الأوزبكي:

(واجهنا خصماً قوياً وجيداً للغاية. وقد كانت المباراة صعبة وجاءت الأحداث متباينة خلال الشوطين. في الشوط الأول حاول المنتخب السوري الاعتماد على المهاجم حسام عمر من خلال تبادل التمريرات والتحركات، ولكنهم في الشوط الثاني اعتمدوا على الطريقة الإنكليزية من خلال الإكثار من الكرات العرضية. كنا نسعى خلال المباراة للعب كرات على الأرض، ولكننا سجلنا هدفين عبر كرات رأسية، وهذا أمر مفاجئ. أظهر لاعبونا مستوى قدراتهم الكامل من أجل تحقيق النتيجة المطلوبة، وأنا أشكرهم على ذلك. أعتقد أن تيمور حكيموف لاعب موهوب، وأنا أحب طريقته في التدرب باجتهاد، وهو لا يتوقف عن التطور، أتمنى أن أراه لاعباً محترفاً كبيراً في المستقبل).

أردت من عرض كلام المدرَبيْن، كما ورد في المقالة المذكورة، أن أطلع القارئ على منهجين في تناول القضايا وتحليلها والوصول إلى طرح الرأي حولها، منهجين يدلاّن على عقليتين متناقضتين، إحداهما تقوم على التسليم، والثانية تقوم على التفكير.

قال مدرب فريقنا: (لعبنا بصورة جيدة، وكان عندنا فكرة مبدئية صحيحة عن المنتخب الأوزبكي). وسيلحظ معي القارئ ما في هذه العبارة من رضا عن الذات وإعجاب بالنفس، بل ما فيها من مكابرة بعد خسارة مريرة أخرجت فريقنا من البطولة. ومقابل هذه العبارة، افتتح المدرب الأوزبكي كلامه بالقول: (واجهنا خصماً قوياً وجيداً للغاية، وقد كانت المباراة صعبة وجاءت الأحداث متباينة..) وسيلحظ معي القارئ أيضاً ما في هذه العبارة من موضوعية تعطي الخصم حقه، وتقرّ بصعوبة خوض هذه المعركة الكروية، دون نرجسية ومفاخرة من الجائز أن يظهرا بعد الفوز.

ومن الطبيعي، وجرياً مع المنطلق الذي افتتح به كل من المدرّبين حديثهما، أن تأتي العبارة التالية التي تفسّر الخسارة، والخروج من البطولة. يقول مدرّبنا:

(كانت هذه هي مشيئة الله ألا نتأهل إلى الدور قبل النهائي).

إذاً، لقد خسرنا لأن الله أراد لنا ذلك! الله جلّ وتعالى هو الذي أراد أن يصل الفريق الأوزبكي إلى الدور التالي، وأن نخرج نحن من البطولة. أما نحن، فقد (لعبنا بصورة جيدة) ولا ذنب لنا ولا علّة في تدريبنا ولعبنا، وفي عقليتنا أيضاً!.

يظن بعض الناس، أنهم ـ يمجدون الله ويعظمونه حين ينسبون إليه كل شيء، ويلقون ضعفهم وتقصيرهم وأخطاءهم على إرادته ومشيئته. ولا يتساءلون أين دور الإنسان إذاً؟ إذا كان الله جلّ وتعالى شاءَ سلفاً أن يفوز الفريق الأوزبكي، فلم التعب والتدريب والحرص على صنع الفرص والإفادة منها؟ ألا يتساءل القارئ لمَ أرادنا الله أن نخسر ونخرج؟ وهل الفريق الأوزبكي أكثر قرباً إلى الله من فريقنا؟.

إن التملّص من المسؤولية، بإلقاء تبعة التعثر والفشل على الآخرين، أمرٌ دارج في مجتمعنا، وهو عيبٌ من عيوب الشخصية العربية، وأخطر ما في هذا العيب أنه ينتقل من جيل إلى جيل عبر التربية والتأثر، ولعل أخطر ما في الكلام الذي عرضناه أنه يُدخل في ذهن الناشئين الذين اختاروا كرة القدم طريقاً لتحقيق ذواتهم والقيام بدورهم الوطني، أن كل شيء مقرّر مسبقاً، بإرادة إلهية، هي قضاء الله الذي لا رادّ له. هو جلّ وتعالى، قرر أن تفوز أو تخسر، والأمر محسوم حتى قبل أن تلعب كرة أو تخوض أية معركة أو تقوم بأي عمل!.

إنّ إلقاء المسؤولية على الآخرين ضار بالإنسان، لأنه يبعده عن دراسة أخطائه وتصحيحها، لكنه يصبح على درجة عالية من الضرر، حين تُلقى المسؤولية على قضاء الله وقدره، فعند ذلك لا مجال للمعالجة، ولا نفع لأي تدبير يتخذه الإنسان، إنّه الشلل الكامل والتسليم بالعجز.

إن أهم أهداف التربية بناء الشخصية الإنسانية الواثقة الفاعلة المواظبة، وجوهر ذلك أن ينطلق الإنسان من أن عمله الجاد، القائم على إعداد متين وفهم صحيح للظروف، هو الذي يقرّر النتيجة التي سيصل إليها، تلك النتيجة التي لا يمكن أن تكون مقررة مسبقاً، لأنها، إن كانت مقررة ومحسومة، فلا نفع لكل الإعداد والعمل، ولا فائدة من كل التوصيات بالسعي والجد والمثابرة، ولا جدوى من العلم والثقافة.

لا يظنَّنَّ أحدٌ أن هذا المنطق يضعف إيمان المؤمنين، أو يقلل من شأن الله أو مكانته في عقولهم ونفوسهم، إنه منطق الحياة والتقدم، منطق الجد والعمل والإخلاص، الذي باركته كل الديانات والفلسفات، وسعى إلى تكريسه كل المصلحين.