"الكليّات" و"الحياة الواقعية"

عطية مسوح قرأها 878

في كل العصور كانت الفلسفة حقلاً نخبوياً، لا يخوض لججها إلا فئة من المثقفين، ولا يتعمق في بحثها إلا موهوبون متميزون بالقدرة على الانغماس في بحث الكليات والمجردات.

لكن حذر الناس من الفلسفة وانصرافهم عنها لا يعودان إلى طبيعتها النخبوية فقط، بل يمكن أن نحمّل الفلاسفة، والعاملين في حقل الفلسفة، مسؤوليةً عمليةً هي انصرافهم عن البحث في قضايا الحياة اليومية الكبيرة والصغيرة، وغرقهم في الكليات الذهنية التي لا يجد الناس أنفسهم مشدودين إليها.

قد يقال إن الناس جميعاً يهتمون بالكليات، فقضية الحياة والموت والخلود والفناء والوجود والعدم شغلت الإنسان، ولا تزال تشغله، وبالتالي فإن ثمة قاعدة مشتركة بين الفلاسفة والناس، وبين الفلسفة واهتمام البشر. غير أن هذا القول (على صحته) لا ينقض فكرتنا السابقة، إذ إن الناس وجَدوا ما يعتقدون بأنه جواب عن تساؤلاتهم حول المسائل الكلية المذكورة، واعتنق معظمهم أدياناً تؤكد نفي فناء الإنسان، برغم تحلل جسده بعد الموت، لأن الروح لا تفنى.
فالأديان بهذا المعنى هي جواب فلسفي عن أسئلة فلسفية، والناس اقتنعوا بالأديان واعتنقوها فاكتفوا بأجوبتها وارتاحت نفوسهم لما سيكون بعد الموت من حياة.

إنها رؤية كلية أيضاً، لكن اعتناق الناس لها شكل قاعدة لانصرافهم عن الفلسفة، أو الفلسفات الأخرى. فحين تطرح مسائل فلسفية أمامهم يرون أنك تبحث فيما هو محسوم ومجاب عنه من مئات السنين، وقد ينساقون وراء اتهام مثيري الشك وباعثي الأسئلة الفلسفية بالزندقة والكفر ومخالفة الفطرة.

لذلك تظل النخبة، والمميزون من المثقفين، هم من يسبح في بحر الكليات ويخوض في التفاصيل المنطقية والبرهانية.

من هنا يأتي سؤالنا، ألا يمكن استعادة علاقة الناس بالفكر الفلسفي؟ وهل أغنت الأديان عن البحث الفلسفي في الكليات حقاً؟

السؤال يحيل إلى دور العاملين في حقل الفلسفة، وذلك عبر معالجة انشغالهم بالكليات النظرية وانصرافهم عن ربط الفلسفة بالحياة اليومية.

ففي حياة الإنسان مسائل كلية هي يومية في الوقت ذاته. فثالوث الحق والخير والجمال لا وجود له خارج حياة الناس وعلاقاتهم، والمفاهيم المتصلة بهذا الثالوث تتطور وتغتني وتتبدل من زمن إلى آخر، وتتباين من مجتمع إلى مجتمع، والبحث فيها دون تلمس علاقتها بالحياة اليومية لا منطق فيه.

إن البحث في احتياجات الإنسان المادية والعقلية هو باعتقادي ميدان فلسفي كبير، لا يحلّ محل البحث في الكليات، ولكنه ضروري كي يكون هذا البحث مفيداً للإنسان وعامل ربط للفلسفة بالحياة.

ومن هذا المنطلق يمكن أن نقول إن البحث في علاقة الفرد بالمجتمع، والفرد بالأمة، والدين بالحياة، والعلاقة بين الأجيال تفاصلاً وتواصلاً، والعلاقة بين المحلية والعالمية، وغير ذلك مما يعدّ من حقول علم الاجتماع والفكر السياسي، هو من اختصاص الفلسفة بالدرجة الأولى، ولا خير أبداً في ابتعاد الفلاسفة عنه.

سعت الوضعية، والوضعية المنطقية، والذرائعية، إلى وضع الفلسفة في خدمة العلم، وفي هذا شيء من الصواب، لكن المشكلة في هذه الفلسفات أنها أخضعت الفلسفة لمعطيات العلوم الطبيعية، فأفقدتها صلتها بالكليات، وخرجت بها عن طبيعة الفلسفة وأضعفت روحها، أي إنها لم تعالج مشكلة التوازن بين الكلي والجزئي، بين الفكر المجرد والحياة الواقعية، بل أحلّت عدم توازن جديد محل عدم توازن قديم.

لقد وُجدت في فكرنا العربي الحديث دعوات إلى ربط الفلسفة بالحياة، لا من منطلق وضعي أو ذرائعي، بل كان ذلك جزءاً من سعي المفكرين إلى جعل الثقافة وسيلة لدراسة الواقع والنهوض بالمجتمع.

وإذا كان بعض المفكرين قد نحا منحى قريباً من الوضعية أو اعتنق الوضعية ودعا إليها، فإن بعضاً آخر حرص على التوازن بين روح الفلسفة بوصفها رؤى كلية ومنهجاً برهانياً عقلياً وبين اهتمامها بقضايا الحياة الواقعية.
بهذا التوازن يمكن أن يتعزز الدور التنويري والنهضوي للفلسفة، ويمكن لها أن تكون فعالة في التغيير والتقدم، وهو دور أكد ضرورته فلاسفة كبار، أهمهم ماركس حين أعطى الفلسفة مهمة لا تقتصر على تفسير العالم بل تسهم في تغييره.